بطريرك القدس يقرأ زمن الحرب ويدعو لتنقية الذاكرة وكسر حلقة العنف
الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 11:39 ص
طباعة
روبيرالفارس
في ظل الحرب الدائرة منذ السابع من أكتوبر وما تبعها من تصعيد في غزة والمنطقة، وجّه بطريرك القدس للاتين، بييرباتيستا بيتسابالا، رسالة رعوية مطولة إلى أبرشيته الممتدة في إسرائيل وفلسطين والأردن وقبرص، مقدّمًا قراءة روحية للواقع، بعيدًا عن التحليل السياسي المباشر، ومركّزًا على سؤال جوهري: كيف يعيش المسيحي إيمانه في قلب هذا الخراب؟
أزمة أعمق من حرب
يرى البطريرك أن ما يحدث ليس مجرد نزاع محلي، بل علامة على تحوّل عالمي خطير، حيث تراجعت مرجعية القانون الدولي لصالح منطق القوة. الحرب، كما يصفها، لم تعد استثناءً بل تحوّلت إلى ما يشبه “عبادة”، يُبرَّر فيها استهداف المدنيين، وتُقدَّم المصالح الاستراتيجية على العدالة.
كما يرصد تفكك الروابط بين الشعوب، وتصاعد الكراهية، وانغلاق المجتمعات داخل “فقاعات هوياتية” تغذّيها وسائل التواصل. ويشير إلى أزمة حادة في الحوار بين الأديان، حيث تُستعمل النصوص الدينية أحيانًا لتبرير العنف بدل أن تكون جسورًا للسلام.
ولا يخفي تساؤله المؤلم: هل كان صوت الكنيسة نبويًا بما يكفي؟ أم غلب الحذر المؤسسي على الشهادة الواضحة في زمن الفوضى؟
مدينة الصراع
في مواجهة هذا الواقع، يستعيد البطريرك صورة القدس“أورشليم السماوية” في سفر الرؤيا كنموذج روحي. فالقدس، في جوهرها، ليست مجرد قضية سياسية أو صراع حدود، بل “بيت صلاة لجميع الشعوب”. تجاهل بعدها الروحي، برأيه، يُفشل أي مشروع للعيش المشترك.
ويؤكد أن الهوس بالسيطرة على الأماكن والرموز حوّلها إلى ساحات تنازع، بينما يدعو الإنجيل إلى رؤية تقوم على العلاقة لا الامتلاك. من هنا تبرز الحاجة إلى “تنقية الذاكرة”: أي إعادة قراءة التاريخ بعيون قادرة على الاعتراف بالألم دون تحويله إلى وقود دائم للانتقام. ولا حل سوي
الغفران، كما يشدد، ذلك ليس تبريرًا للشر، بل كسرٌ لحلقة الكراهية، وهو الشهادة الأعمق التي يمكن للمسيحيين أن يقدّموها في هذه الأرض الجريحة.
العيش المشترك
الرسالة لا تكتفي بالتأمل النظري، بل تقترح مسارات عملية. في المقدمة تأتي الصلاة والعبادة كقلب حياة الكنيسة، لا كطقوس شكلية بل كقوة شفاء وتجديد.
فالعائلة تُطرح كمدرسة أولى للمصالحة، تروي التاريخ للأبناء بصدق دون توريثهم الضغينة. والمدارس المسيحية تُقدَّم كورش لإنسانية جديدة، يتعلّم فيها الطلاب أن الاختلاف مصدر غنى لا تهديد.
أما المستشفيات ومؤسسات الخدمة الاجتماعية فتمثل، بحسب الرسالة، نموذجًا حيًا للقاء بين أتباع ديانات مختلفة يتشاركون الألم والعمل اليومي. كذلك يشدد البطريرك على أهمية الحوار المسكوني بين الكنائس، والحوار بين الأديان، داعيًا إلى نقله من مستوى النخب إلى الحياة اليومية في الرعايا والمدارس.
رجاء لا يقوم على القوة
تختتم الرسالة بنبرة واقعية: لا يمكن للمؤمنين أن يحققوا هذا المشروع بقوتهم وحدهم. لكنهم أيضًا ليسوا وحدهم. الرجاء، كما يؤكد البطريرك، ينبع من الإيمان بأن الله لا يتخلى عن تاريخه.
في زمن يعلو فيه صوت السلاح، تقترح الرسالة مسارًا مختلفًا: أن تكون كنيسة القدس علامة رجاء، تعمل على شفاء الجراح بالوداعة، وتواجه العنف بثقافة اللقاء، وتحمل في قلبها حلم الله لمدينة لا تقوم على الخوف، بل على العلاقة والغفران.
