سراب النصر الخاطف: كيف تقرأ الصحافة الغربية "مقامرة" ترامب في إيران؟
الأربعاء 18/مارس/2026 - 11:20 ص
طباعة
حسام الحداد
مع دخول المواجهة العسكرية بين المحور (الأمريكي-الإسرائيلي) وإيران يومها الثامن عشر، تحولت كبريات المنصات الإعلامية العالمية مثل «نيويورك تايمز»، «واشنطن بوست»، و«فايننشال تايمز» إلى ساحة لتحليل الفجوة الآخذة في الاتساع بين الرؤية المتفائلة للبيت الأبيض والواقع الميداني المتفجر. فبينما يصر الرئيس ترامب على تصدير مشهد "النصر الوشيك" معتبراً أن تدمير القدرات النووية والبحرية الإيرانية قد تم وفق جدول زمني قياسي، ترسم التقارير الغربية صورة أكثر قتامة؛ حيث ترى أن الحرب لم تعد مجرد جولة خاطفة، بل انزلقت فعلياً إلى صراع استنزاف إقليمي تتداخل فيه الجبهات من جنوب لبنان إلى مضيق هرمز، مما يضع التماسك الغربي ودعم حلفاء "الناتو" على المحك في ظل رفض أوروبي صريح للانجرار خلف المغامرة الأمريكية.
في سياق متصل، تبرز القراءات التحليلية لصحف مثل «الغارديان» و«رويترز» أن مقتل قيادات بوزن علي لاريجاني وغلام رضا سليماني في قلب طهران، رغم كونه "زلزالاً استخباراتياً" هز أركان النظام، إلا أنه لم يكسر الإرادة القتالية الإيرانية كما كان مأمولاً، بل فجر موجة انتقامية غير مسبوقة استخدمت فيها طهران صواريخ "فتاح" الفرط صوتية لضرب العمق الإسرائيلي. هذا التصعيد المزدوج، الذي ترافق مع اشتعال جبهات الخليج والعراق، ألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي، حيث قفزت أسعار النفط لمستويات قياسية وسط مخاوف من شلل تام في إمدادات الطاقة، وهو ما حول التغطية الدولية من رصد "الضربات العسكرية" إلى التحذير من "كارثة اقتصادية عالمية" قد تخرج تماماً عن سيطرة واشنطن.
ترامب يراهن على النهاية السريعة.. والغرب يشكك
نقلت صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتفاصيل واسعة، حيث أكد أن العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران «تتقدم كثيراً جداً على الجدول الزمني المحدد» وأنها «ستنتهي قريباً جداً». وصف ترامب النتائج الميدانية بـ«الدمار الشامل» الذي لحق بالقوات البحرية والجوية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران «لم تعد تملك أي قدرة نووية تهدد المنطقة أو العالم»، في إشارة واضحة إلى تدمير المنشآت النووية الرئيسية وفقدان إيران «أنيابها» التي شكلت هاجساً دولياً لسنوات طويلة. وأبرزت الصحيفتان أن هذا التفاؤل الرسمي يأتي وسط حملة إعلامية مكثفة من البيت الأبيض لتعزيز صورة النصر السريع.
لكن «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» وصفتا هذه التصريحات بـ«التفاؤل المبالغ فيه والمبكر»، محذرتين من أن الواقع الميداني قد يكون أكثر تعقيداً مما يُعلن. أشارتا إلى «خيبة أمل ترامب الكبيرة» من حلفاء الناتو الذين رفضوا المشاركة الفعلية في تأمين مضيق هرمز أو تقديم الدعم اللوجستي المطلوب، معتبرتين ذلك مؤشراً على انقسام غربي واضح. أما صحيفة «الغارديان» البريطانية فذهبت أبعد، معتبرة أن هذا الموقف الأوروبي يعكس «تعقيداً ميدانياً حقيقياً» قد يحول الحرب إلى مستنقع استنزاف طويل الأمد، خاصة مع امتداد الجبهات إلى لبنان والعراق والخليج، مما ينذر بتورط أمريكي أطول وأكثر كلفة مما يتوقعه البيت الأبيض.
ضربة طهران: مقتل لاريجاني وسليماني.. «زلزال قيادي»
أبرزت «بي بي سي» و«رويترز» في تقاريرهما الرئيسية اليوم إعلان طهران الرسمي مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، برفقة نجله ومساعده الشخصي، إلى جانب قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني. وقعت الغارة الإسرائيلية الدقيقة في قلب العاصمة طهران، واستهدفت مبنى حكومياً حساساً يُعتقد أنه كان يضم اجتماعاً رفيع المستوى للقيادة الإيرانية. وأكدت إسرائيل رسمياً تنفيذ العملية، مشيرة إلى أنها اعتمدت على معلومات استخباراتية دقيقة ومتطورة، مما جعلها «زلزالاً حقيقياً» داخل أروقة النظام الإيراني في يومها الثامن عشر للحرب.
وصفت شبكة «سي إن إن» العملية بـ«الضربة الاستخباراتية المزلزلة» التي تهدف إلى «قطع رأس القيادة» وإحداث شلل شامل في غرف صناعة القرار الاستراتيجي الإيراني. وأشارت التحليلات الأجنبية في الصحف والمواقع الغربية إلى أن مقتل لاريجاني – أحد أبرز الوجوه السياسية والأمنية المخضرمة – وقائد الباسيج يُعد ضربة موجعة للجهاز الأمني والتعبوي بأكمله. ورغم أهمية هذه التصفيات الاستراتيجية، حذر المراقبون من أنها قد تؤدي إلى رد فعل إيراني أكثر عنفاً وغير منظم، مما يزيد من صعوبة التنبؤ بمسار الحرب ويرفع احتمالية التصعيد العشوائي والفوضوي في الأيام والأسابيع المقبلة.
تصعيد إيراني: صواريخ «حاج قاسم» وفتح جبهات جديدة
ركزت صحيفتا «الغارديان» و«رويترز» على التصعيد الإيراني غير المسبوق الذي شهدته الجبهة الإسرائيلية اليوم، حيث استخدمت طهران لأول مرة صاروخ «حاج قاسم» الباليستي الجديد إلى جانب الصاروخ الفرط صوتي «فتاح» في موجة قصف مكثفة ودقيقة استهدفت تل أبيب والقدس والنقب. جاء هذا الهجوم بالتزامن الدقيق مع إطلاق حزب الله عملية «خيبر 1» الواسعة من جنوب لبنان، التي شملت عشرات الصواريخ والمسيّرات باتجاه العمق الإسرائيلي، مما أشعل الجبهة الشمالية بشكل كامل وأجبر منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية على التعامل مع تهديد مزدوج ومتزامن من جهتين. وصفت التقارير هذا التصعيد بـ«النوعي والمفاجئ» الذي يعكس قدرة إيران على تفعيل ترسانتها المتقدمة رغم الضربات المتتالية التي تلقتها.
كما أبرزت الصحف الغربية الهجمات المباشرة التي امتدت إلى دول الخليج والعراق، حيث أسفرت الضربات الإيرانية عن سقوط قتيل مدني في أبوظبي واندلاع حريق في منشأة نفطية حيوية بالفجيرة في الإمارات. وفي السعودية، نجحت الدفاعات في اعتراض صاروخ باليستي فوق الخرج وإسقاط أربع مسيّرات في المنطقة الشرقية، بينما شهدت بغداد انفجارات قوية استهدفت قواعد أمريكية وقرب السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء. واعتبرت شبكة «سي إن إن» أن إيران نجحت فعلياً في «فتح جبهات متعددة» بهدف تشتيت الجهود الأمريكية-الإسرائيلية، مما جعل السيطرة على الميدان أكثر صعوبة وتعقيداً، ورفع احتمالية تحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع النطاق يصعب احتواؤه.
الدبلوماسية والاقتصاد: هرمز في خطر والنفط يشتعل
أشارت صحيفة «فايننشال تايمز» في تقريرها الاقتصادي الرئيسي اليوم إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية بنسبة 5% خلال تعاملات اليوم، وهو أكبر قفزة يومية منذ بداية الحرب. جاء هذا الارتفاع مدفوعاً مباشرة بتصريحات إيرانية رسمية أكدت أن «وضع مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه»، في إشارة واضحة إلى احتمال فرض قيود مشددة أو تعطيل كامل للملاحة في الممر الحيوي الذي يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. ورفع الخام برنت أسعاره إلى مستويات تجاوزت 90 دولاراً للبرميل، مع تحذيرات من المحللين الاقتصاديين بأن أي إغلاق طويل سيؤدي إلى تضخم عالمي حاد وشلل في سلاسل التوريد الدولية.
أما اجتماع الرياض الوزاري العربي-الإسلامي الطارئ، فقد وصفته وكالة «رويترز» بـ«المحاولة السعودية الاستباقية والقيادية» لاحتواء الانهيار الإقليمي الشامل، حيث يجمع وزراء خارجية ودفاع من أكثر من 20 دولة لبحث آليات مشتركة لحماية المنشآت النفطية وتأمين الملاحة البحرية. وتجمع الصحف والمواقع الأجنبية الكبرى على أن «زمام المبادرة» بدأ يفلت تدريجياً من يد واشنطن وتل أبيب، محذرة من أن الحرب قد تتحول إلى «كارثة اقتصادية عالمية» لا تقتصر على المنطقة بل ستضرب الاقتصادات الأوروبية والآسيوية بقوة، مما يجعل المنطقة أمام أخطر أزمة طاقة منذ عقود.
خلاصة التغطية الأجنبية
تتفق الصحف والمواقع الأجنبية اليوم على صورة «ضبابية وخطرة»: تفاؤل ترامب العسكري يواجه واقعاً ميدانياً معقداً ومخاطر اقتصادية عالمية كبيرة. بينما ينفي الإيرانيون أي اتصالات مع واشنطن، يرى المحللون الغربيون أن المنطقة تقف على مفترق طرق: إما نهاية سريعة غير مضمونة، أو انزلاق نحو «حرب خليج ثالثة» طويلة الأمد ستغير التوازنات الدولية لسنوات.
