من الصحراء للموانئ البحرية.. كيف تخطط القاعدة وداعش لإعادة تشكيل نفوذها بأفريقيا؟
الأربعاء 20/مايو/2026 - 07:36 م
طباعة
علي رجب
حذر تقرير إستراتيجي جديد صادر عن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، من تحول جذري ومثير للقلق في خريطة نفوذ الجماعات المتشددة بمنطقة الساحل الأفريقي، إذ انتقلت هذه التنظيمات من مرحلة التمركز والتحصن داخل المناطق الصحراوية النائية والحدودية، إلى البدء الفعلي في محاولة بناء حزام نفوذ جغرافي ممتد نحو السواحل الغربية والمنافذ البحرية للقارة السمراء.
يأتتي التحول بعد حصار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة للعاصمة المالية بماكو، بعد سنوات طوال من التوسع الميداني، والسيطرة التامة على مساحات شاسعة من اليابسة والمناطق الجغرافية المغلقة في مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر.
من حرب العصابات إلى خنق العواصم وقطع الإمدادات
وأوضح التقرير التحليلي أن التنظيمات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش" في غرب أفريقيا، لم تعد تعتمد في عملياتها فقط على أسلوب حرب العصابات التقليدية أو الكر والفر في الصحراء، بل باتت تركز إستراتيجيتها الراهنة على السيطرة الحازمة على الطرق الدولية السريعة، وخنق العواصم والمدن الكبرى اقتصادياً، وقطع سلاسل الإمداد الغذائي والعسكري الحيوية، بالتزامن مع التوسع الممنهج جنوباً باتجاه الدول الساحلية المطلة على المحيط الأطلسي، مثل بنين، وتوغو، وغانا، وساحل العاج (كوت ديفوار).
ويرى مراقبون وخبراء أمنيون أن هذا التحول التكتيكي يمثل أخطر تطور أمني وعسكري تشهده القارة الأفريقية منذ أكثر من عقد من الزمان؛ كونه ينقل الجماعات المسلحة من "جغرافيا الصحراء المغلقة" المحدودة التأثير الدولي، إلى فضاء بحري ومائي مفتوح يربط غرب أفريقيا مباشرة بحركة التجارة الدولية، والموانئ الأطلسية الإستراتيجية، مما يهدد خطوط الملاحة العالمية والأمن الإقليمي.
فرض حصار بري والاعتماد على "الطائرات المسيرة"
وبحسب مؤشرات تقرير ACLED، فإن الجماعات المتشددة عززت بشكل ملحوظ خلال الأشهر القليلة الماضية من قدرتها العسكرية على فرض حصار بري فعلي وخانق على بعض المحاور والمدن الحيوية في دولة مالي، وذلك عبر استهداف الشاحنات التجارية، وصهاريج الوقود، ومراقبة الطرق الرئيسية بواسطة خلايا أمنية متحركة، واستخدام متطور للطائرات المسيرة (الدرونز) للاستطلاع والهجوم.
ويهدف هذا التكتيك العسكري الجديد إلى إنهاك الحكومات والجيوش المركزية، وتجفيف منابعها المالية، مع خلق مناطق نفوذ اقتصادية موازية تجبي منها الإتأوات والضرائب.
ويشير التقرير بوضوح إلى أن خطر وصول هذه التنظيمات إلى البحر لا يرتبط بالبعد العسكري المحض فحسب، بل يمتد إلى قدرة تلك الشبكات المتشددة على فتح خطوط تهريب لوجستية جديدة بالغة الخطورة للأسلحة، والوقود، والذهب المستخرج بطرق غير قانونية، فضلاً عن تجارة البشر والهجرة غير الشرعية، مما يمنحها مصادر تمويل مالي أوسع بكثير وخارج النطاق الصحراوي التقليدي الذي شُددت الرقابة عليه.
تراجع الجيوش وانقسام سياسي يغذي التمدد
ويأتي صدور هذا التقرير الصادم في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الدولية والأممية من تمدد خطر الجماعات المسلحة على شريط جغرافي شاسع يتجاوز طوله ثلاثة آلاف كيلومتر، ويمتد من غرب مالي بالقرب من الحدود السنغالية والموريتانية، وصولاً إلى عمق حوض بحيرة تشاد.
ويتزامن هذا التمدد المرعب مع تراجع حاد في كفاءة وفعالية الجيوش المحلية، وتصاعد الانقسامات السياسية الحادة، والانقلابات العسكرية المتكررة التي ضربت دول الساحل، مما أحدث فراغاً أمنياً قاتلاً استغلته تلك التنظيمات.
وكانت تقارير أمنية واستخباراتية غربية قد حذرت مراراً وتكراراً من أن وصول المتشددين إلى الموانئ والسواحل يمثل “المرحلة والمحطة الأخطر” في تطور الجماعات المتطرفة بالساحل الإفريقي، لأنه يمنحها بعداً دولياً وقدرة على المناورة تتجاوز السيطرة المحلية داخل المناطق الريفية والنائية المعزولة.
ويؤكد المراقبون في الختام، أن ما يجري حالياً على الأرض لم يعد مجرد تمرد محلي أو نزاع داخلي محدود يمكن احتواؤه، بل هو محاولة إستراتيجية كبرى لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والسيادة في غرب أفريقيا بالكامل، عبر الجمع الذكي بين السيطرة الميدانية العسكرية، الحصار الاقتصادي للمدن، والتمدد التدريجي والزاحف نحو المنافذ البحرية المفتوحة على العالم.
