هل يدخل الحوثيون الحرب قريباً؟ حسابات معقدة وراء صمت الجماعة

الإثنين 16/مارس/2026 - 01:34 م
طباعة هل يدخل الحوثيون فاطمة عبدالغني
 
مع اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت عدة جماعات مسلحة حليفة لطهران على خط الصراع، غير أن جماعة الحوثي في اليمن، التي تعد أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، لا تزال حتى الآن خارج دائرة المواجهة المباشرة. 
هذا الموقف الحذر يثير تساؤلات متزايدة لدى المراقبين حول أسباب امتناع الجماعة عن التدخل حتى الآن، وما إذا كان هذا الهدوء مؤقتًا أم أنه جزء من حسابات استراتيجية مرتبطة بتطورات الحرب الإقليمية.

في هذا السياق، ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الحوثيين المدعومين من إيران يلتزمون حتى الآن موقف المراقب، رغم تصاعد المواجهة في المنطقة.

وجاء ذلك في وقت ردّت فيه إيران على الولايات المتحدة وإسرائيل بسلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة استهدفت قواعد عسكرية أمريكية ومواقع أخرى في دول الخليج، وقد أدت هذه الهجمات إلى اضطراب في طرق التجارة الإقليمية، وتعطّل بعض إمدادات الوقود، إلى جانب تهديد حركة الطيران في المنطقة.

وفي تطور لافت، ألمح المرشد الأعلى الإيراني الجديد  مجتبى خامنئي، في أول بيان مكتوب له منذ توليه المنصب خلفاً لوالده الذي قُتل في بداية الحرب، إلى احتمال فتح جبهات جديدة في الصراع، ويرى محللون أن هذا التصريح قد يكون إشارة إلى إمكانية انخراط الحوثيين في المعركة في مرحلة لاحقة.

حسابات الحذر الحوثي

يرى خبراء أن إحجام الحوثيين عن التدخل المباشر حتى الآن لا يعود إلى غياب الرغبة في المشاركة، بل يرتبط بحسابات معقدة، فمن بين العوامل التي تدفع الجماعة إلى التريث الخشية من استهداف قادتها بعمليات اغتيال، إضافة إلى الانقسامات الداخلية في اليمن، فضلاً عن الشكوك المحيطة بتدفق الأسلحة والإمدادات العسكرية.

لكن هذا الموقف قد لا يستمر طويلاً، فبحسب محللين قد تلجأ إيران إلى استخدام الحوثيين لزيادة الضغط على أسواق الطاقة العالمية، خاصة عبر استهداف طرق نقل النفط، وتملك الجماعة خبرة سابقة في تنفيذ مثل هذه العمليات، إذ نجحت خلال السنوات الماضية في ضرب منشآت نفطية وسفن تجارية في المنطقة.

في المقابل، دخلت جماعات أخرى حليفة لطهران بالفعل في المواجهة، فقد استأنف حزب الله هجماته على إسرائيل بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب مع إيران، وذلك بعد نحو 15 شهرًا فقط من انتهاء الحرب الأخيرة بين الطرفين باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، كما أعلنت ميليشيات مرتبطة بما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" مسؤوليتها عن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية في أربيل.

أما الحوثيون، فقد اكتفوا حتى الآن بتنظيم احتجاجات وإصدار بيانات تندد بالحرب على إيران، وهو موقف يختلف عن حملتهم العسكرية السابقة التي شملت إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل والسفن في البحر الأحمر عقب هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

استنزاف الترسانة العسكرية للجماعة

ومع ذلك، يرى الباحث أحمد ناجي، كبير محللي اليمن في International Crisis Group "مجموعة الأزمات الدولية"، أن الحوثيين يمثلون أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن غير المرجح أن تؤدي الحرب الحالية إلى تقليص هذا الدور.

وكشف مسؤولان من المكتبين الإعلامي والسياسي للحوثيين لوكالة أسوشيتد برس أن مخزون الأسلحة لدى الجماعة تراجع نسبياً بعد الهجمات التي شنتها خلال حرب غزة، مشيرين إلى أن الحرب الحالية جعلت تدفق الأسلحة أكثر صعوبة، ومع ذلك قال مسؤول آخر إن الجماعة لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الطائرات المسيّرة.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الحوثيين يعملون على تعزيز قدراتهم العسكرية من خلال تجنيد مقاتلين جدد وتطوير إنتاج الأسلحة محلياً، إضافة إلى إرسال تعزيزات إلى الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر، وهو ما قد يشير إلى استعدادات لاحتمال التصعيد.

ويقول ناجي إن "المسألة لا تتعلق بعدم الرغبة في التدخل، بل بتوقيت التدخل"، مضيفاً أن إيران تبدو حريصة على عدم استخدام جميع أوراقها دفعة واحدة، بل توظيف حلفائها تدريجياً مع تطور الصراع.

أهداف محتملة في حال التصعيد

إذا قرر الحوثيون الانخراط في الحرب، يرجح محللون أن يركزوا على استهداف السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب توجيه ضربات لإسرائيل وربما مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة.

وكانت هجمات الحوثيين على السفن خلال حرب غزة قد تسببت في اضطراب كبير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، وهو ممر بحري تمر عبره تجارة عالمية تقدر قيمتها بنحو تريليون دولار سنوياً قبل اندلاع الحرب.

كما سبق للجماعة أن استهدفت منشآت نفطية في السعودية خلال سنوات الصراع مع التحالف الذي تقوده الرياض، وهو ما يعزز المخاوف من تكرار مثل هذه الهجمات إذا اتسع نطاق المواجهة الحالية.

العوامل الداخلية قد تحسم القرار

يرى المحلل السياسي اليمني عبد الباري طاهر أن قرار الحوثيين بالانخراط في الحرب لن يتحدد فقط بالعوامل الإقليمية، بل يتأثر أيضاً بالوضع الداخلي في اليمن، بما في ذلك الاشتباكات الأخيرة في جنوب البلاد، وتصاعد المعارضة الشعبية داخل صنعاء لأي تورط في صراع إقليمي جديد، فضلاً عن الحذر المتزايد بين قادة الجماعة بعد عمليات اغتيال استهدفت شخصيات بارزة.

كما كشف مسؤولان حوثيان أن الولايات المتحدة وجهت تحذيرات غير مباشرة للجماعة عبر وسطاء عُمانيين تحذرهم من المشاركة في الحرب، وأضافا أن القادة الحوثيين تلقوا أيضاً تنبيهات بأن هواتفهم المحمولة قد تكون خاضعة للمراقبة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي دفعهم إلى تقليص ظهورهم العلني خشية التعرض لعمليات اغتيال.

ورغم هذه التعقيدات، يرى طاهر أن احتمال تورط الحوثيين في الصراع لا يزال قائماً، خاصة إذا اتسعت الحرب أو شعرت إيران بتهديد وجودي مباشر.

أما الباحث فاريا المسلمي من Chatham House "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن فيرى أن الحوثيين لا يملكون حالياً دافعاً داخلياً قوياً لبدء الحرب، كما أنهم يبدون ملتزمين بوقف إطلاق النار غير المعلن مع الولايات المتحدة الذي توسطت فيه سلطنة عُمان العام الماضي.

ويضيف المسلمي أن الحوثيين "يتطلعون دائماً إلى القتال، خصوصاً ضد إسرائيل، لكنهم لا يريدون أن يكونوا الطرف الذي يشعل شرارة الحرب"، ويرى أن الجماعة قد تحتاج إلى مبرر داخلي يمني يمنحها دعماً شعبياً قبل الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة.

ويرى مراقبون أن امتناع الحوثيين عن الانخراط المباشر في الحرب الإقليمية حتى الآن لا يعكس حياداً حقيقياً بقدر ما يعكس حسابات توقيت استراتيجية مرتبطة بتطورات الصراع بين إيران وخصومها. 
فالجماعة، التي تمتلك خبرة في استهداف الملاحة والمنشآت النفطية، تفضل على ما يبدو الاحتفاظ بورقة التدخل كورقة ضغط يمكن استخدامها في مرحلة لاحقة إذا اتسع نطاق المواجهة أو تعرضت إيران لضغوط عسكرية أكبر. 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الحذر عن الاعتبارات الداخلية في اليمن، بما في ذلك المخاوف من الاغتيالات، والضغوط الشعبية، وحاجة الجماعة إلى الحفاظ على توازنها العسكري. 
لذلك يرجح المراقبون أن قرار الحوثيين لن يكون بعيداً عن حسابات طهران الإقليمية، وقد يتغير بسرعة إذا تحولت الحرب الحالية إلى مواجهة أوسع في المنطقة.

شارك