تامر ممدوح شفيق يكشف الحقائق والأساطير حول التقويم القبطي
الثلاثاء 31/مارس/2026 - 11:07 ص
طباعة
روبير الفارس
في ظل الجدل المتجدد حول دقة التقويم القبطي وإمكانية إصلاحه، يفتح الباحث تامر ممدوح شفيق هذا الملف الشائك، مستعرضًا الجذور التاريخية والعلمية للتقويم، والفروق بينه وبين التقويم المصري القديم، ومدى تأثره بالحسابات الفلكية والمجامع الكنسية. في هذا الحوار نتوقف عند أبرز ما جاء في كتابه، الصادر مؤخرا بعنوان "التقويم القبطي بين الواقع والأساطير" ونناقش فكرة “الحقائق والأساطير” المرتبطة بهذا التراث الزمني العريق.و دكتور تامر ممدوح شفيق مدرس بكلية الهندسة – جامعة القاهرة، ومحاضر في عدد من الجامعات المصرية، وباحث هاوٍ مهتم بالتاريخ المصري القديم والحديث.
في البداية ما الدافع الأساسي الذي جعلك تتناول موضوع التقويم القبطي في هذا التوقيت؟
الحقيقة أن موضوع التقويم القبطي ومشكلاته وضرورة إصلاحه مطروح منذ بدايات القرن العشرين، وأُثير مجددًا في السنوات الأخيرة. وللأسف هناك كثير من المعلومات غير الدقيقة التي يطرحها دائمًا المدافعون عن بقاء التقويم كما هو. لذلك كان الدافع إلى تناول الموضوع مجددًا هو محاولة تفنيد هذه المعلومات عبر العودة إلى الأصول، وتقديم قراءة جديدة ورؤية شاملة للإصلاح.
كيف يمكن تعريف القارئ غير المتخصص بالتقويم القبطي وأهميته التاريخية؟
باختصار، التقويم القبطي هو التقويم الشمسي المداري الذي استخدمه الفلاح المصري في الزراعة، كما استخدمته الكنيسة المصرية في حساب الأعياد على مدى أكثر من ألفي عام. وهو امتداد للتقويم المصري القديم الذي أنشأه المصريون القدماء في بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، مع تعديلات وُضعت في القرن الأول قبل الميلاد. كما يُعد الأب التاريخي للتقويم الميلادي الغريغوري المستخدم عالميًا اليوم، ومن هنا تأتي أهميته.
ما الذي يميز كتابك عن الدراسات السابقة؟
أعتقد أنه يتميز بنظرة تأصيلية أشمل، من حيث العودة إلى المصادر الأصلية التي تناولت التقويم المصري القديم وتطوره، وربط ذلك بالتقاويم الأخرى التي ظهرت في الشرق الأدنى القديم.
عنوان الكتاب يشير إلى “واقع وأساطير”.. ما أبرز الأساطير التي حاولت تفكيكها؟
أول هذه الأساطير أن التقويم القبطي الحالي هو نفسه التقويم المصري القديم، والحقيقة أنه يختلف عنه في نقاط عدة، أبرزها وجود سنة كبيسة كل أربع سنوات، يكون فيها الشهر الصغير (النسيء) ستة أيام بدلًا من خمسة.
الأسطورة الثانية أن التقويم القبطي – ومن ثم المصري القديم – تقويم نجمي أشد دقة من التقويم الشمسي المداري. والصحيح أن التقويم القبطي تقويم شمسي مداري منذ نشأته عام 26 ق.م حين كان يُسمى التقويم السكندري، بينما كان التقويم المصري القديم مكوَّنًا من 365 يومًا دون سنوات كبيسة، ولذلك كان يتحرك بالنسبة إلى السنة المدارية ولم يكن دقيقًا. ولم يرتبط التقويم المصري القديم بظهور نجم سيريوس إلا في بدايته، ثم تحركت بداية العام بعيدًا عن شروقه.
أما الأسطورة الثالثة فهي أن التقويم القبطي أدق من التقويم الغريغوري بسبب ثبات مواعيد الزراعة وفقًا له منذ آلاف السنين. والحقيقة أن الخطأ المتراكم في التقويم القبطي – والذي بلغ نحو 13 يومًا حتى الآن – لا يؤثر عمليًا في مواسم الزراعة، خاصة مع تغير المناخ وأساليب الري خلال المئتي عام الأخيرة.
هل هناك مفاهيم شائعة اكتشفت أنها غير دقيقة؟
نعم، وأهمها الاعتقاد بأن التقويم القبطي هو التقويم “الصحيح” وغيره على خطأ. علميًا، يتحرك التقويم القبطي عن السنة المدارية بمقدار ثلاثة أيام كل 400 عام.
فعند نشأة التقويم السكندري عام 26 ق.م بقرار من أغسطس قيصر، كان الاعتدال الربيعي يقع يوم 27 برمهات (23 مارس آنذاك). وبحلول مجمع نيقية في القرن الرابع الميلادي أصبح يقع يوم 25 برمهات (21 مارس)، وفي القرن السادس عشر صار في 15 برمهات، وحاليًا يحدث في 12 برمهات. وهذا يعني أنه لم يعد صالحًا تمامًا للاستخدام المدني أو الطقسي دون معالجة الخطأ المتراكم.
إلى أي مدى تأثر بالحضارة المصرية القديمة؟
هو الامتداد الطبيعي للتقويم المصري القديم، من حيث عدد الشهور (12 شهرًا كل منها 30 يومًا) إضافة إلى الشهر الصغير، كما أن أسماء الشهور ذات جذور مصرية قديمة، مثل هاتور وأمشير وغيرها.
ما العلاقة بين التقويم القبطي والمصري القديم؟
التقويم القبطي هو تصحيح لمسار التقويم المصري القديم. فالأخير، الذي أُنشئ نحو 3000 ق.م، كان مكوَّنًا من 365 يومًا دون سنة كبيسة، ما أدى إلى تحركه بالنسبة إلى السنة المدارية (365.242 يومًا تقريبًا). ولم تتزامن بدايته مع الظواهر الفلكية المرتبطة به إلا مرة كل 1460 عامًا.
في العصر البطلمي حاول بطليموس الثالث إصلاحه بإضافة يوم كبيس كل أربع سنوات (المرسوم الكانوبي)، لكن الإصلاح لم يُطبق فعليًا إلا بعد فرضه من قِبل أغسطس قيصر عام 26 ق.م، فتثبَّت رأس السنة (1 توت) عند 29 أغسطس في التقويم اليولياني. ومن هنا نشأ التقويم القبطي السكندري بصورته المعروفة.
كيف تعاملت مع المصادر التاريخية؟
اعتمدتُ على أحدث الأبحاث العلمية المحكمة، والنصوص الأصلية المنقوشة على جدران المعابد والمقابر والبرديات، إضافة إلى مراجعة الكتب العربية القديمة والحديثة، بهدف التمييز بين الحقائق العلمية والروايات الشائعة.
ما دور الحسابات الفلكية في ضبطه؟
الحسابات الفلكية كانت أساس نشأته، سواء عبر ملاحظة شروق نجم سيريوس أو الانقلاب الصيفي. لكن رغم إضافة السنة الكبيسة، ظل هناك خطأ بسيط تراكم عبر القرون. وقد جرى تصحيح التقويم اليولياني عام 1582 ليصبح الغريغوري، بينما لم يُجرَ تصحيح مماثل للتقويم القبطي حتى الآن.
كيف انعكس على الحياة الكنسية؟
هو التقويم الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتُحدد على أساسه جميع الأعياد والمواسم. وحتى عام 1875 لم يعرف المصريون سوى التقويمين القبطي والهجري.
ما علاقته بعيد القيامة؟
يُحسب عيد القيامة وفق الحساب الأبقطي المعتمد على التقويم القبطي، عبر تحديد أول بدر بعد 25 برمهات، ثم أول أحد يليه. ورغم دقة هذه الطريقة تاريخيًا، تراكم بها خطأ يُقدَّر بنحو خمسة أيام حاليًا.
هل هناك خلط بين البعد الديني والتاريخي؟
نعم، فبعضهم يخلط بين التقويم كأداة تنظيمية وبين العقيدة، بينما هو شأن إداري يمكن مراجعته وتعديله دون مساس بالإيمان.
هل يوجد جدل حول دقته؟
علميًا، هناك اتفاق على وجود خطأ متراكم بالنسبة إلى السنة المدارية، ما يؤدي إلى ابتعاد المواسم تدريجيًا عن مواعيدها.
هل توجد دعوات لإصلاحه؟
نعم، منذ أوائل القرن العشرين، خاصة بعد اعتماد التقويم الغريغوري رسميًا في الدولة. وتجدد النقاش مؤخرًا، خصوصًا في كنائس المهجر بسبب اختلاف مواعيد الأعياد عن العطلات الرسمية.
ما أهم نتائج الكتاب؟
أن التقويم القبطي والحساب الأبقطي بحاجة إلى معالجة الخطأ المتراكم، حتى تعود المواسم والأعياد إلى توافقها الطبيعي مع الفصول.
ما رسالتك للقارئ؟
أن كل القضايا قابلة للنقاش العلمي الهادئ، ولا ينبغي اعتبار أي موضوع خارج دائرة البحث.
هل إعادة قراءة التراث ضرورة؟
هي ضرورة دائمة، لأن الجمود لا ينتج إلا التعصب.
ما أبرز ردود الفعل علي الكتاب؟
تلقيت ترحيبًا من عدد من المثقفين والشباب، وأتمنى أن يتسع نطاق الحوار.
هل هناك مشاريع قادمة؟
لا يوجد مشروع محدد حاليًا، لكن قد أعمل على تطوير البحث وتعزيزه بمزيد من المصادر.
ماذا تقول للشباب المهتمين بالتاريخ القبطي؟
الساحة اليوم مليئة بباحثين شباب جادين ومتميزين، وأتمنى لهم دوام التوفيق والاستمرار.
