بين "المقامرة" و"الإمبريالية الجديدة".. قراءة في فخ ترامب الإيراني

الثلاثاء 17/مارس/2026 - 09:20 ص
طباعة بين المقامرة والإمبريالية حسام الحداد
 
تأتي حلقة برنامج "نقاش" على قناة فرانس 24، التي بُثت أمس الاثنين 16 مارس 2026، لتقدم تشريحاً جراحياً لمشهد إقليمي ملتهب يتجاوز في أبعاده حدود الصدام العسكري التقليدي بين واشنطن وطهران. لم تكن الحلقة مجرد استعراض لموازين القوى، بل كانت بمثابة قراءة في "فلسفة المواجهة" التي يتبناها الرئيس ترامب، حيث تتقاطع الرغبة في بناء "قيصرية أمريكية جديدة" مع واقع ميداني إقليمي شديد التعقيد. ومن خلال الجدل الساخن بين نبرة المحلل السياسي الرصينة وحماسة المدافعين عن "البرغماتية الترامبية"، وُضع المشاهد أمام تساؤل مصيري: هل يمتلك البيت الأبيض إستراتيجية "مكر تاريخي" واعية لفكفكة النظام العالمي القديم واستبداله بمركزية أمريكية مطلقة، أم أننا بصدد اندفاع غير محسوب نحو رمال متحركة نصبتها طهران ببراعة، وجرّ إليها نتنياهو الحليف الأمريكي بنوع من "الاستدراج الإستراتيجي"؟
إن أهمية هذا النقاش تكمن في كونه يؤصل لما يُعرف بـ "أعوام النار" (2025-2026)، حيث يختبر ترامب قدرته على إدارة العالم عبر "التغريدة" والمطرقة العسكرية، متجاوزاً كافة الأطر القانونية الدولية والتحالفات التقليدية. يغوص المقال التالي في ثنايا هذه الحلقة، محاولاً تفكيك فرضية "الفخ الإيراني" ومدى قدرة واشنطن على الصمود في حرب استنزاف لا تعترف بقواعد الاشتباك الكلاسيكية. كما يحلل المقال كيف تحول مضيق هرمز من ممر مائي إلى ساحة "ابتزاز سياسي" كبرى، لا تستهدف الخصوم فحسب، بل تضع الحلفاء والشركاء الدوليين أمام خيارات صفرية تعيد تعريف مفهوم الهيمنة في القرن الحادي والعشرين.

 إستراتيجية "الابتزاز العسكري" وتفكيك التحالفات
ترصد الحلقة مفارقة صارخة في سلوك ترامب السياسي والعسكري؛ فبينما يتبجح عبر منصاته الرقمية بنجاح "مطرقة منتصف الليل" في سحق القدرات الدفاعية الإيرانية وتدمير آلاف الأهداف الإستراتيجية، يخرج في الوقت ذاته ليطالب القوى الدولية (فرنسا، بريطانيا، الصين، واليابان) بإرسال قطعها البحرية لتأمين مضيق هرمز. هذا التناقض ليس نتاج "تخبط" عسكري كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو جوهر إستراتيجية "الابتزاز العسكري"؛ حيث يسعى ترامب لإثبات أن حماية تدفق النفط العالمي ليست "مسؤولية أمريكية مجانية"، وإنما هي خدمة لها "ثمن" يجب أن تدفعه الدول المستفيدة. إن هذا الاستجداء المبطن بالتهديد يهدف إلى تحويل القوة العسكرية الأمريكية من "ضامن للأمن العالمي" إلى "متعهد حماية" يفرض ضرائب سياسية وعسكرية على شركائه، ممارساً ضغوطاً تقلب موازين العلاقات الدولية رأساً على عقب.
أحدثت مطالب ترامب حالة من "الإرباك الإستراتيجي" داخل المنظومة الغربية، كاشفة عن شرخ عميق في جدار التحالف الأطلسي (الناتو). إن رفض قوى كبرى مثل ألمانيا وبريطانيا الانخراط في مهمة بحرية "خارج إطار القانون الدولي" أو بعيداً عن تفويض مجلس الأمن، لم يكن مجرد تحفظ قانوني، بل هو إعلان صريح عن فقدان الثقة في "القيادة المنفردة" لواشنطن. يحلل المقال كيف استخدم ترامب سياسة "عنقودية"؛ حيث يضرب في آن واحد مصالح الخصوم (إيران) ومكانة الحلفاء (أوروبا)، مجبراً إياهم على الاختيار بين التورط في حرب لم يقرروها، أو مواجهة انهيار أمن الطاقة العالمي. هذا النهج أدى إلى تفكيك وحدة الموقف الغربي، وباتت العواصم الأوروبية تجد نفسها بين فكي كماشة: التبعية الكاملة لسياسة ترامب "الخلاصية"، أو محاولة صياغة استقلال إستيراتيجي يرفض تحويل "مضيق هرمز" إلى ساحة لتصفية الحسابات الاقتصادية بين واشنطن وبكين.

الصبر الإستراتيجي مقابل "التكنولوجيا العمياء"
كما ترصد الحلقة تحولاً جذرياً في السلوك الإيراني، حيث غادرت طهران مربع "الصبر الإستراتيجي" الذي ميز سياستها لعقود، لتتبنى ما يمكن تسميته بـ "سياسة البقاء الهجومية". هذا التحول جاء كاستجابة اضطرارية بعد الضربات الموجعة التي طالت رأس الهرم القيادي والاغتيالات التي استهدفت النواة الصلبة للنظام؛ حيث أعادت إيران تنظيم قوتها العسكرية لتتحول إلى نمط "اللامركزية المطلقة". وبدلاً من الاعتماد على قيادة مركزية يمكن قطع رأسها، تشظت القوة إلى "فرق مستقلة" ووحدات قتالية صغيرة تعمل وفق مبدأ "الاستهداف الذاتي"، مما حول المشهد العسكري إلى شبكة معقدة يستحيل التنبؤ بضرباتها أو تتبع مسارات قرارها. هذا الانتقال نحو "عشوائية منظمة" جعل من محاولات الاستخبارات الأمريكية لفك شفرة التحركات الإيرانية ضرباً من المستحيل، حيث لم تعد هناك "غرفة عمليات" واحدة يمكن تدميرها لإنهاء المعركة.
يحلل المقال الهوة العميقة بين "الأسطورة العسكرية الأمريكية" القائمة على التفوق التكنولوجي الكاسح وبين واقع الميدان الذي يفرض قواعده الخاصة. فرغم إعلان واشنطن عن استهداف آلاف المواقع الإستراتيجية وتدمير منصات الصواريخ، إلا أن هذه "التكنولوجيا الفائقة" بدت وكأنها تعاني من "عمى إستراتيجي" أمام إرادة البقاء. لم تنجح القاذفات النووية ولا الرصد القمري الدقيق في شل حركة المسيرات الانتحارية التي واصلت استنزاف عصب الاقتصاد العالمي في الخليج واستهداف المطارات الحيوية. إن مأزق "التكنولوجيا العمياء" يكمن في عجزها عن حسم صراعات "اللاحرب واللاسلم" طويلة الأمد، حيث تكتشف القوة العظمى أن كثافة النيران لا يمكنها هزيمة عدو يقاتل بأسلوب "الانتشار تحت الجلد"، ويحول كل ضربة يتلقاها إلى وقود لاستمرار حرب استنزاف لا سقف زمنياً لها، مما يضع الهيبة العسكرية الأمريكية في اختبار وجودي أمام العالم.

 "مكر التاريخ" والضحايا الجانبيين
تتبنى الحلقة رؤية نقدية عميقة تستلهم نموذج "القيصر الروماني" لوصف النهج الترامبي في إعادة صياغة النظام الدولي؛ حيث لا مكان للدبلوماسية التقليدية أو التوازنات القانونية، بل السيادة المطلقة لمنطق القوة المحضة. يرى المحللون أن هذا الطموح الإمبراطوري الجامح يسعى لتحويل واشنطن إلى "روما عتيقة" تملي إرادتها على الأطراف والقريب والبعيد، لكن هذا المسار خلف وراءه قائمة طويلة من "الضحايا الجانبيين". فأوروبا، الحليف التقليدي، تجد نفسها تخرج من أتون هذه الحرب مفككة الإرادة، ومجردة من استقلالها الإستراتيجي، لتتحول في نهاية المطاف إلى مجرد "سوق استهلاكي" تابع للمركزية الأمريكية. وفي الوقت ذاته، تقع الصين في فخ "المزاج الترامبي" الذي يربط أمنها الطاقي واقتصادها العالمي بمدى استقرار مضيق هرمز تحت الوصاية الأمريكية، مما يجعل التنين الصيني رهينة لتقلبات البيت الأبيض وحساباته الانتخابية.
يصل التحليل إلى الجزء الأكثر إيلاماً عند تشريح الواقع العربي الذي نال القسط الأوفر من النقد الجارح؛ حيث وصفت الحلقة العرب بأنهم القوة التي "فتحت أبواب التاريخ" للتدخلات الأجنبية منذ غزو العراق عام 2003، مما أدى إلى تآكل المشروع القومي وفقدان المبادرة. ويحلل المقال كيف يجد العرب أنفسهم اليوم في مواجهة "مفارقة تاريخية"؛ فبينما يستثمرون في استقرار المنطقة، يواجهون "رسائل تهديد مبطنة" من طهران، مغلفة بلغة دينية واستعطافية كما تجلى في خطاب علي لاريجاني. إن استخدام "الاستعطاف الإسلامي" في الخطاب الإيراني لا يُقرأ في المقال كدعوة للتضامن، بل كأداة للضغط النفسي والسياسي، تهدف لإشعار العرب بمسؤوليتهم عن تبعات "عام النار"، وهو ما يضع العواصم العربية أمام مأزق أخلاقي وإستراتيجي يعكس هشاشة التموضع الحالي في ظل صراع المشروعات الكبرى.

الخلاصة: 
تخلص القراءة التحليلية للحلقة إلى أننا أمام محاولة ترامبية جريئة لتجاوز "الشرعية الدولية" التقليدية، حيث يسعى الرئيس الأمريكي لتكريس نظام عالمي أحادي القطب، يختزل فيه دور "الحكومة العالمية" و"مجلس الأمن" في شخصه وقراراته العابرة للحدود. إن إعلان الحرب وإدارة الصراعات خارج إطار "البند السابع" ومن دون غطاء أممي، لا يعدو كونه مقامرة إستراتيجية كبرى قد ترتد نتائجها عكسياً لتدمير ما تبقى من "القوة الناعمة" والمكانة الأخلاقية للولايات المتحدة. ومع استمرار "أعوام النار" (2025-2026)، يبدو أن المشهد الإقليمي يتجه نحو "مكر تاريخي" فريد؛ إذ يكتشف المندفعون نحو تشييد "قصر الهيمنة المطلقة" أنهم، من حيث لا يشعرون، يحفرون "قبر المكانة الإمبراطورية"، حيث يؤول النصر العسكري المفترض إلى استنزاف اقتصادي وأخلاقي ينهي أسطورة القطب الأوحد لصالح قوى دولية تراقب المشهد بصمت من "حافة النهر".
عند تقييم الحلقة من منظور إعلامي ونقدي، نجد أنها تميزت بـ نقاط قوة واضحة، أبرزها خلق توازن ذكي بين الرؤية المدافعة عن "المؤسسة الأمريكية" (التي مثلها فرانك مسمار ببراغماتيته) وبين الرؤية الناقدة للتبعات الإقليمية والجيوسياسية. كما نجحت الحلقة في "أنسنة" الأرقام من خلال تسليط الضوء على الأبعاد الاقتصادية والنفطية، محولةً لغة الصواريخ إلى لغة مصالح تمس القارئ العادي. وفي المقابل، ظهرت بعض نقاط الضعف التي استوقفت المحلل، وأبرزها التضارب في تشخيص "الحالة الإيرانية"؛ حيث تأرجح النقاش بين وصف النظام بأنه "مؤسساتي صلب" لا يتأثر بغياب الرؤوس، وبين تصويره ككتلة "منقسمة وعشوائية" بعد الاغتيالات. كما عاب الطرح أحياناً الاعتماد المفرط على "التغريدات" كمرجع وحيد لتحليل التوجهات الكبرى، وهو وإن كان يعكس طبيعة عصر ترامب، إلا أنه يغفل أحياناً دور "الدولة العميقة" (Deep State) التي قد تتحرك في مسارات مغايرة تماماً لما يظهر على شاشات الهواتف الذكية.

شارك