مأزق التنوير العربي: قراءة في جدليات أحمد عصيد وإبراهيم عيسى

الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 11:38 ص
طباعة مأزق التنوير العربي: حسام الحداد
 
تأتي هذه الحلقة الاستثنائية من بودكاست "جدليات" الذي تنشره مؤسسة تكوين الفكر العربي، والتي بُثت في الثاني والعشرين من أبريل لعام 2026، لتعيد فتح ملفات الوعي العربي الجريح ومواجهة الأسئلة الوجودية التي طالما تحاشت النخب الخوض في جذورها. في هذا اللقاء، الذي جمع بين الإعلامي إبراهيم عيسى والمفكر المغربي البارز أحمد عصيد، لم يكن النقاش مجرد استعراض تاريخي، بل جاء في سياق زمني يتسم بتصاعد الصراعات الإقليمية وانسداد الأفق الديمقراطي في العديد من بلدان المنطقة. لقد وضعت الحلقة إصبعها على "الجرح النرجسي" العربي، محاولةً الإجابة عن السؤال المعضلة: لماذا أخفقنا في اللحاق بركب الحداثة بينما نجحت أمم أخرى كانت تشاركنا ظروف التخلف والارتهان؟
على مدار ما يقرب من ساعة من المكاشفة الفكرية، رسم أحمد عصيد ملامح "مأزق التنوير" في البيئة العربية، منتقداً الركون إلى سرديات "الماضي الذهبي" التي يروجها الفكر الفقهي التقليدي للهروب من استحقاقات الحاضر. وينطلق السياق التحليلي للحلقة من ضرورة فك الارتباط بين السلطة السياسية والمنظومات التراثية المعطلة للعقل، مؤكداً أن التنوير ليس ترفاً فكرياً أو بضاعة مستوردة، بل هو ضرورة أملتها اللحظة الراهنة لإنقاذ مفهوم "الدولة الوطنية" من الانهيار تحت وطأة الأصوليات المتشددة ولعبة التوازنات السياسية القاتلة التي أهدرت عقوداً من الزمن الحضاري.

التنوير: من الأيديولوجيا الوافدة إلى الضرورة الوجودية
يفكك أحمد عصيد "مركزية التنوير" الغربية، رافضاً اختزاله في كونه مجرد أيديولوجيا وافدة أو منتجاً جغرافياً محصوراً في أوروبا. ويرى أن التنوير، في جوهره، هو فعل تحرري كوني يعتمد على "استخدام العقل بجرأة ودون وصاية خارجية"؛ وهو ما يجعله ضرورة وجودية لأي مجتمع يطمح لفهم روح عصره وتحقيق سيادته المعرفية. فالتنوير بهذا المعنى ليس استيراداً لنمط حياة أجنبي، بل هو استرداد للطاقة العقلية الطبيعية للإنسان، والتي تمكنه من إنتاج فكر تاريخي متجدد بدلاً من الانحباس في دوائر "النقوص" والاجترار التي تحاول إعادة إنتاج الماضي في سياقات زمنية لا تقبله.
يسعى عصيد إلى تحرير العقل العربي من "عقدة التبعية" عبر استدعاء جذور التنوير من داخل التراث الإسلامي نفسه، مبرهناً على أصالة النزعة الإنسية (Humanism) في تاريخنا. ويستشهد في ذلك بنماذج فكرية لامعة، مثل "ابن مسكويه" في كتابه "تهذيب الأخلاق"، موضحاً أن بذور التفكير العقلاني والمركزية الإنسانية كانت حاضرة بقوة قبل أن يتم قمعها وتهميشها لصالح الفكر التقليدي المتشدد الذي ساد لاحقاً. هذا الاستشهاد التاريخي يهدف إلى إثبات أن المعركة ليست بين "شرق وغرب"، بل هي صراع مستمر بين عقل منفتح يبحث عن كرامة الإنسان وحريته، وبين منظومات فقهية وتراثية حاولت عبر القرون فرض الوصاية على العقل وتجميد حركته التاريخية.

"الجرح النرجسي" وتوهم الماضي الذهبي
يتناول أحمد عصيد مفهوم "الجرح النرجسي" كحالة نفسية وجماعية أصابت العقل العربي والمغاربي عقب مرحلة الاستعمار، حيث تولدت "غمة حضارية" ناتجة عن صدمة العجز أمام تفوق القوى الاستعمارية وإنتاجيتها. هذا الانكسار الحضاري خلق حالة من التيه الهوياتي؛ فلم تستطع هذه المجتمعات العودة إلى نمط حياتها ما قبل الاستعمار لعدم واقعيته، وفي الوقت ذاته فشلت في اللحاق بركب الحداثة وبناء دولة ديمقراطية حديثة. هذا العجز ولد صراعاً مريراً بين ممثلي التقليد وممثلي العصر، حيث استُهلكت الطاقات في معارك هوياتية بدلاً من البناء، مما جعل المجتمعات تعيش في منزلة بين منزلتين: عجز عن التطور ورفض للواقع.
وفي نقد حاد للمؤسسة التقليدية، يفكك عصيد "أسطورة الماضي الذهبي" التي روج لها الفقهاء، مؤكداً أن هؤلاء كانوا حجر العثرة التاريخي أمام كل محاولات التحديث؛ حيث أفشلوا مشاريع السلاطين لتطوير الجيش والتعليم والإدارة منذ القرن التاسع عشر تحت دعاوى التحريم. ويوضح أن هذا "الماضي" الذي يتغنى به البعض ليس حقيقة تاريخية، بل هو "وهم مصنوع" في مخيلة الفقهاء، إذ يتجاهلون عمداً حقائق التاريخ الفعلي المليئة بالاقتتال الطائفي، والاستبداد السياسي، والمذابح بين المذاهب، وقمع المفكرين. إن هذا التزييف للتاريخ يهدف إلى تقديم نموذج مثالي غير قابل للاستعادة، مما يعطل العقل عن التفكير الموضوعي في مشكلات الحاضر ويغرقه في نوستالجيا لزمن لم يكن وردياً كما تصوره الأدبيات الدينية.

نقد الدولة ولعبة التوازنات
يوجه أحمد عصيد نقداً لاذعاً للنظم السياسية المتعاقبة، متهماً إياها بتبني "إستراتيجية المراوغة" أو ما يسميه "لعبة التوازنات" القاتلة. ويوضح أن الحكام، في سعيهم للحفاظ على استقرار كراسيهم، وقفوا في منطقة رمادية بين دعاة التحديث وبين التيارات التقليدية؛ فهم لم يجرؤوا على الانحياز الكامل لمشروع التنوير خوفاً من خسارة الشرعية الدينية التي يسيطر عليها التقليديون، وفي الوقت ذاته لم يسلموا زمام الأمور للتراثيين خشية طموحاتهم السياسية في السلطة. هذا التردد والمجيء والذهاب بين عالمين متعارضين أدى إلى هدر زمن حضاري هائل، وحوّل الدولة إلى كيان وظيفي يدير الصراعات بدلاً من كونه قاطرة للنهضة، مما أدى في النهاية إلى تعثر مسلسل الديمقراطية وبقاء المجتمعات في حالة من "السيولة" التي لا تنتج تطوراً حقيقياً.
وفي سياق متصل، يرى عصيد أن معضلة التنوير العربي لا تكمن في غياب الأفكار، بل في "عجز المؤسسات" عن مأسستها. ويستشهد برموز الإصلاح مثل محمد عبده وغيره، مبيناً أن أفكارهم التنويرية ظلت "حبيسة الكتب" ولم تتحول إلى واقع ملموس لأن الدولة لم تتبناها كمشروع وطني. فبدلاً من تحويل تلك الرؤى التحديثية إلى "ترسانة قانونية" وتشريعات ملزمة، ونظم تعليمية تبني وعي المواطن، وتوجهات إعلامية تشكل العقل الجمعي، تركتها الدولة عرضة لنهش التيارات المتشددة التي جاءت لاحقاً لتؤطر المجتمع ضد مفهوم الدولة الحديثة. هذا الإخفاق في نقل التنوير من حيز النظرية الفلسفية إلى حيز "المؤسسة والقانون" هو ما جعل التجربة النهضوية هشة أمام موجات الارتداد الماضوية.

معضلة الديمقراطية والوعي المعطوب
يقدم أحمد عصيد تحليلاً نقدياً عميقاً للمفارقة التي تشهدها المنطقة العربية، حيث تسفر صناديق الاقتراع غالباً عن فوز تيارات معادية لقيم الحداثة والتنوير. ويرى أن الخلل يكمن في اختزال الديمقراطية في مجرد "آلية تقنية" للتصويت، بينما هي في جوهرها ثقافة وقيم تسبق الصندوق. ويؤكد عصيد أن المجتمعات التي لم تخضع لعملية "تأهيل ديمقراطي" وتربوي حقيقي تظل عاجزة عن ممارسة الاختيار العقلاني؛ فالمواطن في هذه الحالة لا يصوت لصالح برامج سياسية أو رؤى اقتصادية تنهض ببلده، بل ينساق خلف "عواطف دينية" جياشة أو وعود غيبية بالخلاص، مما يحول العملية الديمقراطية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الاستبداد بصبغة شعبية.
وفي هذا السياق، يطرح عصيد مصطلح "ديكتاتورية الأغلبية العددية" لوصف الحالة التي تفرض فيها كتلة صويتية كبرى رؤيتها الماضوية على المجتمع لمجرد امتلاكها التفوق الرقمي، دون اعتبار لحقوق الأفراد أو قيم الحرية والمساواة التي هي روح الديمقراطية. ويرى أن هذا "الوعي المعطوب" هو نتيجة مباشرة لتقاعس الدولة عن القيام بدورها في التربية المدنية، بل وتعمدها أحياناً إضعاف الأحزاب السياسية والمؤسسات الثقافية التي كان من شأنها بناء "وعي المواطنة". إن غياب هذا المشترك الوطني والتعاقد الاجتماعي يجعل من صندوق الاقتراع مجرد أداة لإبراز موازين القوى الغاشمة بدلاً من كونها وسيلة للارتقاء الحضاري، مما يضع المجتمعات في حلقة مفرغة من "الانتخابات بلا ديمقراطية".

قلب المعادلة: الدين في خدمة العصر لا العكس
يطرح أحمد عصيد رؤية راديكالية (جذرية) تتجاوز الترميمات السطحية للخطاب الديني، منادياً بضرورة "قلب المعادلة" التقليدية التي تجعل من العصر تابعاً للنص الفقهي. ويرى أن المرجعية العليا في التشريع وإدارة الشأن العام يجب أن تنتقل من المنظومة الفقهية التراثية إلى "منطق الدولة الحديثة" وروح العصر؛ بحيث تصبح حاجات المجتمع المتطور، وقيم الدستور، والقوانين الدولية لحقوق الإنسان هي الحاكم والميزان. فالتنوير في نظره لا يهدف إلى إحداث قطيعة عدمية مع الدين، بل يسعى إلى إخضاع الفكر الديني لمعايير الكرامة الإنسانية وحقوق المواطنة، وضمان ملائمته للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإنسان المعاصر، ليكون الدين تجربة روحية وأخلاقية فردية تسمو بالفرد ولا تصطدم مع مؤسسات الدولة الحديثة.
وفي سياق متصل، يفكك عصيد مفهوم "الوسطية" المتداول في المؤسسات الرسمية، معتبراً إياها شكلاً من أشكال التبرير الذي لا يقدم حلولاً حقيقية للأزمات الحضارية. وينتقد عصيد تمسك "الوسطيين" بالقواعد الأصولية القديمة، مثل قاعدة "لا اجتهاد مع وجود نص"، خاصة في القضايا الحساسة كالمساواة في الإرث أو حقوق المرأة، مؤكداً أن هذه القاعدة تحول دون تحقيق العدالة التي يفرضها الواقع المعاصر. فكل "وسطية" ترفض إعادة قراءة النصوص برؤية إنسانية وحداثية، وتصر على تقديم المرجعية الفقهية على مصلحة المواطن، هي في نظره وجه آخر للتشدد يساهم في هدر الزمن وتأخير النهضة. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يمتلك الفقيه الوعي بالتحولات العالمية والقانونية، ويدرك أن دور الدين هو خدمة الإنسان وتحقيق رفاهيته في هذا العصر، وليس تجميد حياته عند حدود اجتهادات بشرية وضعت لزمن مضى.

خلاصة نقدية
الحلقة تمثل صوتاً عقلانياً قوياً يضع الإصبع على مكامن الخلل: التعليم، التوظيف السياسي للدين، وغياب العقد الاجتماعي الحقيقي. إلا أن الطرح يظل يواجه تحدياً كبيراً؛ وهو كيف يمكن "إقناع" الكتل الجماهيرية الغارقة في الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية بمفاهيم نخبوية مثل "التنوير" و"العلمانية"، بينما توفر لهم التيارات الأصولية "طمانينة روحية" فورية؟
يخلص عصيد إلى أن صمام الأمان الوحيد هو الدولة المدنية العلمانية التي تحمي الجميع، معتبراً أن نجاح الديمقراطية مرهون بالتربية على الحرية والمساواة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع .

شارك