لتثبيت الوجود المسيحي بالعراق ..الآشورية تصدر "أسرار الملكوت"
الإثنين 27/أبريل/2026 - 01:36 م
طباعة
روبيرالفارس
في خطوة لاهوتية وثقافية بارزة، صدرت الترجمة العربية لكتاب «أسرار الملكوت: الأسرار المقدسة بحسب كنيسة المشرق الآشورية» لقداسة البطريرك مار آوا الثالث، بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في العراق والعالم، عن دار نشر كوخي البطريركية في أربيل.حيث
يمثل هذا الإصدار محطة مهمة في مسار التأليف اللاهوتي المعاصر داخل كنيسة المشرق، إذ يقدّم معالجة منهجية حديثة لموضوع «الأسرار المقدسة» في ضوء التقليد الرسولي، جامعًا بين الدقة الأكاديمية والروح الرعوية، وبين أمانة التراث وحيوية الحاضر وينطلق الكتاب من سؤال محوري: كيف تفهم كنيسة المشرق الأسرار بوصفها امتدادًا حيًّا لعمل المسيح الخلاصي في الكنيسة؟
لا يقدّم المؤلف عرضًا نظريًا مجردًا، بل يعيد قراءة مفهوم «السر» في اللاهوت السرياني، مستندًا إلى الكتاب المقدس، وكتابات آباء كنيسة المشرق، والنصوص الليتورجية، والتراث الشفهي المتوارث. ويبرز خصوصية الفهم الشرقي للأسرار باعتبارها خبرة خلاصية تُعاش داخل الجماعة المؤمنة، لا مجرد طقوس تؤدّى في إطار احتفالي.
ويُلاحظ أن المعالجة تأتي هادئة وغير جدلية ، حيث يركّز العمل على التأصيل الداخلي للفكر الكنسي، مع انفتاح ضمني على الحوارات اللاهوتية الأوسع في العالم المسيحي.ما يمنح «أسرار الملكوت» فرادته أنه يخاطب أكثر من فئة:
رجال الإكليروس، وطلبة اللاهوت، والقارئ المؤمن المثقف، وكل مهتم بالفكر المسيحي الشرقي. وجمعت
اللغة بين الصرامة المنهجية والوضوح التفسيري والنَفَس الروحي التأملي. فالأسرار هنا ليست مفاهيم مجرّدة، بل محطات نعمة ترافق الإنسان في مسيرته الإيمانية، من المعمودية حتى مسحة المرضى.
الأسرار السبعة
بحسب تقليد كنيسة المشرق الآشورية، تُعدّ الأسرار المقدسة سبعة، وتُفهم بوصفها «أسرار الملكوت» التي تعمل بها نعمة الله في حياة المؤمنين وهي
1. المعمودية: المدخل إلى الحياة المسيحية، ولادة جديدة من الماء والروح والانضمام إلى جسد المسيح.
2. لمسحة المقدسة (التثبيت): ختم عطية الروح القدس وتقوية الحياة الإيمانية.
3. القربان المقدس (الإفخارستيا): قلب الحياة الليتورجية ومصدر وحدة الجماعة.
4. التوبة (الاعتراف): سرّ المصالحة ونيل المغفرة بعد السقوط.
5. الكهنوت: إقامة خدام الكنيسة لخدمة الكلمة والأسرار.
6. الزواج: اتحاد مقدس يعكس محبة المسيح لكنيسته.
7. مسحة المرضى: سرّ تعزية وشفاء واستعداد رجائي في أوقات الألم.
ويؤكد الكتاب أن هذه الأسرار ليست طقوسًا منفصلة عن الحياة اليومية، بل هي حضور فعّال لنعمة الله في الزمن، ووسيلة اتحاد حيّ بالمسيح في الكنيسة.
الكتاب صدر أولًا باللغة الإنجليزية، في إطار مخاطبة أبناء الكنيسة في بلدان العالم ثم تُرجم إلى الأرمنية، مع ترقب صدور النسخة الروسية قريبًا. ويعكس هذا المسار بُعدًا مسكونيًا وثقافيًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ويؤكد اهتمام كنيسة المشرق بإيصال تراثها اللاهوتي إلى جمهور أوسع.
أما صدوره بالعربية اليوم، فيحمل دلالة خاصة، إذ يعيد تقديم لاهوت الكنيسة إلى بيئته التاريخية في العراق والمنطقة، ويمنح القارئ العربي نافذة مباشرة على أحد أبرز الأصوات اللاهوتية المعاصرة في هذه الكنيسة.
السياق العراقي
يأتي هذا العمل في مرحلة دقيقة تمرّ بها الكنائس العراقية وسط تحديات الهجرة والتغيرات الاجتماعية. ومن هنا، فإن نشر كتاب لاهوتي رصين باللغة العربية لا يُعدّ مجرد حدث ثقافي، بل علامة على استمرار الإنتاج الفكري الكنسي، وتمسّك الكنيسة بجذورها التعليمية والروحية، وسعيها إلى تثبيت حضورها في الفضاء العام.
كنيسة المشرق الآشورية
تُعدّ كنيسة المشرق الآشورية إحدى أقدم الكنائس المسيحية ذات التقليد السرياني الشرقي، وترجع جذورها إلى القرون المسيحية الأولى في بلاد ما بين النهرين. وقد لعبت دورًا تاريخيًا بارزًا في نشر المسيحية شرقًا، وصولًا إلى فارس وآسيا الوسطى والهند والصين.
اليوم، يتوزع أتباعها بين العراق وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار، لا سيما في الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا. ويُقدَّر عدد أبنائها عالميًا بنحو 300 إلى 400 ألف شخص تقريبًا، مع تفاوت التقديرات بحسب مصادر الإحصاء الكنسي.
وبين تاريخ عريق وواقع معاصر مليء بالتحديات، تواصل الكنيسة رسالتها الروحية والتعليمية، مؤكدة أن الإيمان ليس مجرد تراث محفوظ، بل حياة متجددة تُعاش في «أسرار الملكوت».
