محاولة تفجير كاتدرائية حلب ومؤشرات التهديد الوجودي للمسيحيين في سوريا
الإثنين 18/مايو/2026 - 10:32 ص
طباعة
روبيرالفارس
المدقق في (بيان مطرانية السريان الأرثوذكس)
والذي أكد أن كاتدرائية مار أفرام للسريان الأرثوذكس في حي السليمانية بحلب شهدت حدثاً أمنياً خطيراً تمثل في العثور على جسم متفجر (عبوة ناسفة)
حيث سقط الجسم الغريب (الملفوف بكيس أسود ومحكم الإغلاق) من سيارة مخصصة لدفن الموتى أثناء دخولها حرم الكاتدرائية لنقل جثمان أحد أبناء الرعية.
و تنبه حارس المطرانية للجسم، وبعد نفي السائق صلة المكتب به، تم استدعاء شرطة المرور ثم الجهات الأمنية ووحدة (المتفجرات) التي طوقت المنطقة وتعاملت مع العبوة وحيدتها بحرفية.
وقد أظهرت التحقيقات الأولية:وتفريغ كاميرات المراقبة أن الجسم سقط بالفعل من السيارة، والتي تبين أنها كانت مركونة ليلًا في شارع قريب، مما يشير إلى احتمالية زرعها أو تفخيخ السيارة في مكان آخر واستهداف الكاتدرائية كوجهة نهائية للسيارة.
تحمل هذه الحادثة دلالات مقلقة بالنظر إلى توقيتها ومكانها:
اولا لمكان (حلب وحي السليمانية) حيث تُعد حلب أحد المعاقل التاريخية للمسيحية في الشرق، وحي السليمانية تحديداً يمثل ثقلاً سكانياً وثقافياً مسيحياً بارزاً. واستهداف كاتدرائية رئيسية كمار أفرام هو محاولة لضرب رمزية دينية واجتماعية كبرى.
ثانيا الوسيلة (سيارة دفن الموتى) و استخدام سيارة جنائزية يحمل بعداً سيكولوجياً مرعباً، حيث يتم تحويل طقس الموت والتشييع (وهو لحظة إنسانية ودينية مقدسة) إلى أداة للقتل الجماعي، مما يعكس غياب الروادع الأخلاقية لدى الجهات المنفذة.
ثالثا التوقيت: يأتي الحدث في عام 2026، وهو الوقت الذي تحاول فيه المجتمعات المحلية في سوريا التقاط أنفاسها بعد سنوات الحرب الطويلة، مما يثبت أن الخلايا التخريبية لا تزال نشطة وقادرة على اختراق الاستقرار النسبي.مما يؤكد أن
الحديث عن "تهديد الوجود المسيحي" في سوريا ليس مبالغة، بل هو واقع تدعمه الأرقام والوقائع المستمرة منذ عام 2011، وتأتي حادثة حلب الأخيرة لتزيد من عمق هذه المخاوف والتي يثبتها
1. النزيف الديموغرافي الحاد
تسببت الحرب في هجرة هائلة للمسيحيين من مختلف المحافظات السورية (خاصة حلب، حمص، والجزيرة السورية). تشير التقديرات إلى أن نسبة المسيحيين في سوريا انخفضت من حوالي 10% قبل عام 2011 إلى أقل من 2% إلى 3%حالياً. حوادث الخوف الأمني مثل حادثة مار أفرام تعيد تنشيط رغبة الهجرة لدى العائلات المتبقية التي تبحث عن الأمان لأبنائها.
2. الاستهداف الممنهج للرموز والدور الدينية
على مدى سنوات الصراع، تعرضت مئات الكنائس والأديرة للتدمير أو النهب (مثل كنيسة أم الزنار في حمص، وأديرة معلولا وصيدنايا، وكنائس حلب القديمة). على الرغم من ترميم بعضها، إلا أن بقاء الكنائس كأهداف "محتملة" للعبوات والمفخخات يجعل من ارتياد دور العبادة مغامرة أمنية.
3. غياب الأفق الاقتصادي والاجتماعي
إلى جانب الخطر الأمني المباشر (كالعبوات المتفجرة)، يعاني مسيحيو سوريا كباقي المواطنين من وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة والعقوبات، لكن أثرها على الأقليات يكون مضاعفاً بسبب صغر حجم المجتمع المحلي وقدرته المحدودة على تحمل الهزات المعيشية الطويلة، مما يدفع طاقاتهم الشابة نحو المغادرة بلا عودة.
4. فقدان النخب القيادية
تاريخياً، ارتبط الوجود المسيحي في سوريا بدور ريادي في الثقافة، الاقتصاد، والتعليم. تفريغ البلاد من هذه المكونات يهدد بخسارة التنوع الفسيفسائي الذي تميزت به سوريا طوال قرون، ويحول المجتمع المسيحي من مكون أصيل فاعل إلى "أقلية محاطة بالقلق".
إن نجاة كاتدرائية مار أفرام في حلب من كارثة محققة بفضل "العناية الإلهية" واليقظة الأمنية لا يلغي حقيقة أن الخطر لا يزال قائماً
بل إن الحادثة تثبت أن المكون المسيحي في سوريا لا يزال في عين العاصفة المستترة، وأن هناك أطرافاً (خلايا تنظيمات متطرفة أو جهات تسعى لخلخلة الاستقرار) تفضل دائماً اللعب على ورقة "الترهيب الطائفي والديني".
كما أن بقاء المسيحيين في سوريا لم يعد مرتبطاً فقط بالرغبة في البقاء أو الارتباط بالأرض، بل بات مرهوناً بمدى قدرة الدولة والمجتمع الدولي على توفير بيئة أمنية مستدامة، وحماية دور العبادة، وإيجاد حلول سياسية واقتصادية تضمن للمواطن السوري (والمسيحي بشكل خاص) العيش بكرامة وأمان دون الخوف من عبوة ناسفة تستهدفه وهو يودع موتاه.
