"القوة الناعمة" في مواجهة "الجمهورية".. قراءة في استراتيجية التغلغل الإخواني بفرنسا
الثلاثاء 05/مايو/2026 - 11:08 ص
طباعة
حسام الحداد
تواجه الدولة الفرنسية في عام 2026 تحولاً جذرياً في عقيدتها الأمنية والسياسية، حيث انتقل التركيز من ملاحقة "الخلايا النائمة" والتهديدات الإرهابية المسلحة التي طبعت العقد الماضي، إلى مواجهة نمط أكثر تعقيداً وغموضاً يُعرف بـ "التغلغل الناعم". هذا العدو الجديد لا يستخدم العنف المادي وسيلةً لتقويض أركان الدولة، بل يعتمد على فكر منظم واستراتيجية صبورة تهدف إلى التسلل الهادئ إلى مفاصل المجتمع ومؤسساته الحيوية. وتأتي هذه التحولات في وقت حرج، حيث تجد الجمهورية نفسها مضطرة لإعادة تعريف أدواتها الرقابية والقانونية لمواجهة تنظيمات تتقن العمل تحت غطاء الشرعية، مما يضع مبدأ العلمانية والقيم الجمهورية في اختبار هوية هو الأصعب من نوعه منذ عقود.
إن جوهر الصراع الراهن يكمن في "الحرب الصامتة" التي تشنها جماعة الإخوان عبر استغلال الأدوات الديمقراطية واللغة الحقوقية كدروع واقية لتمرير أجندات تهدف في نهايتها إلى إيجاد مجتمع موازٍ ومنفصل قيمياً. فبينما كانت القوانين السابقة ترصد "الانفصالية" الظاهرة للعيان، تأتي الترسانة التشريعية الجديدة التي يناقشها مجلس الشيوخ لمحاولة ضبط "التسلل المؤسساتي" الذي يمارس تكتيكات الاندماج الصوري بغرض التغيير البنيوي من الداخل. هذا الواقع يفرض على الدولة الفرنسية ليس فقط تشديد الرقابة المالية والإدارية، بل خوض معركة فكرية وسياسية لكسب ثقة مواطنيها المسلمين، والحيلولة دون وقوعهم في فخ المظلومية الذي تنصبه الحركات المتشددة كستار لمشاريعها السياسية.
من الانفصال إلى التغلغل: تحول التكتيك
تشهد الاستراتيجيات التي تنتهجها الحركات المتشددة تحولاً جذرياً في كيفية التعامل مع المجتمعات الغربية، حيث يبرز تباين حاد بين "النزعة الانفصالية" التقليدية وبين "الاندماج التكتيكي". فبينما تميل التيارات السلفية المتشددة إلى الانعزال المادي والرمزي عن الدولة، من خلال تبني أنماط حياة منغلقة، ورفض المؤسسات التعليمية الرسمية، والالتزام بزي يكرس القطيعة مع الفضاء العام، تتبنى جماعة الإخوان أسلوب "التسلل الناعم" عبر الانخراط في صلب المجتمع. هذه الاستراتيجية تعتمد على تمويه الصدام الأيديولوجي، حيث يحرص أفرادها على الظهور بمظهر المواطنين المندمجين الذين لا يبدون عداءً ظاهرياً لقيم الجمهورية، بل يسعون بوعي تام للتغلغل في الهياكل المدنية والسياسية والتعليمية، مما يجعل رصدهم أو مواجهتهم قانونياً أكثر تعقيداً من مواجهة التيارات المنعزلة بوضوح.
تكمن الخطورة الفلسفية والأمنية لهذا التوجه في قدرة الجماعة على استخدام "لغة الدولة" وأدواتها الديمقراطية كدرع وقائي؛ فهم يرفعون شعارات حقوق الإنسان، والحريات الفردية، ومكافحة التمييز، ليس إيماناً بها كقيم عالمية، بل كوسائل لتأمين موطئ قدم داخل مراكز التأثير وصناعة القرار. إن الهدف النهائي لهذا التغلغل لا يسعى إلى صدام ثوري مفاجئ مع النظام القائم، بل يطمح إلى إحداث تغيير بنيوي بطيء وهادئ من الداخل، يفضي في نهاية المطاف إلى فرض "نظام موازٍ" وقيم دينية تتصادم جوهرياً مع مبدأ العلمانية. ومن خلال ممارسة الضغوط داخل النقابات، والجمعيات المحلية، وحتى القوائم الانتخابية، يتم تقويض التماسك الاجتماعي تدريجياً لصالح هوية فئوية تسعى لسمو قوانينها الخاصة على قوانين الدولة والمجتمع.
التسلل السياسي: "الأدوات المتطورة" في صناديق الاقتراع
تتخذ آليات العمل السياسي لدى تنظيمات التغلغل شكلاً من أشكال "الحرب الصامتة" على حيادية الدولة، حيث طرأ تحول استراتيجي في إدارة المعارك الانتخابية، وخاصة على المستوى المحلي والبلدي. فبدلاً من طرح قوائم انتخابية ذات صبغة دينية أو طائفية صريحة قد تُجابه بالرفض القانوني أو الشعبي، تعمد هذه التنظيمات إلى ممارسة "التمويه السياسي" عبر غرس عناصرها وكوادرها داخل قوائم الأحزاب التقليدية والقوى السياسية القائمة بمختلف أطيافها، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. هذا التسلل يمنحهم شرعية مؤسساتية تتيح لهم النفاذ إلى مراكز اتخاذ القرار تحت غطاء حزبي معترف به، مما يجعل من الصعب فرز أجنداتهم الخاصة عن البرامج السياسية العامة للأحزاب التي احتضنتهم، سواء بعلم منها أو نتيجة غفلة عن خلفياتهم الأيديولوجية.
بمجرد وصول هذه العناصر إلى المجالس المحلية، تبدأ المرحلة الثانية من الاستراتيجية وهي التحول إلى "جماعات ضغط" (Lobbies) منظمة تعمل من داخل النظام لتفكيك مبادئ العلمانية وتطويع الفضاء العام. ويظهر ذلك من خلال المطالبات المتكررة بفرض خصوصيات دينية في الخدمات العامة، مثل المطالبة بجداول زمنية منفصلة للجنسين في المنشآت الرياضية، أو ممارسة ضغوط لتعديل المحتوى التربوي في المدارس، وصولاً إلى محاولات الرقابة على المناهج التي تتناول القضايا الدينية أو التاريخية. إن هذا النوع من "النزعة الطائفية الناعمة" لا يهدف إلى الصدام المباشر مع الدولة، بل يسعى إلى إحداث تآكل تدريجي في مفهوم "الفضاء العام المحايد"، واستبداله ببيئة مجتمعية مجزأة تخضع لتعريفات دينية ضيقة، مما يقوض في النهاية سيادة القانون الواحد والمساواة المطلقة بين المواطنين.
"الإسلاموفوبيا" كدرع قانوني وسياسي
تعتمد استراتيجيات التغلغل الحديثة على تحويل المفاهيم الحقوقية إلى "دروع قانونية" وسياسية متطورة، حيث يتم توظيف تهمة "الإسلاموفوبيا" كأداة فعالة لشل حركة مؤسسات الدولة وإرباك قراراتها الرقابية. فبمجرد شروع السلطات في اتخاذ إجراءات قانونية ضد تنظيمات أو جمعيات يشتبه في ارتباطها بأجندات أيديولوجية متطرفة، يتم استدعاء خطاب "المظلومية" وتصوير هذه الإجراءات كحملة عنصرية تستهدف العقيدة الدينية لا السلوك السياسي. هذا التكتيك يضع الدولة في موقف الدفاع المستمر، ويجعل من إنفاذ القانون عملية محفوفة بالمخاطر السياسية، خاصة مع انتقال بعض هذه المنظمات للعمل من خارج الحدود بعد حلها، مستغلة المنصات الدولية لإعادة إنتاج خطاب يربط بين تطبيق القوانين العلمانية وبين اضطهاد الأقليات.
أما على الصعيد الاجتماعي والتربوي، فإن الاستخدام الممنهج لـ "سلاح الضحية" يهدف بالدرجة الأولى إلى هندسة هوة نفسية وفكرية عميقة بين المواطنين المسلمين، لاسيما الشباب، وبين دولتهم ومؤسساتها. ومن خلال تصوير العلمانية كـ "عدو لدود" للدين ومنظومة قمعية تستهدف الهوية الشخصية، بدلاً من كونها إطاراً قانونياً يضمن حرية الاعتقاد للجميع، تنجح هذه الحركات في عزل شريحة من المجتمع داخل فقاعة من الشعور بالاستهداف الدائم. هذا التحريض الناعم يؤدي بمرور الوقت إلى فقدان الثقة في العقد الاجتماعي، حيث يُنظر إلى قيم الجمهورية لا كضمانة للمساواة، بل كأدوات للإقصاء، مما يسهل عملية استقطاب الأجيال الجديدة نحو انتماءات أيديولوجية عابرة للحدود الوطنية.
الترسانة القانونية الجديدة: هل تكفي؟
يسعى مشروع القانون الجديد الذي طُرح أمام مجلس الشيوخ إلى الانتقال من مرحلة المعالجة الأمنية التقليدية إلى مرحلة "الوقاية البنيوية"، عبر سد الثغرات القانونية التي كشف عنها تطبيق قانون 2021 المعزز لمبادئ الجمهورية. وتأتي في مقدمة هذه الإجراءات "ثورة مالية" في التعامل مع الأنشطة الانفصالية، حيث يتم توسيع صلاحيات الإدارة لتشمل تجميد الأصول المالية والممتلكات المرتبطة بشبكات التغلغل، ومعاملتها بذات الصرامة القانونية المتبعة في قضايا مكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات. هذا التحول يهدف إلى تجفيف منابع التمويل التي تتغذى عليها التنظيمات "المبهمة"، والتي كانت تستغل مرونة القوانين السابقة للعمل تحت غطاء أنشطة مدنية مشروعة، مما يمنح الدولة القدرة على شل حركة هذه الهياكل بمجرد رصد استراتيجيات تهدف إلى تقويض أسس الدولة.
وفي سياق متصل، يركز التشريع الجديد على ضبط الفضاءين الرقمي والثقافي لضمان عدم تحولهما إلى منصات لبث الفكر الانفصالي، من خلال تشديد الرقابة على المنشورات والمحتوى الإلكتروني الذي يروج للكراهية، أو ينتقص من كرامة المرأة والمساواة بين الجنسين. وتتكامل هذه الرقابة مع منظومة "الشفافية المالية المطلقة"، التي تفرض على كافة الجمعيات والهياكل المدنية فتح سجلاتها المحاسبية ودفاترها المالية بشكل دوري أمام "المحافظين" (ممثلي الدولة). هذا الإجراء لا يهدف فقط إلى الرقابة الصرفة، بل يسعى إلى منع استراتيجيات "إعادة التدوير" التي تتبعها بعض الجماعات، حيث كانت تعمد إلى نقل أصولها ومواردها إلى تنظيمات "واجهة" جديدة بمجرد حل كياناتها الأصلية؛ وبذلك يصبح "عقد الالتزام الجمهوري" أداة تنفيذية تتيح للدولة استرداد الدعم المالي العام وفرض الوصاية القضائية لتصفية الأصول التي تُستخدم في التغلغل المعادي لقيم المجتمع.
المعضلة الفرنسية
تواجه الدولة الفرنسية في سعيها لمحاصرة استراتيجيات التغلغل "معضلة مزدوجة" تضعها أمام تحديات حقوقية واجتماعية بالغة التعقيد، حيث يبرز فخ الوصم الجماعي كأحد أخطر التداعيات المحتملة. فالملاحقة القانونية والأمنية لممارسات "التغلغل" تتسم بالضبابية، وقد تثير شعوراً بالاستهداف لدى عامة المواطنين المسلمين الذين يمارسون شعائرهم الدينية في إطار الحرية الشخصية. إن الخلط بين الممارسات العقائدية الفردية، مثل الصيام أو ارتداء الحجاب، وبين الأجندات السياسية المنظمة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً؛ فبدلاً من عزل العناصر المتطرفة، قد يتسبب هذا الضغط في دفع الشرائح المعتدلة نحو الانكفاء على الذات أو الارتماء في أحضان التيارات المتشددة، نتيجة الشعور بأن "العلمانية" تحولت من ضامن للحريات إلى أداة لإقصاء الهوية الدينية.
على الجانب الآخر، تبرز معضلة الحصانة القانونية في ظل تمسك القضاء الفرنسي الصارم بمبادئ الحريات العامة الأساسية. فالقانون الفرنسي والمحاكم الإدارية تتبنى معايير دقيقة لا تبيح تقييد حريات التعبير والاجتماع إلا في حالات إثبات وجود "تهديد مادي مباشر" للنظام العام، وهو ما يصعب تطبيقه على "التسلل الناعم" أو الفكر الأيديولوجي الذي لا يحرض على العنف بشكل صريح. هذا التباين بين الرغبة السياسية في اجتثاث النفوذ الأيديولوجي وبين الالتزام الدستوري بحماية الحقوق الفردية، يجعل من مواجهة التنظيمات التي تتقن "اللعب داخل القواعد" معركة قانونية شاقة وطويلة الأمد؛ حيث تظل الدولة مطالبة بإيجاد توازن دقيق لا يضحي بسيادة القانون في سبيل حماية الجمهورية من التغلغل.
في نهاية المطاف، يتضح أن فرنسا لا تخوض اليوم معركة ضد منظمة إرهابية بالمعنى التقليدي، بل تواجه "منهجية عمل" تعتمد على النفس الطويل والتغلغل المؤسساتي والاجتماعي. إن نجاح مشروع القانون الجديد لا يتوقف على كفاءة الأجهزة الأمنية أو صرامة الرقابة المالية فحسب، بل يرتكز في جوهره على قدرة الدولة الفرنسية على تقديم "نموذج بديل" وجاذب للمواطنين المسلمين، يرسخ لديهم القناعة بأن الانتماء للجمهورية لا يتعارض مع ممارسة شعائرهم الدينية. فالمواجهة الحقيقية ليست مع الإسلام كدين، بل مع محاولات "تسييس" الدين لضرب العقد الاجتماعي، وهو ما يتطلب توازناً دقيقاً يسحب البساط من تحت أقدام الجماعات التي تقتات على الشعور بالتهميش، ويضمن بقاء الفضاء العام محايداً وحاضناً للجميع تحت سيادة قانون واحد.
