بين مراد الله واجتهادات السابقين: قراءة نقدية في أطروحات د. محمد هداية

الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 11:01 ص
طباعة بين مراد الله واجتهادات حسام الحداد
 
تُعد قضية تجديد الفهم الديني واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وشائكية في الفضاء الفكري العربي المعاصر، حيث تقف حائرة بين تقديس الموروث البشري وبين ضرورة الانفتاح على المعارف الحديثة. وفي هذا السياق، تأتي أطروحات الدكتور محمد هداية، والتي طرحها بجرأة خلال حواره مع الدكتور باسم الجمل في برنامج "بودكاست مجتمع" المذاع مساء 25 أبريل 2026، كحجر أُلقي في مياه البحث الراكدة، لتثير تساؤلات جوهرية حول المنهجيات التي حاصرت النص الإلهي داخل أسوار التفاسير التاريخية والمعاجم اللغوية المحدودة. إننا أمام محاولة جادة لإعادة الاعتبار لمرجعية القرآن بوصفه نصاً متعالياً قادراً على مخاطبة العقل البشري في كل زمان ومكان، بعيداً عن هيمنة الروايات التي أُلبست ثوب القداسة ونافست النص الأصلي في تشكيل الوعي الجمعي للمسلمين.
تسعى هذه القراءة التحليلية إلى تفكيك الركائز التي استند إليها الدكتور هداية في هذا اللقاء، بدءاً من تحرير المصطلحات وفصل الدين المطلق عن الخطاب الدعوي النسبي، وصولاً إلى نقد المنهج التفسيري التقليدي الذي اعتمد على المحاكاة أكثر من التدبر. إنها دعوة، انطلقت من منبر "مجتمع"، لاستعادة "اللسان القرآني" بخصوصيته الإلهية، وفتح آفاق البحث أمام العقول العلمية المتجردة، لضمان خروج قراءة دينية تتسق مع مراد الله وتستجيب لتحديات العصر المعرفية، مما يضعنا أمام مواجهة ضرورية بين "ثوابت الوحي" و"متغيرات الاجتهاد البشري" التي استمرت لقرون دون مراجعة نقدية حقيقية.

إشكالية المصطلحات: من "تجديد الدين" إلى "تجديد الخطاب"
توقف الحوار في مستهله عند عتبة منهجية حاسمة تتعلق بفك الاشتباك الدلالي بين مفهومي "الدين" و"الخطاب"؛ حيث شدد الدكتور هداية على أن الدين، بصفته وضعاً إلهياً ومصدراً متعالياً، يتسم بالثبات والإطلاق والكمال، ومن ثم فهو منزه عن التغيير أو "التجديد" بمعناه التبديلي. وفي مقابل هذا الثبات، يبرز "الخطاب الدعوي" كفعل بشري، زماني، ومقيد بسياقات المتكلم والمخاطب، وهو ما يجعله عرضة للقصور أو الترهل بمرور الزمن. هذا الضبط المصطلحي ليس ترفاً لغوياً، بل هو ضرورة لحماية النص المقدس من محاولات العبث باسم التطوير، وفي الوقت ذاته، نزع القداسة عن الأساليب البشرية في التبليغ، مما يفتح الباب واسعاً لمراجعة "الخطاب" دون وجل من الوقوع في محظور المساس بـ "الدين".
ويستطرد التحليل ليُظهر أن هذا التمييز الجوهري هو الكفيل بإنهاء الصراع المفتعل بين تيارات الحداثة والمدافعين عن التراث؛ فالتجديد المنشود لا يستهدف "بنية النص" أو جوهر العقيدة، بل يركز حصراً على "آليات الفهم" واستعادة "أدوات التلقي" التي تراكمت فوقها غبار التكرار والتقليد. إن الدكتور هداية هنا يدفع باتجاه "تجديد الأدوات" لا "تجديد الموضوع"، مستنداً إلى أن المعارف المعاصرة والمناهج اللسانية الحديثة تمنح الباحث اليوم إمكانيات لاستنطاق مراد الله بطريقة تتجاوز "السردية التاريخية" التي حاصرت النص داخل حدود الفهم القديم، مما يسمح بعرض الإسلام كرسالة حية قادرة على التفاعل مع مقتضيات العصر المعرفية والتقنية دون صِدام.

نقد المنهج التفسيري التقليدي: القراءة اللسانية مقابل المعجمية
وجه الدكتور هداية نقداً بنيوياً جريئاً للمنهجية التي سار عليها المفسرون الأوائل، واصفاً قسماً كبيراً من التراث التفسيري بأنه استحال إلى عملية "نقل آلي" أو ما أسماه بـ "نقل المسطرة"، حيث غابت الروح النقدية وحلّت محلها المحاكاة والتدوين التكراري الذي يفتقر للوعي البحثي المتجدد. وتجلت هذه الإشكالية في الخلط بين المصطلحات المحورية، حيث فرّق هداية بدقة بين "الكتاب" بوصفه الوعاء الجامع والتعريف الشامل للوحي كاملاً (114 سورة)، وبين "القرآن" الذي قد يأتي في السياق الإلهي كقراءة مخصصة أو توصيف لجزء من هذا الكتاب. هذا التمييز يهدف إلى استعادة الانضباط الدلالي للنص، ورفض الفكرة السائدة التي تجعل الكلمتين مجرد مترادفات لغوية، مؤكداً أن كل لفظة في النص الإلهي لها "بصمة تعريفية" مستقلة وغاية مقصودة لا يسد غيرها مسدها.
وفي سياق متصل، دعا هداية إلى التحرر من سطوة "القراءات المعجمية" التي تُخضع المفردة القرآنية لتقلبات لسان العرب وقواميسهم مثل "تاج العروس" و"لسان العرب"، معتبراً أن الكلمة في القرآن تمتلك خصوصية إلهية تتجاوز الاستخدام الدارج. وقدّم برهاناً على ذلك بتشريح دلالة كلمة "الريب"؛ فبينما اختزلها المفسرون والمعاجم في معنى "الشك"، ذهب هداية إلى أنها تعبر عن أدنى درجات الاضطراب أو "القلق الإدراكي" الذي يسبق حتى الشك والظن والوهم. ومن خلال هذا التحليل، يثبت هداية أن نفي "الريب" عن الكتاب في مطلع سورة البقرة هو نفي لأقل مستويات القلق الذهني، مما يمنح القارئ طمأنينة مطلقة ويقيناً معرفياً لا تصل إليه التفسيرات التقليدية التي حبست النص داخل جدران المعاجم اللغوية المحدودة.

سلطة الموروث مقابل مرجعية النص (القرآن أولاً)
تجلت ذروة التحليل النقدي في الحوار عند استعراض إشكالية "الحاكمية المعرفية"، حيث دعا الدكتور هداية بوضوح إلى ضرورة تحرير النص القرآني من هيمنة "سلطة الموروث الروائي" التي أُقحمت كحاكم على الآيات الإلهية. وشدد هداية على منهجية "محكمية القرآن"، مؤكداً أن تقديم "الرواية" (التي هي ظنية الثبوت في أغلبها) على "الآية" (قطعية الصدور) يمثل خللاً منهجياً وتطاولاً على التراتبية الإلهية. وصرح بقدرته البحثية على تفكيك وردّ أي حديث يتصادم مع صريح القول الإلهي، معتبراً أن الرسول ﷺ بريء من كل ما يخالف جوهر القران، وأن وظيفة البحث العلمي هي تنقية الدين مما علق به من مرويات تاريخية حرفت المراد الإلهي عن مواضعه بدعوى التفسير أو التخصيص.
وفي تطبيق عملي لهذا المنهج، فتح الدكتور هداية ملف "الميراث والوصية" كنموذج حي لما وصفه بـ "المصيبة الفقهية" الناتجة عن تقديم الموروث على النص. وأوضح كيف أن الفقه التقليدي عطل مراد الله الصريح في وجوب "الوصية" للوالدين والأقربين، مستنداً إلى قاعدة بشرية لغى بها نصاً قرآنياً وهي حديث "لا وصية لوارث"، مما أدى إلى حرمان فئات مستحقة وخلق أزمات اجتماعية وأسرية طاحنة داخل المجتمعات المسلمة. هذا المثال لم يكن مجرد نقد فقهي، بل كان كشفاً عن كيفية "تحريف المراد" الذي يمارسه التراث حين يمنح الفقيه نفسه حق نسخ أو تقييد النص الإلهي بأدوات بشرية، مما استوجب ضرورة العودة إلى "مرجعية القرآن أولاً" كأولوية قصوى للإصلاح التشريعي والمجتمعي.

كسر احتكار البحث الديني (المؤهلون للتجديد)
وجه الدكتور هداية صفعة قوية للمفاهيم التقليدية التي تحصر فهم النص المقدس داخل أروقة المؤسسات الدينية الرسمية، معلنًا صراحةً كسر احتكار "رجال الدين" لعملية البحث والتجديد. ورأى أن القران، بصفته خطابًا كونيًا شاملاً، يستوجب "تضافر التخصصات" العلمية المتنوعة لاستنطاق آياته؛ فالباحث في اللسانيات يفكك البنية الدلالية، بينما يمنح علماء الفيزياء والطب والهندسة النص أبعادًا تفسيرية تتسق مع القوانين الكونية والحقائق الوجودية التي يزخر بها الكتاب. إن هذه الدعوة لا تهدف إلى تهميش المختصين في الشريعة، بل إلى نقل عملية التفسير من "الفردية الضيقة" إلى "العمل المؤسسي العابر للتخصصات"، بما يضمن خروج قراءة معاصرة تعيد ربط الوحي بالواقع العلمي الراهن وتتجاوز القراءات الأحادية الجانب.
وفي سياق تحليلي لافت، ربط هداية بين المنهجية العلمية وبين "التجرد البحثي" والأخلاقي، معتبراً أن الدارسين للعلوم التطبيقية والعملية يمتلكون مزية نفسية ومنهجية تفتقدها أحياناً النخب التقليدية، وهي "شجاعة الاعتراف بالجهل". وأوضح أن العالم في المعمل يدرك أن الخطأ قد يؤدي لانفجار، لذا فهو لا يتردد في قول "لا أعرف" حتى يستوثق من بحثه، بخلاف بعض "المشايخ" الذين يأنفون من ذلك ويقدمون إجابات معلبة وفورية للحفاظ على هيبة صورتهم الاجتماعية. هذا الفارق في التكوين العقلي يجعل المتخصصين في العلوم الكونية أكثر قدرة على التعامل مع النص الإلهي بموضوعية وتواضع، بعيداً عن "الاستعلاء المعرفي" أو المواقف الأيديولوجية المسبقة، مما يجعلهم مؤهلين بجدارة للمشاركة في مشروع تحرير النص من سلطة الموروث البشري الجامد.

الخاتمة
في الختام، تظل أطروحات الدكتور محمد هداية بمثابة "مشرط جراح" يحاول استئصال الزوائد البشرية التي علقت بجسد النص الإلهي عبر القرون، وهي صرخة فكرية تدعو لاستعادة "التدبر" المسلوب كأداة وحيدة لكسر أقفال القلوب والعقول. إن نجاح مشروع التجديد الذي يبشر به لا يتوقف على نقد الماضي فحسب، بل على مدى قدرتنا على تشكيل مجمعات بحثية عابرة للتخصصات تضع "مراد الله" فوق كل اعتبار بشري، وتتعامل مع القرآن كرسالة عالمية حية تتجاوز ضيق المعاجم وتاريخية المرويات، لتؤسس لإيمان يقوم على العلم والبرهان لا على التقليد والمحاكاة.

شارك