ترجلت فارسة التنوير.. هالة مصطفى وقصة البحث عن «دولة القانون»
الثلاثاء 31/مارس/2026 - 11:04 ص
طباعة
حسام الحداد
ببالغ الأسى والحزن، نعت الأوساط الأكاديمية والصحفية اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026، رحيل الدكتورة هالة مصطفى، أستاذة العلوم السياسية والخبيرة المرموقة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
وبرحيلها، تنطوي صفحة مضيئة لواحدة من أصلب العقول الفكرية التي شهدتها مؤسسة الأهرام العريقة؛ فقد كانت الراحلة "مثقفة اشتباكية" بامتياز، لم تكتفِ برصد الظواهر السياسية من بعيد، بل آمنت بأن دور العالم الحقيقي يتجاوز التوصيف إلى محاولة التغيير الجاد. وبملامحها التي عكست دائماً صرامة المنهج وثبات الموقف، حجزت لنفسها مقعداً خالداً في صدارة المشهد الفكري العربي، مدافعاً لم يهدأ عن قيم الدولة المدنية والتحول الديمقراطي.
تُعد مسيرتها في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حجر الزاوية في تكوينها المهني؛ فمن داخل هذا الكيان البحثي الرصين، صقلت أدواتها التحليلية في تفكيك بنية النظام السياسي المصري.
قضايا الإصلاح
تخصصت في قضايا الإصلاح، ولم تكتفِ بطرح النظريات المعلبة، بل غاصت في تفاصيل العلاقة الشائكة بين السلطة والمجتمع، محذرةً في كتاباتها المبكرة من انسداد القنوات السياسية وأثره على استقرار الدولة، وهو ما جعل أبحاثها مرجعاً لا غنى عنه لفهم إرهاصات التحول في المنطقة.
حين تولت رئاسة تحرير مجلة "الديمقراطية"، أحدثت هالة مصطفى ثورة صامتة في صحافة النخبة. لم تكن المجلة تحت قيادتها مجرد دورية أكاديمية جافة، بل تحولت إلى ساحة سجال فكري صاخب، استضافت فوق صفحاتها أطياف المعارضة والموالاة على حد سواء. بذكاء مهني، استطاعت أن تجعل من "الديمقراطية" منصة لترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان، مقتحمةً ملفات مسكوت عنها، مما جعل المجلة في عهدها "بوصلة" لكل مهتم بمستقبل الإصلاح في العالم العربي.
اقتحمت الدكتورة هالة "عش الدبابير" بدراساتها المعمقة حول حركات الإسلام السياسي، حيث تبنت منهجاً نقدياً صارماً يحلل هذه الحركات كظواهر سياسية بامتياز لا ككيانات دعوية فحسب. في مؤلفاتها الشهيرة مثل "الدولة والحركات الإسلامية المعارضة"، وضعت يدها على مواطن الخلل في علاقة هذه الحركات بالدولة والجمهور، مؤكدة أن الحداثة السياسية لا تستقيم مع خلط الدين بالصراع على السلطة، وهو الموقف الذي كلفها الكثير من الهجوم لكنه منحها احتراماً أكاديمياً دولياً واسعاً.
عضوية اللجنة السياسية بالحزب الوطني
لم تكن هالة مصطفى بمنأى عن "المطبخ السياسي"؛ فبصفتها عضواً سابقاً في اللجنة السياسية بالحزب الوطني، خاضت تجربة محفوفة بالمخاطر للإصلاح من الداخل. كانت تؤمن بأن التغيير المؤسسي هو الضمانة الوحيدة لتجنب الفوضى، ورغم الجدل الذي أثير حول هذه الفترة، إلا أنها ظلت متمسكة برؤيتها الليبرالية، محاولةً دفع أجندة التعددية السياسية وتداول السلطة في وقت كانت فيه المقاومة للتغيير في ذروتها، مما جعل تجربتها نموذجاً للباحث الذي يحاول جسر الفجوة بين النظرية والتطبيق.
اتسم أسلوبها في الكتابة والتحليل بالجرأة التي تصل أحياناً إلى حد "الصدمة المعرفية". لم تلجأ يوماً إلى لغة الموائمة أو الالتفاف حول الحقائق؛ ففي مقالاتها المنشورة بصحيفة الأهرام وغيرها من الدوريات الدولية، كانت تسمي الأشياء بمسمياتها. هذه الصراحة الأكاديمية جعلتها صوتاً مسموعاً في العواصم الكبرى ومراكز الأبحاث العالمية، حيث شاركت كخبير دولي في صياغة تقارير ورؤى حول مستقبل الشرق الأوسط، ممثلةً صوتاً مصرياً ليبرالياً مستنيراً.
رُقي المثقفة وبساطة الباحث
وراء هذا الصمود الأكاديمي، تقف شخصية تمزج بين رقي المثقفة الأرستقراطية وبساطة الباحث الميداني. هالة مصطفى لم تنسحب يوماً من "الميدان العام" رغم العواصف السياسية التي تعرضت لها، بل ظلت متمسكة بقلعتها في الأهرام، معتبرة أن معركة الوعي هي الأبقى. هي الأستاذة التي علمت أجيالاً من الباحثين أن العلم لا قيمة له إن لم يخدم حرية الإنسان، وأن السياسة في جوهرها هي فن البحث عن الحقيقة وسط ركام الأيديولوجيات.
ختاماً، يظل بروفايل الدكتورة هالة مصطفى هو قصة كفاح فكري من أجل "دولة القانون". هي الأكاديمية التي تحدت الجمود، ورئيسة التحرير التي انتصرت للكلمة الحرة، والخبيرة التي لم تبع قلمها في سوق التوازنات. يبقى إرثها في مجلة "الديمقراطية" وفي دراساتها السياسية شاهداً على مرحلة فارقة من تاريخ مصر الحديث، حيث كان صوتها دائماً يذكرنا بأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي ثقافة وقيم ومؤسسات تُبنى بالصبر والمواجهة
