حسام الحداد يكتب: خوارزميات الدم.. قراءة في استراتيجية تنظيم "داعش" لاستغلال فجوات الرأي العام

الأحد 26/أبريل/2026 - 03:04 م
طباعة حسام الحداد يكتب: حسام الحداد
 
تأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" في عددها (544)، الصادرة مساء الخميس 23 أبريل 2026، كوثيقة أيديولوجية بالغة الخطورة، تعكس استراتيجية تنظيم "داعش" في استغلال الأحداث الميدانية بـ "ولاية غرب إفريقيا" (نيجيريا) لإعادة صياغة علاقته بالجمهور المسلم العام. لا يكتفي النص برصد واقعة قصف الجيش النيجيري لسوق شعبي، بل يتخذ منها منصة للهجوم على ما يسميه "المنظومة الرقمية العالمية"، محاولاً تفكيك الروابط النفسية بين الشعوب ومنصات التواصل الاجتماعي من جهة، وبينها وبين دولها الوطنية من جهة أخرى. إن توقيت صدور هذا المقال يعكس رغبة التنظيم في "عسكرة العاطفة" الجماهيرية، وتحويل الشعور الطبيعي بالمظلومية إلى وقود للانخراط في مشروعه الراديكالي العابر للحدود.
تعتمد هذه الافتتاحية خطاباً "تأثيمياً" مباشراً، حيث تسعى بذكاء دعائي إلى اللعب على وتر "عنصرية التعاطف" والتمييز العرقي والجمالي في الاهتمام بالقضايا الإنسانية، وهي ثغرة واقعية يستغلها التنظيم لتمرير أجندته. ومن خلال لغة مشحونة بالتأنيب والتقريع، يحاول الكاتب تجريد التعاطف الرقمي والسلمي من قيمته، واصفاً إياه بـ "التدجين" و"تفريغ الشحنات" الذي تفتعله الأنظمة لضمان قعود الأمة. إنها محاولة منهجية لزعزعة الثقة في الوسائل المدنية للتضامن، وتقديم "الفعل الانتحاري" والعنف الصادم كبديل وحيد لاستعادة الاعتبار وإثبات الوجود، مما يجعل من هذا النص أداة تجنيد فكري تهدف إلى تحويل "المشاهد السلبي" خلف الشاشة إلى "عنصر فاعل" في صفوف التنظيم.

بنية النص ومضامينه:
تنتهج الافتتاحية استراتيجية ذكية في تعرية ما تصفه بـ "تأميم العاطفة"، حيث يسعى التنظيم إلى فصم العرى بين الشعوب ومنظوماتها الوطنية عبر تصوير التفاعل الرقمي (الوسوم والبثوث) كفخٍّ استخباراتي نصبته "الأنظمة الطاغوتية". يحلل الكاتب السلوك الجمعي بوصفه "تدجيناً" يحول الغضب الفطري إلى مجرد "استهلاك رقمي" عابر، والهدف الحقيقي من هذا النقد ليس إصلاح الوعي المجتمعي بقدر ما هو نزع الثقة من جدوى أي تحرك سلمي أو تضامني لا يمر عبر قنوات التنظيم. من خلال وصف التفاعل بـ "تفريغ الشحنات"، يحاول النص إشعار القارئ بالعجز والذنب، ليقدم له "الفعل العسكري" كبديل وحيد وشرعي للخروج من دائرة الرضا الكاذب عن الذات، محولاً القضية من مأساة إنسانية إلى أداة لتحريض الفرد ضد مجتمعه ودولته.
ويستغل نص الافتتاحية ثغرة "ازدواجية المعايير" الدولية والجمالية لتمرير خطابه الأيديولوجي، حيث يفكك مفهوم "النصرة الجمالية" التي ترتهن بملامح الضحية (الطفل الأشقر) أو جودتها "السينمائية". هذا النقد، رغم ملامسته لواقع اجتماعي موجود، يُستخدم هنا كجسر لإعادة تعريف "الولاء والبراء" وفق معايير راديكالية؛ فالكاتب لا يدعو للمساواة الإنسانية، بل يسعى لفرض "ميزان العقيدة" الذي يخدم سردية التنظيم في إفريقيا. من خلال استحضار "أشلاء نيجيريا" مقابل "الصور الوسيمة"، يهدف النص إلى خلق حالة من الاغتراب النفسي لدى المسلم "غير العربي"، وإقناع الأتباع بأن العالم (والجمهور المسلم المنساق وراء الترند) قد تخلى عنهم، مما يعزز العزلة الشعورية التي تعد التربة الخصبة للتطرف والارتباط بالتنظيمات العابرة للحدود.
ويختتم النص طرحه الفكري بوضع القارئ أمام ثنائية صفرية تصادمية: "منهاج النبوة" (بمفهومه القتالي لدى التنظيم) في مواجهة "عالم الزيف والدجل" الرقمي. يحلل الكاتب سقوط الأمة في فخ "البريق الفتان" كعلامة على الهزيمة النفسية، معتبراً أن تصنيف الضحايا بناءً على جاذبيتهم الإعلامية هو خروج عن الملة والمبدأ. هذا التحليل النقدي للظاهرة الرقمية يهدف في نهاية المطاف إلى عسكرة العاطفة؛ فمن خلال تسفيه "خوارزميات المنصات" واعتبارها أدوات تحكم، يحاول التنظيم إقناع جمهوره بأن "الحقيقة" لا توجد في فضاءات الحوار أو التضامن العالمي، بل في الساحات التي يسيل فيها الدم "بعيداً عن الغشائر الكاذبة". إنها محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي بحيث لا يرى في القضية النيجيرية مجرد مأساة تتطلب إغاثة، بل جبهة قتال تتطلب الانخراط في مشروع التنظيم الشامل.

البنية الأسلوبية واللغوية
يوظف النص لغة تقريعية حادة تعتمد على "سيكولوجية الصدمة" لزعزعة استقرار القارئ النفسي. فباستخدام أوصاف مهينة مثل "الشعوب المروّضة" و"طوابير النمل"، يهدف الكاتب إلى تجريد الجمهور من إرادته وكرامته المستقلة، وتصويره ككتلة غوغائية منساقة بلا وعي خلف "الأنظمة". هذا الأسلوب اللغوي ليس مجرد نقد اجتماعي، بل هو تكتيك "تأثيمي" يسعى لربط الشعور بالتقصير تجاه الضحايا بالشعور بالخزي من الانتماء للمنظومة المدنية. إن غرض الكاتب من "شحن العاطفة بالتأنيب" هو خلق فجوة شعورية تجعل القارئ يرفض واقعه الحالي بحثاً عن مخرج "يبرئ ذمته"، وهو المخرج الذي سيعرضه التنظيم لاحقاً كحل وحيد لاستعادة "الرجولة والكرامة" المفقودة في عوالم الافتراض.
كما يعتمد النص بنية لغوية قائمة على "المفاصلة" عبر استخدام ثنائيات متضادة لا تقبل الوسطية؛ مثل المقارنة بين "منهاج النبوة" و"منهاج الترند"، وبين "عالم الزيف" و"ميزان العقيدة". هذا الاستقطاب اللغوي يهدف إلى حشر القارئ في زاوية ضيقة، حيث يُصنف كل سلوك لا يتبنى الرؤية الصدامية للتنظيم كجزء من "عالم الدجل". من الناحية النقدية، يمارس النص هنا عملية "اختطاف للمفاهيم الشرعية" ودمجها في سياق سياسي معاصر (الترند، الخوارزميات) لخلق حالة من "الاغتراب العقدي"؛ فيوهم المتلقي بأن ابتعاده عن الفعل العسكري المباشر هو انسلاخ عن "منهاج النبوة" ذاته، مما يحول المصطلحات الدينية إلى أدوات ضغط نفسي تدفع نحو التطرف السلوكي.
وتتجلى خطورة اللغة في النص عبر الربط الرمزي بين الأماكن والأفعال؛ فاستحضار "نيجيريا" كساحة للمظلومية والنسيان، يقابله التبشير بـ "أبوجا" كساحة للتفجيرات والتمكين. الكاتب هنا لا يستخدم اللغة لوصف المعاناة، بل لـ "عسكرة المكان"؛ حيث يتم تقديم "أشلاء جنود الطاغوت" كحل وحيد لفرض القضية على الساحة الدولية. إن استخدام مفردات مثل "الثأر العادل" و"هز أبوجا" في سياق الحديث عن النصرة، يعكس رغبة التنظيم في تحويل التعاطف الإنساني الخام إلى فعل حربي. هذه الرمزية المكانية تهدف إلى إقناع الأتباع بأن "الشرعية" لا تُكتسب إلا عبر أصداء المتفجرات، وأن صمت العالم لا يكسره إلا صوت الدمار، وهي قمة الهرم في الخطاب التحريضي الذي يمجّد العنف كوسيلة وحيدة للإثبات الوجودي.

التفكيك الأيديولوجي (ما وراء النص)
يتجاوز النص مجرد نقد الأداء الحكومي إلى محاولة تفتيت مفهوم "الدولة الوطنية" من أساسه، عبر وصم الحكومات بـ "الطاغوتية" وتصويرها ككيانات وظيفية تهدف حصراً إلى تخدير الشعوب. تكمن الأيديولوجيا هنا في إيهام المتلقي بأن الدولة ليست حامية للمصالح أو منظمة للمجتمع، بل هي "عائق" يحول بين المسلم وواجباته العقدية. من خلال هذا الطرح، يسعى التنظيم إلى فك الارتباط الوجداني والقانوني بين الفرد ودولته، مما يخلق فراغاً في الولاء يسهل ملؤه بـ "البيعة" للتنظيم العابر للحدود. إن تصوير القنوات الرسمية كـ "سراديب للعالم الافتراضي" هو تكتيك لعزل الجماهير عن واقعها المؤسسي ودفعها نحو تبني منطق "الفوضى الخلاقة" التي يقتات عليها الفكر المتطرف.
يمرر النص استراتيجية خطيرة تربط بين "الاعتراف الدولي" بوجود القضية وبين ممارسة "العنف الصادم". فمن خلال الربط الشرطي بين لفت الأنظار لنيجيريا ووقوع "التفجيرات في أبوجا"، ينتقل الكاتب من رصد المعاناة إلى تقديم "بيان عملي" للعنف كبديل وحيد للتعاطف الرقمي "العقيم". تهدف هذه الفقرة أيديولوجياً إلى كسر الحاجز النفسي لدى الفرد تجاه الدماء، وتصوير الإرهاب كـ "ثأر عادل" ومسار شرعي وحيد لاستعادة الاعتبار. إنها محاولة لإقناع اليائسين بأن "الرصاص" هو اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم، وبأن السلمية ما هي إلا صنيعة "الطواغيت" لإبقاء الشعوب في حالة القعود والذل.
يمارس النص عملية "إعادة تدوير" لمفهوم "الولاء والبراء"، حيث يعمل على حصر هذا الركن العقدي الواسع في زاوية ضيقة تخدم مصالح الجماعات المسلحة حصراً. الأيديولوجيا الكامنة هنا هي "شيطنة" أي تضامن إنساني أو إسلامي عام لا ينضوي تحت راية التنظيم، ووصفه بأنه "تبعية غربية" أو "ارتهان للجماهير". يسعى الكاتب إلى احتكار صفة "المسلم الحق" وحصرها فيمن يتبنى السردية الصدامية، معتبراً أن "ميزان العقيدة" يقتضي كره ومقاطعة كل ما يمت للمدنية أو الحوار بصلة. هذا التضييق يهدف إلى خلق "غيتو" (Ghetto) فكري وعاطفي حول المتلقي، بحيث يشعر أن أي تعاطف فطري مع قضايا أخرى هو نوع من "الشرك السياسي" أو النفاق العقدي، مما يضمن تبعية مطلقة وانعزالاً تاماً عن المجتمع العالمي.

تحليل "المغالطات" و"المكاشفات"
يلامس النص حقيقة سوسيولوجية مؤلمة يطلق عليها الخبراء "عنصرية التعاطف" أو "التحيز الجغرافي"، وهي نقطة قوة في الخطاب الإقناعي للتنظيم؛ حيث ينجح الكاتب في تعرية ازدواجية المعايير التي تحكم الوعي الجمعي العالمي والمحلي. هذا النقد الفلسفي يتفق -للمفارقة- مع انتقادات حقوقية وإنسانية معاصرة ترى أن "الصورة" باتت تمنح قيمة تفاوتية للأرواح بناءً على العرق أو القرب من النموذج الجمالي الغربي. ومن منظور نقدي، فإن التنظيم يستخدم هذه "المكاشفة الصادقة" كطعم فكري؛ فهو يضع يده على جرح حقيقي ليشعر القارئ بأن "النبأ" هي المنصة الوحيدة التي تدرك عمق المأساة وتكشف زيف العالم، مما يمنحه "مصداقية عاطفية" تسهل تمرير السموم الأيديولوجية اللاحقة.
يسقط النص في فخ مغالطة منطقية كبرى هي "التعميم الاختزالي"، حيث يصادر حق الجماهير في التعاطف الفطري ويختزل أي حراك شعبي في كونه مجرد "صناعة استخباراتية" أو "تلاعب حكومي". هذه المغالطة تهدف إلى تجريد الإنسان من إرادته الحرة؛ فالتنظيم لا يعترف بأن الشعوب قد تتحرك عفوياً بدافع الرحمة أو وحدة المصير، بل يصر على أن كل "ترند" هو مؤامرة "طاغوتية" للهاء الناس. هذا التسطيح النقدي يتجاهل طبيعة "مجتمع الشبكات" المعاصر، ويسعى بدلاً من ذلك إلى خلق حالة من "البارانويا" (جنون الارتياب) لدى المتلقي تجاه أي فعل تضامني لا يشرف عليه التنظيم، موهماً إياه بأن كل ما لا يدعو للسلاح هو بالضرورة صنيعة مخابراتية.
تكمن المغالطة الأعمق في قلب النص في تحويل النقد الاجتماعي المشروع لسطحية "السوشيال ميديا" إلى "شرعنة للعدمية العنيفة". فبينما يبدأ النص بنقد منطقي لظاهرة "النصرة الزائفة"، ينتهي بمغالطة "السبب الزائف"؛ مدعياً أن غياب التعاطف الشعبي مع نيجيريا سببه غياب "التفجيرات الصادمة" هناك. هنا، يقفز الكاتب قفزة غير منطقية ليجعل من "الإرهاب" وسيلة وحيدة للتواصل والإثبات الوجودي. ومن وجهة نظر خبيرة، فإن هذا المسار يهدف إلى إقناع القارئ بأن الحل ليس في إصلاح "أدوات التعاطف" أو زيادة الوعي، بل في تبني السلوك الانتحاري الذي يجبر العالم على الالتفات، وهي مغالطة أخلاقية ومنطقية كبرى تحول الضحية إلى جلاد بدعوى "لفت الأنظار".
خلاصة القول الافتتاحية تعتبر وثيقة تعبر عن "أزمة الثقة" بين الخطاب الراديكالي والجمهور العريض. هو محاولة لـ "استثمار" الشعور بالذنب لدى المسلم المعاصر تجاه مآسي المنسيين في إفريقيا، ليس من أجل حلول إنسانية، بل لدفعه نحو كفر تام بالمنظومة المدنية والسياسية الحالية والارتماء في أحضان العمل المسلح كسبيل وحيد للنصرة.

شارك