عودة القرصنة الصومالية تهدد التجارة العالمية وسط اضطرابات البحر الأحمر

الجمعة 15/مايو/2026 - 11:06 ص
طباعة عودة القرصنة الصومالية فاطمة عبدالغني
 
تشهد منطقة البحر الأحمر وخليج عدن خلال عام 2026 تصعيدًا أمنيًا متزايدًا مع عودة القرصنة الصومالية إلى الواجهة بعد سنوات من التراجع، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن سلامة الملاحة الدولية وأمن سلاسل الإمداد العالمية.
 وتأتي هذه التطورات في ظل تزامن عدة أزمات إقليمية، أبرزها التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب التدهور الاقتصادي والأمني في القرن الأفريقي.

وفي هذا السياق، نشرت مجلة ناشونال إنترست الأمريكية تقريرًا مطولًا للباحث الأمريكي مايكل دي أنجيلو تناول فيه مخاطر عودة القرصنة قبالة السواحل الصومالية، محذرًا من تداعياتها على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي، خاصة مع احتمالات استفادة الجماعات المتطرفة من هذه الفوضى البحرية.

اختطاف ناقلة نفط يعكس عودة النشاط القرصني

في مؤشر واضح على تصاعد التهديد، اختطف قراصنة صوماليون مسلحون ناقلة النفط "إم/تي يوريكا" فجر 2 مايو الجاري أثناء انتظارها قبالة سواحل محافظة شبوة اليمنية، وكانت السفينة تحمل نحو 2800 طن من وقود الديزل قبل أن يتم اقتيادها بالقوة إلى المياه الإقليمية الصومالية قرب منطقة بونتلاند، حيث لا تزال محتجزة تحت حراسة مشددة.

ولم تكن هذه الحادثة معزولة، إذ شهدت الفترة بين 21 أبريل و2 مايو اختطاف أربع سفن قبالة سواحل بونتلاند شمال الصومال، بينها ناقلات نفط وسفينة شحن تحمل الإسمنت، في أعلى وتيرة نشاط للقراصنة منذ عام 2012.

هذا التصاعد يعكس عودة شبكات القرصنة الصومالية إلى العمل مستفيدة من الانشغال الدولي بأزمات أخرى، خصوصًا الصراع في البحر الأحمر والتوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.

تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد

بحسب تقرير ناشونال إنترست، فإن عودة القرصنة الصومالية تمثل تهديدًا مباشرًا لممرات التجارة العالمية، خاصة أن البحر الأحمر يعد أحد أهم الشرايين البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الحاويات العالمية.

وخلال ذروة القرصنة الصومالية في عام 2011، بلغت خسائر الاقتصاد العالمي نحو 7 مليارات دولار نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين، وتحويل السفن إلى طرق بديلة أطول مثل رأس الرجاء الصالح، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.

وتزداد المخاوف حاليًا مع توقعات بارتفاع أسعار الوقود والأسمدة عالميًا خلال 2026، نتيجة تباطؤ الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر معًا، ما يضاعف الضغط على الأسواق العالمية.

مخاوف من استفادة حركة الشباب والحوثيين

أحد أخطر أبعاد عودة القرصنة يتمثل في احتمالات استفادة الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها حركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة.

ويشير التقرير إلى أن الحركة سبق أن استفادت ماليًا من شبكات القرصنة خلال ذروة نشاطها السابقة، عبر تزويد القراصنة بالسلاح والسماح لهم باستخدام مناطق نفوذها مقابل حصة من العائدات.

ويحذر مراقبون من أن تجدد هذه العلاقة قد يعزز القدرات المالية والعسكرية لحركة الشباب، بما يرفع من مستوى التهديد الأمني في شرق أفريقيا ويمنحها قدرة أكبر على تنفيذ هجمات إقليمية ودولية.

كما يثير التقرير مخاوف إضافية بشأن احتمالات تعميق التعاون بين حركة الشباب والحوثيين في اليمن، خاصة في ظل تقارير أممية تحدثت سابقًا عن عروض متبادلة تشمل زيادة نشاط القرصنة مقابل الحصول على أسلحة وتدريب.

انشغال دولي يفتح المجال أمام القراصنة

يرى التقرير أن أحد أسباب عودة القرصنة هو تراجع التركيز الدولي على هذا الملف مقارنة بما كان عليه الوضع خلال العقد الماضي.

ففي الفترة بين 2009 و2016، ساهمت عمليات بحرية متعددة الأطراف بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في تقليص القرصنة بشكل كبير، حتى تراجعت عمليات الاختطاف إلى مستويات شبه معدومة بين 2014 و2022.

لكن منذ 2023، بدأ القراصنة في إعادة تنظيم صفوفهم مستفيدين من تحول الاهتمام الدولي إلى ملفات أخرى مثل مكافحة الحوثيين وتنظيم داعش والتوترات الإيرانية.

ويؤكد التقرير أن استمرار هذا الانشغال يمنح القراصنة فرصة لتوسيع عملياتهم واستهداف مزيد من السفن التجارية.

كيف يمكن احتواء الأزمة؟

بحسب التقرير، فإن مواجهة عودة القرصنة تتطلب تحركًا سريعًا عبر مسارين متوازيين.

الأول يتمثل في دعم القوات البحرية المحلية في الصومال، خصوصًا قوات شرطة بونتلاند البحرية التي تمثل خط الدفاع الأول ضد القراصنة.

أما المسار الثاني، فيشمل تعزيز الدوريات البحرية الدولية في خليج عدن والمحيط الهندي، عبر تشجيع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الدوليين على استئناف مهام مكافحة القرصنة.

ويشير التقرير إلى أن دولًا مثل مصر وتركيا تملك مصالح مباشرة في تأمين هذا الممر البحري، سواء عبر عائدات قناة السويس أو الاستثمارات في التنقيب عن النفط قبالة السواحل الصومالية.

ويرى المراقبون أن عودة القرصنة الصومالية ليست مجرد أزمة أمنية محلية، بل مؤشر على هشاشة البيئة الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فالتزامن بين اضطرابات مضيق هرمز، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وتجدد نشاط القراصنة الصوماليين، يضع التجارة العالمية أمام تحدٍ مركب قد يرفع تكاليف النقل والطاقة ويعمق الضغوط الاقتصادية الدولية.

كما يحذر المراقبون من أن تجاهل هذه المؤشرات قد يسمح بتحول السواحل الصومالية مجددًا إلى مركز تهديد بحري دولي، مع ما يحمله ذلك من فرص لتعزيز نفوذ الجماعات المتطرفة وربط مسارات التهديد بين القرن الأفريقي واليمن. 
لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دولي منسق قبل أن تتحول الأزمة الحالية إلى نسخة أكثر تعقيدًا من موجة القرصنة التي شهدها العالم قبل أكثر من عقد.

شارك