فخ هرمز يهدد ترامب.. لماذا يستعجل البيت الأبيض "صفقة سريعة" مع إيران؟
الأربعاء 20/مايو/2026 - 10:47 ص
طباعة
حسام الحداد
بين وعيد الضربات العسكرية العنيفة والدعوة الملحّة لـ "اتفاق وشيك وسريع"، بدت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة من البيت الأبيض حمالة أوجه ومحملة بـتكتيكات سياسة حافة الهاوية، لكنها في جوهرها لا تعكس فائض قوة بقدر ما تكشف عن مأزق داخلي مركّب تضيق جدرانه سياسياً واقتصادياً يوماً بعد يوم. النبرة الحادة والتهديدات الهجومية الموقوتة بنهاية الأسبوع، والتي يحاول ترامب عبرها الحفاظ على صورته التقليدية كـ "صانع صفقات قوي وشرس" (Dealmaker-in-Chief)، ليست سوى غطاء سياسي متقن يخفي خلفه قلقاً باللائاً من الارتدادات الاقتصادية العنيفة للحرب مع إيران؛ فالبيت الأبيض يدرك تماماً أن كلفة المعركة لم تعد تُدفع في مياه الخليج أو منشآت طهران، بل استقرت مباشرة في حسابات المستهلك الأمريكي الذي بدأ يفقد صبره.
هذا المأزق الذي يواجهه ترامب لم يعد مجرد تحليلات لخبراء الشؤون الدولية، بل وثقته بدقة لغة الأرقام الصارمة في أحدث استطلاعات الرأي العام داخل الولايات المتحدة، والتي أظهرت تحول "الملف الإيراني" من قضية سياسة خارجية بعيدة إلى أزمة معيشية يومية عاصفة تضرب شعبية الإدارة في مقتل. ومع القفزات غير المسبوقة في أسعار الوقود والسلع الأساسية جراء الخنق الملاحي المستمر في مضيق هرمز، بدأت القواعد الانتخابية الصلبة للرئيس —بمن فيهم المستقلون والمزارعون— في إرسال "إنذارات حمراء" عبر صناديق الاستطلاع؛ مما وضع البيت الأبيض أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانزلاق نحو ركود تضخمي يطيح بالاستقرار المحلي، أو الاستعجال غير المشروط في هندسة "مخرج دبلوماسي خاطف" يعيد فتح شريان الطاقة العالمي، وينقذ شعبية الرئيس المتهاوية قبل فوات الأوان.
فاتورة الحرب الجيوسياسية.. التضخم يضرب "خزان الوقود" الأمريكي
لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد ملف سياسة خارجية معقد يتابعه المواطن الأمريكي عبر شاشات التلفاز، بل تحولت إلى أزمة معيشية يومية تمس جيبه مباشرة. فمنذ أن نجحت طهران في إغلاق "مضيق هرمز" —الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية— نُقلت المعركة الإقليمية جغرافياً واقتصادياً لتستهدف الجبهة الداخلية للرئيس دونالد ترامب. هذا الانسداد الملاحي تسبب في صدمة فورية لأسواق النفط، مما أدى إلى ارتدادات تضخمية سريعة دفعت المستهلك الأمريكي إلى تحمل الكلفة الأكبر لقرارات التصعيد العسكري في المنطقة.
وفقاً لبيانات تفصيلية صادرة هذا الأسبوع عن معهد الأبحاث بجامعة "براون" العريقة، تكبّد المستهلكون الأمريكيون فاتورة باهظة وغير متوقعة في محطات الوقود تخطت حاجز 41.9 مليار دولار كأعباء إضافية منذ اندلاع العمليات العسكرية في أواخر فبراير الماضي. وأوضح التقرير التحليلي للمعهد أن هذه الخسائر الضخمة توزعت بين 23.2 مليار دولار دفعها أصحاب السيارات كفوارق سعرية لـ "البنزين"، في حين تحملت قطاعات النقل والشحن التجاري 18.6 مليار دولار إضافية لتغطية الارتفاع الحاد في أسعار "الديزل"، مما يعكس عمق الأثر الإقليمي للأزمة على مفاصل الاقتصاد الأمريكي.
هذا الارتفاع المفاجئ في كلفة تكرير واستيراد الخام دفع بمتوسط سعر غالون البنزين محلياً للقفز إلى مستويات قياسية بلغت 4.53 دولار على مستوى الولايات المتحدة، بينما تفاقمت الأزمة بشكل أشد وطأة في ولايات الساحل الغربي مثل كاليفورنيا التي كسرت فيها الأسعار عتبة 5.99 دولار للغالون الواحد. هذا الاختلال السعري بات يعمل بمثابة "ضريبة غير معلنة" أو اقتطاع إجباري من الدخل، حيث تسببت هذه القفزة في سحب ما متوسطه 320 دولاراً مباشرة من ميزانية كل أسرة أمريكية، وهي أموال كانت مخصصة للإنفاق على السلع الغذائية والخدمات الأساسية.
وفي تعليق يوضح الأبعاد الهيكلية لهذه الأزمة على المدى الطويل، أكد البروفيسور جيف كولغان، مدير مختبر حلول المناخ بجامعة براون، أن الصدمات الحالية لأسعار الطاقة تتجاوز في خطورتها مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار؛ إذ أشار إلى أن هذه الارتفاعات المتتالية تعمل كـ "ضريبة خفية" تعيد تشكيل حركة الاقتصاد بأكمله وتكبح معدلات الإنفاق الاستهلاكي. وأضاف كولغان أن الفاتورة الإجمالية التي يتكبدها المواطنون الآن بسبب اضطراب إمدادات الخليج باتت تتجاوز في قيمتها الميزانيات المخصصة لبرامج ومشاريع فيدرالية ضخمة، مما يضع إدارة ترامب أمام ضغط اقتصادي وتشريعي غير مسبوق لإنهاء الأزمة سريعاً.
استطلاع YouGov: شعبية ترامب تهبط إلى "منطقة الخطر"
لم يتأخر الارتداد العكسي للأزمة الاقتصادية والقفزات المتتالية في أسعار الطاقة في ضرب أروقة البيت الأبيض سياسياً؛ إذ ترجم الشارع الأمريكي استياءه المعيشي بشكل فوري ودون مواربة في صناديق الرأي. ووفقاً لأحدث استطلاع للرأي العام أجرته مؤسسة The Economist / YouGov في الفترة الممتدة من 15 إلى 18 مايو 2026، كشفت المؤشرات الإحصائية عن تراجع حاد وخسارة قياسية في شعبية الرئيس دونالد ترامب، مهددة رصيده السياسي في توقيت حرج للغاية، وموجهة حزمة من "الإنذارات الحمراء" التي تعكس قلق الإدارة من خسارة الكتلة التصويتية الحيوية.
أظهرت بيانات الاستطلاع المنشورة عبر المنصة الرسمية لمؤسسة YouGov أن الأغلبية الساحقة من الناخبين ترفض المقاربة العسكرية الحالية في الشرق الأوسط، حيث عبر 59%
من الأمريكيين عن عدم رضاهم المطلق عن طريقة إدارة ترامب للأزمة المتصاعدة مع إيران، في مقابل تأييد ضئيل لم يتجاوز 31% وجاءت الصدمة الأكبر التي أربكت الحسابات الانتخابية للحزب الجمهوري من كتلة "المستقلين" —التي تعد القوة التصويتية الحاسمة والبيضة المرجحة في أي استحقاق سياسي— إذ أعلن 62% من الناخبين المستقلين رفضهم التام لسياسة حافة الهاوية والتهديد بالضربات الجوية التي يتبعها الرئيس.
وفي قراءة أعمق للمؤشرات الكلية للأداء الإداري، وثق استطلاع The Economist / YouGov تراجع صافي الرضا العام عن الأداء الوظيفي الإجمالي لترامب (Net Approval) ليصل إلى −22% للأسبوع الثالث على التوالي؛ حيث انكمشت نسبة المؤيدين لأدائه إلى 36% فقط، في مقابل قفزة في نسبة الرافضين بلغت 58% ووفقاً للتحليل التاريخي لبيانات الاستطلاع، فإن هذه الأرقام تمثل هبوطاً قياسياً بالرئيس إلى مستويات متدنية غير مسبوقة لم يشهدها منذ فترته الرئاسية الأولى، وتضعه في خانة التقييمات السلبية المماثلة لأسوأ فترات سلفه جو بايدن إبان ذروة التضخم السابقة.
والأخطر من ذلك كله على مستقبل ترامب السياسي، هو ما كشفته الجداول التفصيلية للاستطلاع حول "تآكل الدعم الحزبي في المعاقل التقليدية"؛ إذ بدأت قواعده الصلبة والتاريخية في التملص من تأييده. وأشار التقرير التحليلي المرفق بالاستطلاع إلى أن الأسر الريفية وقطاع المزارعين —الذين مثلوا دائماً العمود الفقري لشعبية ترامب— يواجهون حالياً أزمة خانقة جراء القفزة الجنونية في أسعار الديزل والأسمدة النيتروجينية المرتبطة بانسداد خطوط الملاحة في الخليج، مما جعلهم ينضمون إلى جبهة المستائين من إطالة أمد المواجهة العسكرية في مضيق هرمز.
الهروب من فخ "الركود التضخمي"
تدرك الدائرة الضيقة من المستشارين الاقتصاديين والسياسيين في البيت الأبيض أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لأسابيع إضافية سيعجل بدخول الولايات المتحدة في أسوأ كوابيسها الاقتصادية: حالة من الركود التضخمي (Stagflation). هذا المزيج القاتل بين النمو المتباطئ والأسعار الآخذة في الارتفاع، والذي تزايدت مؤشراته مع تحذيرات الأمم المتحدة اليوم من هبوط النمو العالمي إلى 2.1% ، يهدد بالقضاء تماماً على أي منجزات اقتصادية محلية تفاخر بها الإدارة الحالية، ويضع الاستقرار المالي الداخلي على المحك.
ومن هذا المنطلق، ينبع الاستعجال غير المعتاد من جانب الرئيس دونالد ترامب لإبرام "صفقة سريعة" وإنهاء هذه المواجهة؛ إذ يحاول البيت الأبيض استخدام ما يمكن وصفه بـ "ستار الدخان" العسكري عبر تضخيم نتائج الهجمات الأخيرة. فمن خلال الادعاء بأن الضربات الجوية نجحت بالفعل في شل وتقويض القدرات الدفاعية والجوية لطهران، يسعى ترامب إلى صناعة نصر معنوي سريع يبرر به أمام قواعده الشعبية وصقور الحزب الجمهوري في واشنطن دوافع الانعطاف المفاجئ نحو مائدة المفاوضات والقبول بالتسوية السياسية.
الهدف الحقيقي والملحّ وراء رغبة ترامب في إبرام هذا "الاتفاق الخاطف" هو إعادة فتح مضيق هرمز فوراً وضخ النفط مجدداً في الشرايين الدولية لتأمين الأسواق؛ إذ يعلم خبراء الإدارة الأمريكية أن تهدئة المخاوف الجيوسياسية هي السبيل الوحيد لخفض أسعار الوقود التضخمية وإعادتها إلى مستوياتها السابقة قبل أواخر فبراير، وهو ما من شأنه أن يوقف النزيف المستمر في جيوب المستهلكين الأمريكيين ويعيد ضبط الأمور داخلياً قبل أن تخرج المؤشرات الاقتصادية تماماً عن السيطرة وتتحول إلى أزمة سياسية غير قابلة للحل.
بناءً على هذه الحسابات المعقدة، فإن التهديد الذي أطلقه ترامب باستئناف الضربات العنيفة مع نهاية الأسبوع إذا لم تتجاوب طهران، لا ينبغي قراءته كدليل على رغبة واشنطن في تصعيد القتال أو الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة. بل على العكس تماماً، يمثل هذا الوعيد العسكري أداة الضغط الدبلوماسية الأخيرة والأقوى التي يشهرها "صانع الصفقات" لإجبار الإيرانيين على الجلوس إلى الطاولة وقبول صيغة تسوية عاجلة بـ "شروط أمريكية"، تسوية تضمن تفكيك فخ هرمز الاقتصادي وإنقاذ شعبية ترامب المتهاوية في استطلاعات الرأي.
