الطوارق يسيطرون على معسكر تيساليت في مالي وسط تصاعد هجمات الجماعات المسلحة

السبت 02/مايو/2026 - 10:27 ص
طباعة الطوارق يسيطرون على فاطمة عبدالغني
 
تشهد مالي تصعيدًا أمنيًا لافتًا يعكس تعقيد المشهد في منطقة الساحل، بعد إعلان المتمردين الطوارق سيطرتهم على معسكر تيساليت الاستراتيجي شمال البلاد، في تطور جديد يسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتزايد الضغوط على المجلس العسكري الحاكم.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه باماكو تحديات متراكمة، تشمل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة، وتنامي التنسيق بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الجهادية، إلى جانب تراجع قدرة الجيش على تأمين المناطق الشمالية ذات الأهمية العسكرية واللوجستية.

الطوارق يسيطرون على معسكر تيساليت الاستراتيجي

أفادت مصادر محلية وأمنية بأن القوات المالية وحلفاءها انسحبوا من معسكر تيساليت صباح الجمعة، قبل وصول قوات جبهة تحرير أزواد، ما مكن المتمردين الطوارق من فرض سيطرتهم على الموقع دون وقوع اشتباكات مباشرة.

ويقع معسكر تيساليت قرب مطار المدينة وعلى مقربة من الحدود الجزائرية، ما يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة باعتباره نقطة لوجستية وعسكرية مؤثرة في شمال مالي، وهي منطقة تشهد نشاطًا مكثفًا للجماعات المسلحة والانفصالية.

وأكدت مصادر من المتمردين أن القوات الحكومية "استسلمت عمليًا" بعد إخلاء الموقع، فيما نشر قادة من جبهة تحرير أزواد تسجيلات مصورة أعلنوا خلالها السيطرة على المعسكر، رغم صعوبة التحقق المستقل من التفاصيل بسبب ضعف الاتصالات في المنطقة.

ضغوط متزايدة على المجلس العسكري في باماكو

تزامن سقوط معسكر تيساليت مع تصريحات تصعيدية من قيادات الطوارق، إذ أكد المتحدث باسم المتمردين محمد المولود رمضان أن المجلس العسكري في مالي "لن يتمكن من الصمود طويلًا"، في ظل تعرضه لضغط مزدوج من الشمال عبر قوات الطوارق، ومن الداخل عبر الجماعات الجهادية.

ويرى المتمردون أن أحد أهدافهم الرئيسية يتمثل في إنهاء الوجود الروسي في شمال مالي، مطالبين بانسحاب دائم للقوات الروسية والعناصر المرتبطة بـ"فيلق أفريقيا" من إقليم أزواد ومن مالي بشكل عام.

وتشكل هذه التطورات ضربة إضافية للمجلس العسكري، خاصة بعد تقارير عن خسائر ميدانية سابقة وتراجع نفوذ الحكومة في مناطق رئيسية شمال البلاد.

اتهامات بتورط ضباط في التعاون مع جماعات مسلحة

في موازاة التطورات الميدانية، أعلنت السلطات المالية فتح تحقيقات واسعة بشأن اتهامات موجهة إلى ضباط وعسكريين بالتورط في التعاون مع جماعات جهادية وانفصالية.

وذكر المدعي العام في المحكمة العسكرية، عبر بيان رسمي، أن التحقيقات كشفت عن "أدلة قوية" تشير إلى مشاركة ضباط في الخدمة وآخرين تم فصلهم مؤخرًا في التخطيط والتنسيق للهجمات الأخيرة.

ويعكس هذا الملف حجم التعقيد داخل المؤسسة العسكرية، ويكشف عن تشابك خطوط الصراع في البلاد، حيث لم يعد التهديد مقتصرًا على الجماعات المسلحة فقط، بل امتد إلى احتمالات اختراق داخل الأجهزة الرسمية.

كما أشارت التحقيقات إلى احتمال تورط شخصيات سياسية في دعم أو تسهيل بعض العمليات، من بينها المعارض البارز عمر ماريكو المقيم في المنفى.

تنسيق متزايد بين الطوارق وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين

التطور الأبرز في المشهد المالي يتمثل في تزايد التنسيق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، ما يعكس إعادة تشكيل للتحالفات المسلحة في منطقة الساحل.

وتشير المعطيات إلى أن التنظيم لم يعد يركز فقط على العمل العسكري، بل يسعى إلى بناء مشروع سياسي طويل الأمد يقوم على إدارة مناطق نفوذ محلية، واستثمار النزاعات الاجتماعية والقبلية لتعزيز حضوره.

ويعتمد التنظيم على قاعدة محلية واسعة تضم مقاتلين من الفلان والطوارق والعرب، ما منحه قدرة على التغلغل داخل المجتمعات المحلية وتوسيع نفوذه تدريجيًا.

كما استفاد من اندماج عدة جماعات منذ عام 2017 ضمن إطار موحد، شمل تنظيمات مثل "أنصار الدين" و"المرابطون" و"كتيبة ماسينا"، ما عزز تماسكه الداخلي ورفع قدرته العملياتية.

مخاوف من تحول الجماعات المسلحة إلى مشروع سياسي شبيه بطالبان

يرى محللون أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتحرك وفق استراتيجية تراكمية تتجاوز العمليات العسكرية التقليدية، عبر إنهاك مؤسسات الدولة، وإدارة مناطق نفوذ محلية، وفرض أنماط حكم موازية.

ويحذر خبراء من أن هذا المسار يحمل سمات قريبة من نموذج  طالبان، الذي بدأ كحركة محلية قبل أن يتحول إلى لاعب سياسي وعسكري قادر على فرض نفسه في معادلات الحكم.

وبحسب مراقبين، فإن خطورة المشهد في مالي لا تكمن فقط في تصاعد التمرد المسلح، بل في بروز جماعات تسعى لتقديم نفسها كبديل سياسي محتمل في أي تسوية مستقبلية، مستفيدة من ضعف الدولة المركزية والانقسامات الداخلية.

ويرى المراقبون أن سيطرة الطوارق على معسكر تيساليت تمثل مؤشرًا واضحًا على تراجع قدرة المجلس العسكري في مالي على فرض سيطرته شمال البلاد، كما تكشف عن تصاعد غير مسبوق في التنسيق بين الفصائل الانفصالية والجماعات المرتبطة بالقاعدة.

ويؤكد محللون أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا في منطقة الساحل، مع احتمالات اتساع رقعة عدم الاستقرار إلى دول الجوار، خصوصًا في ظل هشاشة الحدود وتداخل التهديدات الأمنية والإثنية والسياسية.

شارك