إعادة انتخاب بن منصور.. "برجماتية البقاء" وإعادة تموضع الإخوان في الفضاء الأوروبي

الأربعاء 06/مايو/2026 - 11:42 ص
طباعة إعادة انتخاب بن منصور.. حسام الحداد
 
جاء إعلان "مجلس مسلمي أوروبا" (EMC) في مطلع مايو 2026 عن إعادة انتخاب عبد الله بن منصور رئيساً للمجلس لولاية جديدة تمتد حتى عام 2030، ليقطع الشك باليقين حول استراتيجية "الحرس القديم" في إدارة المرحلة المقبلة. فمن قلب مدينة إسطنبول، حيث انعقد المؤتمر العام في الفترة من 1 إلى 3 مايو، حظي بن منصور بالأغلبية المطلقة، في خطوة تتجاوز البُعد الإداري الروتيني لتكشف عن "عقيدة بقاء" راسخة يتبناها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في القارة الأوروبية. هذا التجديد، الذي شمل أيضاً إعادة هيكلة "مجلس الشورى الأوروبي"، يمثل محاولة استراتيجية لتحصين المكتسبات التنظيمية في 28 دولة أوروبية، وتحويل "المجلس" إلى خندق دفاعي أخير في مواجهة بيئة سياسية وقانونية قارية باتت تضيق ذرعاً بالإسلام الحركي.
إن اختيار إسطنبول مكاناً للانعقاد وتجديد الثقة ببن منصور تحديداً، يبعث برسائل مزدوجة؛ فهي من جهة تؤكد على مركزية الثقل الفرنسي في قيادة المسلمين في أوروبا، ومن جهة أخرى تعكس حالة من "الجمود التكتيكي" الواعي الذي يفضل الركون إلى الخبرة التاريخية والحذاقة السياسية في مواجهة عواصف "قوانين الانفصالية". وبدلاً من المغامرة بوجوه شابة قد تنجرف نحو اندماج حقيقي يفكك الروابط الأيديولوجية مع المركز، يراهن التنظيم على قدرة بن منصور في التلاعب بالمساحات الرمادية للتشريعات الأوروبية، مدثراً أهداف الدورة الجديدة بشعارات "المواطنة والاندماج" لتكون درعاً مؤسسياً يحمي النواة الصلبة للتنظيم من ملاحقات أجهزة الأمن القومي في العواصم الأوروبية الكبرى.

دلالات التوقيت والسياق (الجمود التكتيكي)
تأتي إعادة انتخاب عبد الله بن منصور كاستجابة مباشرة لأزمة "التصحّر القيادي" التي تضرب مفاصل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين عالمياً؛ فبعد تهاوي مراكز الثقل التقليدية في الشرق الأوسط، باتت الساحة الأوروبية هي "الخزان الفكري والمالي" الأخير. وفي ظل غياب كفاءات شابة قادرة على الجمع بين "الولاء التنظيمي المطلق" وبين "الحذاقة السياسية" المطلوبة للتعامل مع الغرب، يبرز بن منصور كـ "صمام أمان". إن التمسك به يعكس حالة من الجمود التكتيكي، حيث يخشى التنظيم أن يؤدي فتح باب التغيير في هذه المرحلة الحرجة إلى صراعات أجنحة داخلية أو صعود تيارات "إصلاحية" قد تفكك الارتباط العضوي مع المركز، مما جعل من بن منصور "خياراً قدرياً" لضمان استمرارية الهوية الأيديولوجية للمجلس تحت غطاء المؤسسية.
يمثل "مجلس مسلمي أوروبا" شبكة عنكبوتية معقدة تمتد عبر 28 دولة أوروبية، وهي شبكة تعاني أصلاً من تباين المصالح بين فروعها المحلية نتيجة اختلاف الضغوط السياسية من بلد لآخر. هنا تبرز أهمية بن منصور كـ "مهندس توافقات"؛ فخبرته الطويلة تسمح له بإدارة التوازنات الدقيقة بين "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (Musulmans de France) الذي يواجه ضغوطاً علمانية شرسة، وبين "الجمعية الإسلامية في ألمانيا" (IGD) التي تخضع لرقابة استخباراتية مكثفة. إن أي تغيير جذري في رأس الهرم القيادي كان سيخاطر بفرط عقد هذه المظلة وتحولها إلى جزر معزولة تبحث عن خلاصها الفردي بعيداً عن أجندة التنظيم الدولي، وهو ما يفسر الإصرار على بقاء شخصية تمثل "الإجماع التقليدي".
تتجلى عبقرية بن منصور، من منظور تنظيمي، في قدرته الفائقة على ممارسة "الالتفاف القانوني" واللعب في المساحات الرمادية للتشريعات الأوروبية. إعادة انتخابه هي ضوء أخضر للاستمرار في سياسة "تغيير الجلود" التي أتقنها التنظيم؛ وهي عملية إعادة تسمية وهيكلة المؤسسات (مثل تحويل "الاتحاد" إلى "مجلس") لفك الارتباط "الاسمي" بجماعة الإخوان، وبالتالي تضليل تقارير الرقابة التي تستهدف "الانفصالية الإسلامية". يراهن التنظيم على خبرة بن منصور في تطويع الخطاب الحقوقي الأوروبي واستخدامه كدرع قانوني يحمي البنية التحتية للجماعة من المصادرة أو الحظر، محولاً الصراع من "مواجهة فكرية" إلى "معركة إجراءات قانونية" ترهق الأجهزة الأمنية والقضائية في القارة العجوز.

استراتيجية "التغلغل الناعم" (المؤسسية كدرع)
ينطلق نهج عبد الله بن منصور من قناعة أيديولوجية ترى في الصدام المباشر مع الدول الأوروبية "انتحاراً تنظيمياً"، خاصة في ظل موازين القوى الراهنة. لذا، يتبنى المجلس استراتيجية "المؤسسية الدفاعية"، حيث يتم تحويل الجمعيات والمراكز إلى كيانات قانونية معقدة يصعب اختراقها أو حظرها بجرة قلم. الهدف هنا هو بناء "دولة داخل المجتمع" عبر شبكة من المدارس، والمراكز البحثية، والمنظمات الإغاثية التي تعمل وفق القوانين المحلية، مما يمنح التنظيم درعاً من الشرعية المدنية يحميه من الملاحقة الأمنية، ويجعل من وجوده أمراً واقعاً يصعب تجاوزه في المعادلة الاجتماعية الأوروبية.
يسعى المجلس تحت قيادة بن منصور إلى احتكار تمثيل الجاليات المسلمة من خلال سياسة "الفراغ الاستراتيجي". فمن خلال التواجد المكثف في الأروقة السياسية ببروكسل والعواصم الكبرى، يطرح المجلس نفسه كـ "الشريك الوحيد" القادر على ضبط الشارع المسلم ومنع التطرف العنيف، وهي "ورقة مقايضة" ذكية تمنحه حصانة سياسية غير معلنة. هذا التموضع يحول المجلس من مجرد منظمة دينية إلى "لاعب جيوسياسي" داخل القارة، حيث تضطر الحكومات للتعامل معه كضرورة أمنية واجتماعية، مما يفتح له أبواب التمويل والاعتراف الرسمي، ويزيح أي منافسين محتملين من التيارات الإسلامية الأخرى أو المستقلة.
تعد قدرة بن منصور على إدارة "الخطاب المزدوج" (Double Discourse) حجر الزاوية في نجاحه القاري؛ ففي العلن، يتبنى المجلس لغة حقوقية ليبرالية بامتياز، تتحدث عن "المواطنة الأوروبية"، "الجيندر"، و"الحريات الدينية"، وهي لغة مصممة بدقة لتناسب أدبيات الاتحاد الأوروبي وتستقطب المنظمات الحقوقية الغربية كحلفاء. لكن في المقابل، تظل المحاضن التربوية والمخيمات المغلقة التابعة للمجلس وفية للأدبيات التأسيسية لـ "سيد قطب وحسن البنا"، حيث يتم التركيز على "العزلة الشعورية" والحفاظ على الهوية التنظيمية العابرة للحدود. هذا الفصل الواعي بين "اللغة الدبلوماسية" للخارج و"التعبئة الأيديولوجية" للداخل يضمن استمرار ولاء القاعدة الصلبة دون خسارة غطاء القبول السياسي في الغرب.

التحديات الوجودية أمام "توازن بن منصور"
انتهى زمن "غض الطرف" الذي استفاد منه التنظيم لعقود؛ فقد انتقلت أجهزة الأمن الداخلي، لا سيما في ألمانيا (هيئة حماية الدستور) والنمسا وفرنسا، من مرحلة الرصد العام إلى مرحلة "التفكيك الهيكلي". التقارير الاستخباراتية الحديثة باتت تمتلك خرائط دقيقة تثبت الروابط العضوية والمالية بين المجلس والتنظيم الدولي، متجاوزةً التمويه الذي كانت توفره تغييرات المسميات. هذا التشديد الأمني يعني ضيق "هامش المناورة" أمام بن منصور، حيث أصبحت تحركاته واتصالاته تحت مجهر "قوانين مكافحة التطرف والتدخل الخارجي"، مما يحوّل القيادة من "فعل استراتيجي" إلى "دفاع قانوني" مستمر لاستباق قرارات الحظر أو التجميد.
يواجه بن منصور أزمة عميقة في "شرعية التمثيل" داخل القواعد الشبابية؛ فثمة فجوة سحيقة تتسع يوماً بعد يوم بين "الجيل المؤسس" الذي يحمل عقلية الصراع السياسي العابر للحدود، وبين "الجيل الثالث" من مسلمي أوروبا. هؤلاء الشباب، الذين ولدوا ونشأوا في بيئات ديمقراطية، يبحثون عن "تدين محلي" (Local Islam) متصالح مع قيم الدولة الحديثة وبعيد عن ثقافة "السمع والطاعة" أو الأجندات التي تدار من خارج القارة. هذا التمرد الصامت يجعل من محاولات بن منصور لإعادة تدوير الأيديولوجيا الإخوانية القديمة بأسلوب معاصر "بضاعة كاسدة" لا تجد صدى لدى جيل يرى في الانتماء لبروكسل أو باريس أولوية تسبق أي انتماء لتنظيم أممي.
يمثل "تجفيف المنابع" الضربة الأكثر إيلاماً لنموذج بن منصور الإداري؛ فالإمبراطورية الإخوانية في أوروبا قامت تاريخياً على تدفقات مالية من الخارج واستثمارات معقدة تحت غطاء العمل الخيري. اليوم، تفرض البنوك الأوروبية والمفوضية الأوروبية رقابة صارمة على الحسابات البنكية للمنظمات المرتبطة بالمجلس، مع تفعيل بروتوكولات "شفافية التمويل" التي تجبر الجمعيات على كشف مصادرها بدقة. هذا الحصار المالي لا يهدد فقط الأنشطة التوسعية للمجلس، بل يجعله عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته تجاه شبكة الموظفين والمراكز التابعة له، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى "انهيار الهيكل من الداخل" نتيجة العجز المالي، وتحول الإدارة من "إدارة نفوذ" إلى "إدارة إفلاس".
في المحصلة، يظل عبد الله بن منصور اليوم هو "رجل التوازنات المستحيلة" في زمن الانحسار؛ فهو يقود مؤسسة تحاول البقاء فوق الماء في محيط أوروبي بدأ يلفظ الأجندات العابرة للحدود. ورغم أن إعادة انتخابه قد تمنح التنظيم "استقراراً مؤقتاً" وهدوءاً في غرفة العمليات، إلا أنها لا تقدم إجابات حقيقية على التحديات الوجودية التي تفرضها قوانين الشفافية المالية وصحوة الأجهزة الأمنية، فضلاً عن تمرد الأجيال المسلمة الجديدة على الوصاية الأيديولوجية. إن رهان التنظيم على "فن الممكن" و"تغيير الجلود" قد يطيل أمد البقاء الهيكلي، لكنه لن يمنع الحقيقة القادمة: وهي أن عصر "المظلات الكبرى" للإخوان في أوروبا بدأ يخلي مكانه لواقع جديد تتسيد فيه سيادة الدولة الوطنية، ويتحول فيه "مجلس مسلمي أوروبا" من لاعب جيوسياسي إلى كيان يصارع لتجنب "الإفلاس التنظيمي" والاندثار تحت وطأة العزلة القانونية والاجتماعية.

شارك