كيف يعيد «داعش» والقاعدة رسم خارطة الإرهاب بين أفريقيا وأوروبا؟
الأربعاء 20/مايو/2026 - 12:57 م
طباعة
حسام الحداد
شهدت المنظومة الأمنية الدولية في الآونة الأخيرة سلسلة من الارتدادات الميدانية المقلقة التي وضعت أجهزة الاستخبارات ومراكز التحليل الإستراتيجي في حالة استنفار قصوى. ولعل القراءة التحليلية المعمقة التي سبكها معهد سوفان الإستراتيجي (The Soufan Center) تعكس بدقة طبيعة هذا التحول الديناميكي الخطير في البنية الهيكلية للتنظيمات الجهادية العابرة للحدود؛ إذ لم يعد الخطر الإرهابي محكومًا بحدود جغرافية صلبة أو معاقل كلاسيكية معزولة، بل تمدد لينسج خيوطًا غير مرئية تربط بشكل وثيق بين خلايا نائمة ومتطرفة في قلب العواصم الأوروبية، وملاذات آمنة تتسع رقعتها الجيوسياسية باطراد داخل القارة الأفريقية مستغلةً تصدع الدول الوطنية وهشاشة الأمن الإقليمي.
إن هذا التداخل العملياتي الجديد يفرض على المجتمع الدولي التخلي عن المقاربات الأمنية التقليدية التي تقارب الإرهاب كظواهر محلية منفصلة؛ فالترابط اللوجستي والأيديولوجي المعاصر بين خلايا "العابرين للقارات" في الغرب وساحات "التمكين" البديلة في أفريقيا بات يعمل كمنظومة أواني مستطرقة تتغذى على الأزمات السياسية والدبلوماسية. وسواء تجسد هذا الخطر في محاولات ضرب الرموز الثقافية والديموغرافية في عمق القارة العجوز، أو في استهداف شرايين الطاقة الحيوية في شرق أفريقيا، أو حتى في إدارة حروب منسية تحت ستار كثيف من التعتيم الإعلامي في منطقة الساحل، فإن النتيجة الحتمية تشير إلى ولادة خارطة إرهاب عالمية تتطلب إعادة تقييم شاملة لموازين النفوذ والردع.
الذئاب المنفردة وخلايا "العابرين للقارات"
في تفاصيل العملية الاستباقية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس، نجحت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في تفكيك شيفرة مخطط إرهابي بالغ الخطورة قبل مروره إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ولم يكن الهدف عشوائيًّا؛ بل تركزت خريطة الأهداف على معالم حيوية وتجمعات مدنية ذات ثقل رمزي وسياسي كبير، وعلى رأسها متحف اللوفر — الذي يمثل قلب الهوية الثقافية والسياحية لفرنسا — بالإضافة إلى استهداف مباشر لـ الجالية اليهودية. هذا الاختيار الدقيق للأهداف يعكس رغبة التنظيم في إحداث صدمة أمنية وترددات سياسية واجتماعية واسعة النطاق داخل المجتمع الفرنسي.
تكشف هوية العقل المدبر للمخطط، وهو شاب يحمل الجنسية التونسية ويبلغ من العمر 27 عامًا، عن استمرار تنظيم "داعش" في الاعتماد على تكتيك "الذئاب المنفردة" أو الخلايا العنقودية الصغيرة التي تصعب ملاحقتها وتتبعها رقميًّا أو ميدانيًّا. ويمثل هذا الشاب الجيل الجديد من المجندين الذين يتأثرون بالبروباغندا الرقمية عبر الفضاء السيبراني؛ حيث يتمتع هؤلاء الأفراد بالقدرة على التخطيط المستقل محليًّا مع الحفاظ على ارتباط أيديولوجي عابر للحدود، مما يضع أجهزة مكافحة الإرهاب الأوروبية أمام تحدي رصد الميول المتطرفة قبل تحولها إلى سلوك عنيف.
أظهرت التحقيقات الأمنية المعمقة مع المتهم نمطًا عملياتيًّا خطيرًا لم يعهده الأمن الأوروبي بكثافة من قبل، وهو استراتيجية "الربط بين الساحات". فلم تكن أجندة الموقوف التونسي تنتهي عند حدود تفجير الأوضاع في العاصمة الفرنسية، بل كان التخطيط يقضي بنجاحه في تنفيذ الاعتداء ثم التخفي والهروب السريع لترتيب رحلة انتقال وانضمام لاحق إلى صفوف التنظيم. والمثير للقلق هو وضعه خيارين للهجرة: إما الالتحاق بالمعاقل التقليدية للتنظيم في سوريا، أو التوجه نحو الوجهة الصاعدة المتمثلة في "ولاية موزمبيق" بقلب القارة الأفريقية.
تحمل هذه المعطيات دلالة أمنية بالغة الحساسية تشير إلى تغير بنيوي في العقيدة الجغرافية لتنظيم "داعش"؛ إذ لم تعد القارة الأفريقية مجرد ساحة قتال محلية معزولة أو فروع ثانوية تدير نزاعات إقليمية، بل جرى ترفيعها في أدبيات التنظيم لتصبح "وجهة جاذبة" ورمزية للمتطرفين المقيمين في أوروبا. هذا التحول يعيد إلى الأذهان الجاذبية التي شكلتها الساحة السورية والعراقية في العقد الماضي (2014-2015)، حيث تُستغل دول الفراغ الأمني في أفريقيا — مثل موزمبيق ومنطقة الساحل — كأراضي "تمكين" بديلة لتعويض الخسائر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
تُثبت هذه الواقعة أننا بصدد ظاهرة متطورة يمكن تسميتها بخلايا "العابرين للقارات"، وهي ديناميكية تربط لوجستيًّا وبشريًّا بين خلايا نائمة في أوروبا وملاذات آمنة تتوسع في أفريقيا. إن خطورة هذا النمط تكمن في تبادل الأدوار؛ فالأموال أو الدعاية المتولدة في الغرب تخدم التمدد الأفريقي، والزخم العسكري المستعر في أفريقيا يعيد شحن خلايا أوروبا بالطاقة الأيديولوجية والرغبة في الثأر، مما يفرض على عواصم القارة العجوز إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية، والاعتراف بأن أمن باريس وبروكسل بات يمر حتمًا عبر ضبط الأوضاع في كابو ديلجادو والصحراء الكبرى.
الإرهاب يهدد إمدادات الطاقة وأزمة تمويل دولية
تشهد مقاطعة "كابو ديلجادو" الواقعة في أقصى شمال موزمبيق قفزة نوعية مقلقة في وتيرة وحجم العمليات الهجومية التي يشنها تنظيم "داعش" عبر فرعه المحلي المعروف بـ"ولاية موزمبيق". وتكتسب هذه المقاطعة أهمية جيوسياسية فائقة لكونها تضم أحد أضخم مشاريع الغاز الطبيعي المسال في القارة الأفريقية، والتي تستثمر فيها شركات طاقة عالمية كبرى بمليارات الدولارات. وباتت هذه الاستثمارات الحيوية، التي تراهن عليها أوروبا كبديل إستراتيجي لإمدادات الطاقة، في مرمى نيران التنظيم الذي يسعى جاهدًا لشل الاقتصاد المحلي وقطع شريان الاستثمار الدولي لإضعاف سلطة الدولة المركزية.
لم تعد هجمات التنظيم الإرهابي تقتصر على الكمائن العسكرية الخاطفة، بل تحولت إلى استراتيجية "أرض محروقة" تستهدف النسيج الاجتماعي والديموغرافي للمنطقة؛ حيث ركز عناصر "داعش" غاراتهم الدموية على القرى والبلدات المناهضة لوجودهم، مع استهداف ممنهج للكنائس والمؤسسات الدينية لذكاء الفتن الطائفية. هذا التصعيد العنيف أسفر عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين، وتسبب في موجات نزوح جماعي حادة قذفت بآلاف العائلات في آتون أزمة إنسانية متفاقمة تفتقر لوعاء إغاثي دولي كافٍ، مما يحول شمال موزمبيق إلى بيئة خصبة للاستقطاب والاضطراب المستدام.
في المقابل، واجهت الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب عقبة دبلوماسية وسياسية كبرى تجلت في التهديد المفاجئ الذي لوحت به حكومة رواندا بسحب قواتها العسكرية المنتشرة في المقاطعة. ويمثل الجيش الرواندي العمود الفقري والضربة القاصمة التي نجحت سابقًا في كبح جماح التنظيم وتأمين المنشآت النفطية؛ إلا أن كيجالي استخدمت ورقة الانسحاب هذه كأداة ضغط سياسي مباشر على الاتحاد الأوروبي، مشترطةً الحصول على حزم تمويلية مستدامة، منتظمة، وطويلة الأجل لتغطية التكاليف اللوجستية والعسكرية الباهظة لعملياتها، رافضةً تحمل الكلفة الاقتصادية للحرب بمفردها.
يضع هذا المأزق التمويلي المعقد مقاطعة "كابو ديلجادو" برمتها على شفا "فراغ أمني" كاريزمي قد تظهر بوادره فور تراجع أو انسحاب القوات الرواندية. وترى مراكز التحليل الإستراتيجي أن القوات المسلحة الموزمبيقية المحلية لا تزال تفتقر إلى التدريب المتقدم والعتاد الكافي لمواجهة حرب العصابات الشرسة التي يتقنها التنظيم بمفردها. هذا الضعف البنيوي يجعل من أي تراجع للقوات الخارجية فرصة ذهبية سيتلقفها تنظيم "داعش" فورًا لإعادة ترتيب صفوفه، وشن هجوم مضاد لاستعادة السيطرة على المناطق الحيوية وموانئ تصدير الطاقة التي طُرد منها سابقًا.
تثبت المعطيات الراهنة في شمال موزمبيق أن الحرب على الإرهاب في أفريقيا لم تعد شأنًا محليًّا بل قضية دولية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الطاقة العالمي؛ فتقاعس المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي عن إيجاد صيغة تمويلية مستقرة للقوات الأفريقية لن يتوقف ضرره عند حدود موزمبيق، بل سيمتد ليضرب أسواق الغاز العالمية في وقت حساس للغاية. إن معالجة أزمة "كابو ديلجادو" تتطلب ما هو أبعد من الحلول العسكرية المؤقتة، وتستلزم صياغة إستراتيجية دولية شاملة تدمج بين التمويل الأمني المستدام، وتأمين مشاريع الطاقة، وتقديم الدعم التنموي لقطع الطريق نهائيًّا أمام تمدد "الخلافة" في جنوب القارة.
نزاع دامي تحت ستار التعتيم الإعلامي
بالانتقال إلى غرب القارة السمراء، وتحديدًا في قلب منطقة الساحل الأفريقي، يعيش بلد بوركينا فاسو على وقع نزاع دامي ومستعر يتركز في مناطقها الشمالية والشرقية. هذا الصراع بات يصنف أمنيًّا كأحد أعنف بؤر التوتر في العالم، حيث تحولت أراضي البلاد إلى مسرح مفتوح لحرب استنزاف طويلة. ورغم ضراوة المواجهات اليومية، إلا أن هذا النزاع يدور خلف ستائر كثيفة بعيدًا عن الأعين وعن صدارة المشهد الإعلامي العالمي، مما يجعله بمثابة "حرب منسية" تتفاقم تعقيداتها بمرور الوقت دون رادع دولي حقيقي.
تتمثل أطراف هذا النزاع المباشر في مواجهة كسر عظم بين القوات الحكومية، التي يقودها المجلس العسكري الحاكم والمتحالف مع شركاء دوليين جدد، وبين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM). هذه الجماعة، التي تمثل الذراع الأخطر والأنشط لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، تعتمد على استراتيجية تكتيكية تقوم على حرب العصابات، ونصب الكمائن لخطوط الإمداد العسكرية، واقتحام الثكنات المعزولة. ويسعى التنظيم من خلال هذه الهجمات الممنهجة إلى تقويض هيبة الدولة المركزية وفرض نفوذه البديل على المجتمعات المحلية.
على الصعيد الميداني، أسفرت المواجهات المستمرة والعنيفة عن تبعات كارثية دفعت ثمنها الفئات المدنية الأكثر هشاشة؛ إذ تسببت العمليات العسكرية وهجمات الجماعات المسلحة المتطرفة في اندلاع أزمات إنسانية حادة تجلت في النقص الحاد للمؤن الطبية والغذائية. وتحت وطأة العنف المفرط وسياسة الأرض المحروقة، شهدت البلاد موجات نزوح جماعي صامت لمليونين من السكان الذين فروا من قراهم المدمرة نحو معسكرات مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما يهدد بانهيار اجتماعي واقتصادي شامل للبلاد.
في مواجهة هذا التدهور الميداني، تفرض الحكومة العسكرية الحاكمة في "واغادوغو" سياسة تعتيم إعلامي صارمة وممنهجة؛ حيث جرى تكميم أفواه الصحافة المحلية، وطرد أو تعليق عمل كبريات وسائل الإعلام والمراسلين الأجانب. وتهدف هذه السياسة الصارمة إلى فرض رواية أحادية الجانب للأحداث، ومنع تسريب أي معلومات أو تقارير مستقلة تكشف عن حجم الخسائر البشرية والمادية الفجيعة في صفوف الجيش، أو تسلط الضوء على الإخفاقات الميدانية المتتالية في استعادة السيطرة على الأراضي الحيوية.
لا يتوقف الحظر العسكري عند حدود الصحافة، بل يمتد ليشمل تضييقًا خانقًا وملاحقة أمنية للتقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية التي تحاول توثيق الانتهاكات المستمرة. هذا الحصار الحقوقي والإعلامي يمنع أي تقييم موضوعي ومستقل لطبيعة النزاع، ويترك المدنيين بلا صوت أو حماية تحت رحمة العمليات العسكرية المكتومة. وتُحذر مراكز التحليل من أن استمرار هذا العزل المعلوماتي لمنطقة الساحل يمنح التنظيمات الإرهابية بيئة مثالية للنمو والتمدد بعيدًا عن الرقابة الدولية، مما يجعل انفجار الأوضاع مستقبلاً أكثر كارثية على أمن المنطقة بأسرها.
خلاصة:
تأسيسًا على ما تقدم، يغدو من الجليّ أن المعركة الدولية ضد الإرهاب قد دخلت منعطفًا بنيويًّا شديد التعقيد، يتداخل فيه أمن الطاقة العالمي في كابو ديلجادو مع السلم المجتمعي في شوارع باريس وبروكسل. إن نجاح المقاربات المستقبلية بات مرهونًا بمدى قدرة القوى الدولية على سد الثغرات الدبلوماسية والتمويلية التي تترك الساحات الأفريقية عرضة للفراغ الأمني، إلى جانب كسر جدران التعتيم المعلوماتي التي تحجب مآسي الساحل وتمنح أذرع القاعدة بيئة نموذجية للتمدد الصامت. وفي نهاية المطاف، فإن إحصار تمدد "داعش" و"القاعدة" لن يتأتى إلا بصياغة إستراتيجية أمنية وتنموية موحدة، تعترف علانية بأن حصانة العواصم الغربية لم تعد تنفصل بأي حال من الأحوال عن استقرار وتجفيف منابع التطرف في عمق القارة السمراء.
