الأب جوزيبي سكّاتوليني… راهب كرّس حياته للتصوف الإسلامي
الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 01:43 م
طباعة
روبيرالفارس
رحل عن عالمنا في مدينة كومو الإيطالية الأب جوزيبي سكّاتوليني، أحد أبرز المرسلين الكومبونيان والباحثين في الدراسات الإسلامية، والذي شكّل اسمه علامة فارقة في حقل الأدب الصوفي، خصوصًا من خلال مشروعه العلمي المتعمّق حول تراث الشاعر الصوفي الكبير ابن الفارض.
النشأة والمسيرة
وُلد الأب سكّاتوليني في 29 ديسمبر 1942، وسيم كاهنًا في 30 نوفمبر 1968 ضمن رهبنة المرسلين الكومبونيان بدأ خدمته الرسولية في السودان بين عامي 1969 و1979، قبل أن ينتقل إلى مصر عام 1979، حيث أقام وعمل حتى عام 2022.
في مصر، لم يكتفِ بدوره الرعوي، بل انخرط بعمق في البحث الأكاديمي، فأتقن اللغة العربية، ونسج علاقات واسعة مع مؤسسات علمية وثقافية، ليصبح أحد الأسماء المرموقة في الدراسات الإسلامية، لا سيما في مجال التصوف.حبث
شكّل ابن الفارض محور المشروع الفكري للأب سكّاتوليني، إذ رأى فيه قمة التجربة الصوفية الشعرية في الإسلام. وانكبّ على دراسة ديوانه، وخاصة قصيدته الكبرى نظم السلوك (التائية الكبرى)، التي تُعدّ من أعقد النصوص الصوفية وأغناها بالرمزية.
تميّز مشروعه بعدة سمات:
اولا تحقيق علمي دقيق للنصوص فقد سعى إلى قراءة نصوص ابن الفارض في ضوء المخطوطات والسياقات التاريخية، مع تحليل لغوي وفلسفي معمّق.
ثانيا تقديم مقاربة روحية – فلسفية: لم يتعامل مع شعر ابن الفارض بوصفه أدبًا رمزيًا فحسب، بل باعتباره تعبيرًا عن “تجربة المطلق”، أي اختبار الإنسان لحضور الله في أفق المحبة والفناء والوحدة.
ثالثا جسر بين التصوف المسيحي والإسلامي: أبرز نقاط التلاقي الروحي بين التراثين، معتبرًا أن التجربة الصوفية تمثّل أرضية خصبة للحوار بين الأديان.
ومن أبرز أعماله كتابه المعروف عن تجربة ابن الفارض الروحية، الذي تناول فيه مفهوم المحبة الإلهية والاتحاد الصوفي، وقد أصبح مرجعًا مهمًا للباحثين في الأدب الصوفي. ولم يكن اهتمام الأب سكّاتوليني بابن الفارض بحثًا أكاديميًا باردًا، بل مشروع حياة. فقد رأى في التصوف الإسلامي لغة كونية تتجاوز الانقسامات العقائدية، وتفتح المجال أمام لقاء عميق بين المؤمنين من مختلف التقاليد
ومن خلال تدريسه ومحاضراته ومشاركته في الندوات، أسهم في تصحيح الصور النمطية عن الإسلام في الأوساط الغربية، مقدّمًا قراءة تُبرز البعد الروحي والجمالي للحضارة الإسلامية.
إرث باقٍ
برحيل الأب جوزيبي سكّاتوليني، تخسر الساحة الفكرية والكنسية شخصية جمعت بين الرسالة والرؤية، بين الالتزام الرهباني والبحث العلمي، وبين الإيمان والحوار. ويبقى مشروعه حول ابن الفارض شاهدًا على مسيرة باحث آمن بأن المحبة الإلهية، كما عبّر عنها شعر التصوف، يمكن أن تكون لغة مشتركة بين البشر.
