مختار نوح.. "عقلُ المنطق" الذي فكّك طلاسم التنظيم بالحق والقانون
الأربعاء 29/أبريل/2026 - 12:17 م
طباعة
حسام الحداد
في صمت الواثقين وهدوء الباحثين، ترجل اليوم، التاسع والعشرين من أبريل 2026، المفكر والمحامي القدير مختار نوح، تاركاً خلفه إرثاً قانونياً وفكرياً سيظل محطة إجبارية لكل من يريد فهم كواليس السياسة وأسرار الجماعات المؤدلجة في مصر. لم يكن مختار نوح مجرد "منشق" عابر، بل كان "عقلاً نقدياً" من الطراز الرفيع، امتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، وقوة الإرادة لتصحيح المسار، ليتحول من كادر تنظيمي بارز إلى واحد من أهم حراس الوعي الوطني وكاشفي زيف الشعارات.
المحطات الإنسانية والمهنية: من "التنظيم" إلى "الوطن"
تعد مسيرة مختار نوح رحلة ملهمة في البحث عن الحقيقة، حيث لم يرتكن إلى المسلمات، بل كان دائماً ما يضع منطق الأشياء فوق مصلحة الجماعة:
بدأ حياته المهنية كواحد من ألمع المحامين في مصر، وداخل أروقة الجماعة، كان يُنظر إليه كـ"عقل إستراتيجي" وقائد نقابي فذ. لكن رحلته الحقيقية بدأت حين اصطدمت نصوص القانون برغبات التنظيم، فاختار أن ينحاز لضميره المهني وإيمانه بالدولة.
لم يكن خروجه ضجيجاً من أجل الشهرة، بل كان انسحاباً مدروساً جاء بعد مراجعات فكرية عميقة داخل أسوار السجن وخارجها. أدرك نوح مبكراً أن "التنظيم" بدأ يلتهم "الدين" و"الوطن"، فقرر أن يحرر عقله من قيود السمع والطاعة ليحلق في فضاء المصلحة الوطنية العامة.
في اللحظات التاريخية التي واجهت فيها مصر خطر التفتت، كان مختار نوح في الصفوف الأولى دفاعاً عن مؤسسات الدولة. لم تكن مواقفه سياسية بحتة، بل كانت نابعة من رؤية قانونية ترى في الدولة الضمانة الوحيدة لحقوق الإنسان وحرية المعتقد، بعيداً عن وصاية الجماعات.
فلسفته في المواجهة: تشريح العقل التنظيمي
اعتمد مختار نوح في مواجهته لخطاب التشدد على "المنطق البارد" والتحليل القانوني الرصين، مبتعداً عن الانفعال:
كان من أبرز من شرحوا للرأي العام خطورة الأفكار التي سعت لإسقاط الدولة عقب 30 يونيو. أوضح بالدليل كيف تحالفت المصالح الخارجية مع الأوهام التنظيمية لمحاولة هدم نسيج الشعب المصري، مؤكداً أن الوعي هو حائط الصد الأول.
تميز أسلوبه بالترفع عن الصغائر؛ فكان ينقد "الفكرة" لا "الأشخاص"، ويفكك "المنهج" لا "النوايا". هذا الأسلوب الإنساني جعل كلماته مسموعة حتى لدى خصومه، لأنه كان يتحدث بلغة العقل والقانون، لا بلغة التشفي.
ظل حتى يومه الأخير مؤمناً بأن تجديد الخطاب الديني يبدأ من تنقية العقول من لوثة التنظيمات، وأن المسلم الحق هو من يبني وطنه ويعمر أرضه، لا من يسعى لهدم أركان دولته.
إرثه الثقافي والوطني: كاشف أسرار "الجماعة الإرهابية"
يغادرنا مختار نوح اليوم، لكنه يترك "مدرسة فكرية" في كيفية قراءة الجماعات المتطرفة من منظور قانوني وإنساني:
"إن أعظم انتصار يحققه الإنسان هو انتصاره على أوهامه القديمة." — تلخص هذه الكلمات حياة مختار نوح، الرجل الذي لم يخشَ أن يقول "كنت مخطئاً" ليقول بعدها بملء فيه "تحيا مصر".
لقد كان مختار نوح، بشهادته التاريخية حول محاولات إسقاط مصر حكماً وشعباً، وبتحليلاته العميقة لمسجد مصطفى محمود الذي شهد جنازته اليوم، سيظل رمزاً للباحث الذي لم يبع قلمه، وللمحامي الذي ظل يدافع عن قضية واحدة كبرى اسمها "الوطن". رحل نوح، وبقي كشفه للأسرار منارة تضيء الطريق للأجيال القادمة لتمييز الحق من الباطل.
