من الإبادة الي الاستعادة كنيسة السريان جنوب تركيا تستعيد نبضها بعد أربعة عقود
الإثنين 18/مايو/2026 - 11:30 ص
طباعة
روبيرالفارس
بعد صمتٍ امتد لأكثر من أربعين عامًا، عادت أجراس كنيسة مريم العذراء السريانية الكاثوليكية في قرية بوتي (بردقجي) التابعة لمدينة ميديات لتُقرع من جديد، معلنةً عودة الحياة إلى أحد معالم الذاكرة السريانية في إقليم طور عبدين الواقع في ولاية ماردين جنوب شرق تركيا.
تأسست الكنيسة عام 1889 بدعمٍ من السريان الكاثوليك في البصرة، لتصبح مركزًا روحيًا لأبناء القرية ومحيطها. وتمثل الكنيسة جزءًا من التراث المعماري المميز في طور عبدين، حيث تنتشر الأديرة والكنائس الحجرية ذات الطراز السرياني العريق، التي تعكس حضورًا مسيحيًا ضاربًا في عمق التاريخ.
من الإبادة إلى الاستعادة
لم يكن تاريخ الكنيسة سهلًا. ففي أعقاب أحداث عام 1915، المعروفة في الذاكرة السريانية بـالإبادة الآشورية، أُجبر السريان على مغادرة القرية، وأغلقت الكنيسة وأصبحت تستخدم لأغراض أخري حتى عام 1921. وبعد عودة بعض الناجين، استعادوا الكنيسة وأعادوا فتحها للعبادة.
غير أن ثمانينيات القرن الماضي شهدت موجة تهجير جديدة لسريان المنطقة، ما أدى إلى خلو القرية تقريبًا من سكانها الأصليين، لتغلق الكنيسة مرة أخرى
مسار قانوني وترميم شامل
على مدى سنوات، واصل أبناء قرية بوتي – لا سيما المقيمون في المهجر، خصوصًا في السويد – جهودهم القانونية والإدارية لاستعادة الكنيسة. وبعد استكمال الإجراءات اللازمة، بدأت أعمال الترميم التي شملت إعادة تأهيل المبنى التاريخي وبناء برج جديد للأجراس، مع الحفاظ على الطابع المعماري السرياني التقليدي.
ومع انتهاء الأعمال، أُعيد افتتاح الكنيسة رسميًا للعبادة، في خطوة اعتبرها أبناء القرية انتصارًا للهوية والذاكرة، ورسالة بأن التراث السرياني في طور عبدين ما زال حيًا رغم كل ما مرّ به من تحديات.
طور عبدين
يقع إقليم طور عبدين في جنوب شرق تركيا، ضمن حدود ولاية ماردين، ويُعد أحد أهم المراكز التاريخية للسريان الأرثوذكس والكاثوليك. ويضم الإقليم عددًا من أقدم الأديرة والكنائس في العالم، ما يجعله رمزًا للوجود السرياني المتواصل عبر قرون.
وعودة الأجراس إلى قرية بوتي لم تكن مجرد حدث ديني، بل لحظة رمزية تختصر تاريخًا من الألم والاقتلاع، يقابله إصرار على البقاء والارتباط بالأرض. ويؤكد أبناء القرية العائدون من المهجر أن الحفاظ على الكنائس والتراث السرياني ليس فقط حفاظًا على مبانٍ حجرية، بل صونٌ لذاكرة جماعية وهوية ثقافية متجذرة.
وبين حجارة الكنيسة العتيقة وبرجها الجديد، يتردد اليوم صدى الأجراس فوق تلال طور عبدين، شاهدًا على أن ما انقطع لعقود يمكن أن يعود، حين تتوافر الإرادة والإيمان بالجذور.
