أزمة "اليارسان" في إيران.. ضغوط أمنية لانتزاع بيعة زعيم الطائفة لمجتبي خامنئي

الأحد 15/مارس/2026 - 08:27 م
طباعة أزمة اليارسان في علي رجب
 
في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تشهد المناطق الغربية من البلاد، وتحديدا محافظة كرمانشاه الكردية غرب إيران، تصعيدا خطيرا وممنهجا ضد طائفة اليارسان"أهل الحق"، وهي واحدة من أقدم الجماعات الدينية في المنطقة.

وأفاد مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني بوجود تصاعد ملحوظ في الضغوط والتهديدات الأمنية التي تمارسها الأجهزة الأمنية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد الزعيم الروحي لطائفة يارسان سيد نصر الدين حيدري، خلال الأيام الأخيرة. 
ووفقا للمعلومات الواردة في التقرير، فإن هذه الضغوط جاءت من قبل فيلق “نبي أكرم” في محافظة كرمانشاه وجهاز المخابرات الإقليمي، حيث حاولت هذه الجهات إجبار حيدري على اتخاذ موقف سياسي يتوافق مع الرواية الرسمية للسلطات.

وبحسب التقرير، طلبت الأجهزة الأمنية من سيد نصر الدين حيدري إصدار رسالة تعزية رسمية بمناسبة مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، إضافة إلى نشر رسالة تهنئة بانتخاب مجتبى خامنئي قائدا جديدا للبلاد. 
غير أن مصادر مطلعة أكدت أن حيدري رفض تنفيذ هذا الطلب، معتبرا أن إصدار مثل هذه الرسائل لا ينسجم مع موقعه الديني والروحي داخل مجتمع اليارسان.

وتشير التقارير إلى أن هذا الرفض دفع الأجهزة الأمنية إلى تصعيد ضغوطها، حيث هدد مسؤولو الأمن في كرمانشاه باعتقال الابن الأكبر لنصر الدين حيدري في حال عدم امتثاله لمطالبهم أو عدم مرافقتهم خلال التحقيقات.

ويعتقد أن هذه التهديدات جاءت في إطار محاولة الضغط غير المباشر على الزعيم الديني لإجباره على تغيير موقفه والقبول بالمطالب الرسمية.

كما تحدثت مصادر محلية عن تهديدات أخرى تضمنت إمكانية فرض عقوبات جماعية على أفراد مجتمع يارسان في المنطقة، وهو ما يعكس، بحسب مراقبين، نهجا متكررا في التعامل مع الأقليات الدينية غير المعترف بها رسميا في إيران. 
ويخشى ناشطون في مجال حقوق الإنسان من أن تؤدي هذه الضغوط إلى موجة جديدة من التضييق الأمني والاجتماعي ضد أبناء هذه الطائفة.

عقود من التمييز الديني
تصاعد القمع ضد طائفة يارسان يأتي في سياق أوسع من الانتهاكات التي تعرض لها أتباع الديانة اليارسية في إيران خلال العقود الماضية، فقد شهدت السنوات الأخيرة تكرار حالات الإساءة إلى الرموز الدينية الخاصة بهذه الطائفة، إضافة إلى الاعتداءات على أماكن العبادة والمواقع المقدسة المرتبطة بها.

يعد شارب الرجل وعزف الدف من أبرز الرموز المقدسة لدى أتباع يارسان، ويعتبر المساس بهما إهانة مباشرة لمعتقداتهم الدينية. 
وقد أدت بعض هذه الإساءات في السابق إلى احتجاجات حادة داخل المجتمع اليارساني، بل وتسببت في حوادث مأساوية، من بينها قيام ثلاثة من أتباع الطائفة بإحراق أنفسهم عام 2013 احتجاجا على حلق شارب أحد أتباعهم داخل أحد السجون الإيرانية.

ولا تقتصر هذه الاعتداءات على الجهات الحكومية الرسمية فحسب، بل شاركت فيها أيضا مجموعات متطرفة سنية أو شيعية في بعض الحالات.

وقد تضمنت هذه الاعتداءات مداهمات لمساجد وأضرحة دينية، وتخريبا للمواقع المقدسة، إضافة إلى ممارسة ضغوط نفسية واجتماعية على أبناء الطائفة، مثل تنظيم عروض ساخرة في الشوارع تستهدف معتقداتهم الدينية.

هجوم على مركز ديني عام 2015
في الثامن من مارس 2015، أفادت قناة كردستان 24 بأن مجموعة من القوات المرتبطة بالحكومة الإيرانية هاجمت مركزا دينيا لطائفة يارسان في منطقة شاه آباد الواقعة غرب مدينة إسلام آباد في محافظة كرمانشاه. ووفقا للتقارير، اقتحم المهاجمون مكان العبادة مستخدمين الحجارة والهراوات، حيث حطموا النوافذ ودمروا الأثاث الداخلي للمبنى، كما وجهوا الإهانات والتهديدات إلى الأشخاص الموجودين في المكان.

وأشارت مصادر محلية آنذاك إلى أن هذا الهجوم وقع عقب انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء، واعتبره مراقبون جزءا من سياسة ترهيب منظمة تستهدف هذه الطائفة.

وأكد التقرير أن الحكومة الإيرانية تعتبر جماعة يارسان، التي يقدر عدد أتباعها بأكثر من مليون شخص داخل إيران، “طائفة ضالة”، الأمر الذي يبرر في نظر بعض الجهات الرسمية استمرار الضغوط والتمييز ضدهم منذ 1979.

الاعتداء على ضريح بابا يادجار
وفي حادثة أخرى وقعت في مارس 2020، هاجم مسلحون مجهولون ضريح بابا يادجار، وهو أحد أبرز الشخصيات الروحية في تاريخ الديانة اليارسية، في قرية زارده التابعة لمنطقة دلاهو في محافظة كرمانشاه. وأطلق المهاجمون النار على الضريح، ما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالمعدات والمباني التي كانت قيد الترميم في الموقع.

ورغم أن الهجوم لم يسفر عن وقوع قتلى أو جرحى، فإن الأضرار المادية كانت كبيرة. كما أثار الحادث تساؤلات واسعة، خاصة أن المهاجمين تمكنوا من الفرار رغم وجود قوات الحرس الثوري الإيراني في المنطقة. وترجح مصادر محلية أن يكون المنفذون مرتبطين بجماعات متطرفة مسلحة مثل تنظيم داعش، مع احتمال وجود تغاض أو ضعف في الإجراءات الأمنية.

غياب الاعتراف الدستوري
تشير تقارير حقوقية إلى أن العديد من هذه الانتهاكات يعود إلى غياب الاعتراف الرسمي بالديانة اليارسية في الدستور الإيراني. فالمادة 13 من الدستور تعترف بثلاث أقليات دينية فقط هي الزرادشتية واليهودية والمسيحية، بينما لا تدرج الديانة اليارسية ضمن هذه الأقليات المعترف بها.

وبسبب هذا الغياب، لا يتمتع أتباع يارسان بالحماية القانونية الكاملة لممارسة شعائرهم الدينية أو إدارة أماكن عبادتهم. ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى تدخل الأجهزة الأمنية في شؤونهم الدينية أو إلى تعرض مواقعهم المقدسة للاعتداء دون وجود آليات قانونية فعالة لحمايتها.

في المقابل، تنص مواد أخرى من الدستور الإيراني على حماية كرامة الأفراد ومعتقداتهم الدينية. فالمادتان 22 و23 تؤكدان أن حياة الأفراد وكرامتهم وممتلكاتهم ومعتقداتهم مصونة من أي اعتداء. كما تنص المادة 12 على حرية ممارسة الشعائر الدينية للأديان والطوائف الإسلامية المعترف بها.

إضافة إلى ذلك، ينص قانون الإجراءات الجنائية لعام 2013 على أنه لا يجوز للقوات العسكرية أو الأمنية دخول الأماكن المغلقة أو الدينية دون إذن قضائي، باستثناء حالات “الجريمة الواضحة”. ومع ذلك، تشير تقارير عديدة إلى أن هذه القوانين لا تطبق بشكل متساو عندما يتعلق الأمر بأماكن العبادة الخاصة بطائفة يارسان.

انتهاك الالتزامات الدولية
على المستوى الدولي، تعتبر هذه الانتهاكات مخالفة لالتزامات إيران بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فالمادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تضمن الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، بما في ذلك حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية الأماكن المقدسة.

ويرى خبراء في حقوق الإنسان أن استمرار هذه الانتهاكات يشير إلى وجود نمط من التمييز الهيكلي ضد أتباع الديانة اليارسية في إيران، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية التي تنص عليها الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية الإسلامية.

من هم أتباع يارسان؟
تعرف الديانة اليارسية أيضا باسم “أهل الحق” أو “الياري”، ويطلق على كل فرد من أتباعها داخل المجتمع اسم “يار”. وتعود جذور هذه المعتقدات إلى التقاليد الهندو-إيرانية القديمة، وقد نشأت في منطقة هورامان في كردستان إيران.

ويرتبط الشكل الحالي لهذه الديانة بالسلطان إسحاق الذي عاش في القرن السابع الميلادي، ويعد الشخصية المؤسسة للتقاليد الدينية والطقوس الخاصة بها. 
وينتشر أتباع يارسان بشكل رئيسي في المناطق الكردية غرب إيران، خصوصا في محافظة كرمانشاه، إضافة إلى وجودهم في بعض المناطق القريبة من طهران وشمال البلاد، وكذلك في أجزاء من العراق.

وتشير بعض المصادر الداخلية التابعة للطائفة إلى أن عدد أتباعها في إيران قد يتجاوز ثلاثة ملايين شخص. كما هاجر عدد منهم إلى أوروبا، خصوصا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، ويقيمون حاليا في دول مثل السويد وألمانيا.

المعتقدات والطقوس
تقوم فلسفة يارسان على مفاهيم روحية خاصة، من بينها فكرة “دونادون” التي تشير إلى تناسخ الأرواح. ويعتقد أتباع هذه الديانة أن الإنسان بعد الموت قد يعود إلى الحياة في هيئة جديدة، وأن هذه الدورة قد تتكرر مرات عديدة حتى يصل الفرد إلى مرحلة الكمال الروحي أو ما يسمى “موطن الرفاهية الأبدية”.

ويتكون مجتمع يارسان من إحدى عشرة عائلة رئيسية، حيث ينتمي كل فرد إلى عائلة دينية محددة، ويكون شيخ كل شخص وتلميذه من داخل هذه العائلة. ويعد الشيخ المعلم الديني المسؤول عن إقامة الشعائر والطقوس.

ومن أهم الطقوس الدينية لدى أتباع يارسان اجتماع يسمى “جام”، يقام في مكان خاص يعرف باسم “جامخانه”، حيث تتلى النصوص الدينية وتقدم النذور والقرابين. ويحتل الدف مكانة مركزية في هذه الطقوس، إذ يرافق العزف عليه معظم المناسبات الدينية والاجتماعية، من حفلات الزواج إلى مراسم العزاء.

مساواة بين الرجال والنساء
من السمات اللافتة في الديانة اليارسية تأكيدها على المساواة الكاملة بين الرجال والنساء. فالنصوص الدينية لهذه الطائفة لا تميز بين الجنسين، بل تؤكد أن البشر خلقوا من جوهر واحد، وأن المرأة والرجل متساويان في القيمة الإنسانية والروحية.

وقد انعكست هذه الفكرة في وجود عدد من النساء المتصوفات اللواتي احتللن مكانة بارزة في التاريخ الديني للطائفة، مثل خاتون ديراك المعروفة بلقب خاتون رامزبار. وتشير بعض المصادر إلى أن هذه الشخصيات النسائية تعد جزءا من أعلى المراتب الروحية في تقاليد يارسان.

كما تظهر هذه المساواة في الحياة اليومية لأتباع الطائفة، حيث تشارك النساء في العمل الزراعي وتربية المواشي إلى جانب الرجال، خصوصا في المناطق الريفية والبدوية. وتشير تقارير اجتماعية إلى أن المجتمعات اليارسية تتميز بروابط أسرية قوية ومستويات منخفضة نسبيا من حالات الطلاق والانفصال.

تعكس الضغوط الأخيرة التي يتعرض لها سيد نصر الدين حيدري استمرار التوتر بين السلطات الإيرانية وطائفة يارسان، وهي جماعة دينية عريقة تعاني منذ عقود من التمييز وعدم الاعتراف الرسمي. 
ويخشى ناشطون في مجال حقوق الإنسان من أن يؤدي تصاعد هذه الضغوط إلى زيادة القيود المفروضة على هذه الطائفة، خاصة في ظل غياب ضمانات قانونية واضحة تحمي حقها في ممارسة شعائرها الدينية بحرية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه المواثيق الدولية على ضرورة احترام حرية المعتقد وحماية الأقليات الدينية، يرى مراقبون أن معالجة هذه القضية تتطلب إصلاحات قانونية وسياسية أوسع داخل إيران، بما يضمن الاعتراف بالتنوع الديني والثقافي في المجتمع الإيراني وحماية حقوق جميع مواطنيه دون تمييز.

شارك