خيوط العنكبوت.. كيف تدير إيران شبكات التجسس والتخريب في دول الخليج؟

السبت 14/مارس/2026 - 08:42 م
طباعة خيوط العنكبوت.. كيف علي رجب
 
في غضون أيام اقليلة، وتحديدا خلال شهر مارس 2026، تكشفت في أكثر من عاصمة خليجية خيوط مؤامرات أمنية تمتد جذورها إلى طهران، حاملة بصمة واحدة لا تخطئها العين الحرس الثوري الإيراني.

من المنامة إلى الدوحة، ومن دبي إلى ما هو أبعد، تتشابك الأدلة وتتقاطع الاعترافات لترسم صورة موحدة عن استراتيجية إيرانية ممنهجة تستهدف زرع عيون وأذرع في عمق دول الجوار الخليجي. فهل باتت دول الخليج أمام تحد أمني وجودي يتجاوز حدود الخلاف السياسي المعتاد مع طهران؟
قطر: اعترافات تقلب الطاولة
كانت المفاجأة مدوية حين أعلن جهاز أمن الدولة القطري، يوم الثلاثاء، عن اعتقال خليتين تعملان لصالح الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي القطرية. عشرة متهمين في قبضة الأمن، مقسمون بين مهمتين مختلفتين غير أنهما متكاملتان في خطورتهما، سبعة منهم كلفوا بجمع المعلومات الاستخباراتية حول المنشآت العسكرية والحيوية في الدولة، فيما تلقى الثلاثة الباقون تدريبات متخصصة على استخدام الطائرات المسيرة لتنفيذ أعمال تخريبية.

الأخطر في هذه القضية ليس فحسب عدد المتهمين، بل ما ضبط بحوزتهم: إحداثيات دقيقة لمواقع حساسة، وأجهزة اتصال مشفرة، ووسائل تقنية متطورة. 
وفي غرف التحقيق، أقر المتهمون صراحة بارتباطهم بالحرس الثوري وبتكليفهم المزدوج بالتجسس والتخريب، هذه الاعترافات، في حال صحتها، تمثل توثيقا نادرا وصريحا للعلاقة المباشرة بين الحرس الثوري وعملائه الميدانيين داخل دولة خليجية ذات سياسة خارجية معتدلة نسبيا تجاه إيران.

البحرين: الجغرافيا الملتهبة تزيد الرهانات
لم يكن الكشف البحريني أقل خطورة من ما كشفته الداخلية القطرية، حيث أعلنت وزارة الداخلية البحرينية، فجر الخميس، القبض على أربعة مواطنين وتحديد هوية خامس لا يزال فارا خارج البلاد، بتهمة التخابر مع الحرس الثوري الإيراني عبر عناصر إرهابية مقيمة في إيران.
 
القضية تحمل تفاصيل عملياتية لافتة: المتهم الرئيسي، مرتضى حسين أوال (25 عاما)، عمل بموجب تكليف تنظيمي، وبمساعدة من بقية أعضاء الخلية، على التقاط صور دقيقة وإحداثيات لمواقع حيوية في البحرين باستخدام معدات تصوير عالية الدقة، ثم نقلها عبر برامج اتصال مشفرة إلى الحرس الثوري. 
والمثير للانتباه أن أعمار المتهمين تراوحت بين 22 و36 عاما، وبينهم امرأة، مما يكشف أن الاستهداف الإيراني لا يقتصر على فئة بعينها.
 
وفي سياق مواز، كشفت الداخلية البحرينية عن القبض على ستة أشخاص آخرين بتهمة تصوير ونشر مقاطع مصورة تمجد الأعمال العدائية الإيرانية وتروج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ما يبدو عملية حرب نفسية مرافقة للنشاط الاستخباراتي الميداني.

هذا التزامن بين الاختراق الأمني والحرب الإعلامية الإلكترونية يكشف عن بنية عملياتية متكاملة ومتعددة المستويات.
 
البحرين، التي تشهد توترا مزمنا مع إيران منذ أحداث 2011، تمثل بيئة خصبة للاستهداف الإيراني نظرا لعوامل ديموغرافية وجيوسياسية معقدة، بيد أن الجديد هذه المرة هو مستوى التوثيق وعلنية الإعلان، ما يشير إلى رسالة سياسية واضحة تسعى إليها المنامة.

الإمارات: الرد بلغة المؤسسات
على المنوال ذاته، اتخذت الإمارات العربية المتحدة قرارات غير مسبوقة بإغلاق مجموعة من المؤسسات المرتبطة بإيران في دبي: مستشفى الإيرانيين، والمدارس الإيرانية، ونادي الإيرانيين. 
وبموجب هذه القرارات، يتعين على الموظفين الموفدين للعمل في تلك المرافق مغادرة الأراضي الإماراتية، فيما أمهل مستشفى الإيرانيين مهلة لا تتجاوز شهرا واحدا لإيقاف نشاطه.
 
لم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد؛ إذ أمرت السلطات الإماراتية القنصلية الإيرانية في دبي بتقليص ملحوظ في عدد موظفيها، لتتحول إلى قنصلية محدودة الصلاحيات تعمل بكوادر محلية. 
هذه الإجراءات ليست عقوبات دبلوماسية تقليدية، بل تعكس قناعة إماراتية بأن تلك المؤسسات كانت تؤدي وظائف تتجاوز مهامها المعلنة.
 
دبي، التي تحتضن واحدا من أكبر التجمعات الإيرانية خارج إيران، يقدر عددهم بعشرات الآلاف، كانت تمثل منذ عقود ملتقى لشبكات اقتصادية وأحيانا أمنية متشعبة. وما يجري اليوم من تضييق يشير إلى إعادة حساب إماراتية شاملة لطبيعة هذا الوجود ومخاطره.

الاستراتيجية الإيرانية: مزج الاختراق بالتأثير
ما تكشفه الوقائع المتراكمة من قطر والبحرين والإمارات ليس مجرد حوادث أمنية منفردة، بل ملامح استراتيجية إيرانية متعددة الأبعاد.

الحرس الثوري الإيراني، بفيلق القدس الذي يتولى العمليات الخارجية حيث يعمل وفق عقيدة "الحرب في عمق الخصم" التي تجمع بين ثلاثة محاور متوازية التجسس الاستخباراتي بجمع المعلومات عن المنشآت الحيوية والعسكرية، والتخريب الميداني باستخدام خلايا متخصصة قادرة على ضرب البنية التحتية لدى الحاجة، وحرب الإدراك والتأثير على الرأي العام المحلي عبر منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الدعاية.

هذه البنية الثلاثية ليست جديدة في الأدبيات الأمنية، لكن ما يثير القلق هو مستوى التجنيد الميداني من داخل المجتمعات المحلية، سواء أبناء الجاليات الإيرانية أو المواطنين المتعاطفين مع طهران.

الاستجابة الخليجية: تصعيد منسق أم ردود أفعال متفرقة؟
تجدر الإشارة إلى أن توقيت هذه الكشوف المتزامنة يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام موجة عمليات إيرانية متصاعدة كشفتها الأجهزة الأمنية الخليجية في آن معا؟ أم أن هذه الكشوف تعكس مستوى جديدا من التنسيق الاستخباراتي بين دول المنطقة؟ وهل تأتي في سياق رسائل سياسية موجهة لطهران في لحظة إقليمية بالغة الحساسية؟
الأرجح أن الإجابة تجمع بين هذه الاحتمالات كلها. فدول الخليج، التي طورت تنسيقها الأمني بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، باتت أكثر قدرة على الكشف المبكر عن شبكات التجسس الأجنبية، فضلا عن امتلاكها الإرادة السياسية للإعلان العلني عنها وعدم التكتم عليها كما كان يجري في السابق.
 
كما تتشكل من هذه القضايا مجتمعة صورة بالغة الخطورة أن إيران لا تتعامل مع دول الخليج باعتبارها مجرد خصوم دبلوماسيين، بل تستثمر بصبر وعناد في بناء شبكات عميقة قادرة على التحرك وقت الأزمات.

هذا النمط من الاختراق المتعدد الطبقات يستلزم من دول الخليج استجابة تتجاوز الاعتقالات والبيانات إلى بناء منظومة أمنية متكاملة تجمع بين الرصد التقني، والحصانة المجتمعية، والتنسيق الإقليمي الوثيق.

الرسالة الإيرانية، مهما بلغت من عمق ودقة، لا تزال قابلة للمواجهة والتفكيك. لكن ذلك يستلزم أولا الاعتراف الكامل بحجمها وخطورتها، بعيدا عن الاطمئنان المبكر أو الاستهانة بما تكشفه هذه القضايا من حقائق مقلقة عن طبيعة التهديد الإيراني لأمن المنطقة واستقرارها.

شارك