القمص ميخائيل ابراهيم قديس الكنيسة الجديد مثال في الرعاية المفقودة

الإثنين 25/مايو/2026 - 10:34 ص
طباعة  القمص ميخائيل ابراهيم روبير الفارس
 
 

حالةُ فرحٍ حقيقي استقبل بها الأقباط قرارَ المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بإعلان القمص ميخائيل إبراهيم قديسًا، لأنهم كانوا يدركون منذ زمن طويل عمق قداسة هذا الرجل البار، الذي تحول في وجدان الشعب القبطي إلى نموذج حيّ للكاهن الراعي والأب الحقيقي.

ولم يكن هذا التقدير الشعبي وليد اللحظة، بل امتد عبر عقود طويلة، فقد أصدر البابا شنودة الثالث كتابًا عنه بعنوان «مثل في الرعاية» في الذكرى الأربعين لرحيله، وكتب في مقدمته كلمات تكشف مكانة هذا الكاهن الاستثنائي، فقال:
"من الصعب على صفحات من الورق أن تحتوي إنسانًا كبيرًا كالقمص ميخائيل. خدماته وفضائله أوسع بكثير من احتمال هذا الكتاب... والقصص والأخبار والكلمات التي وصلت إلى أيدينا عنه تحتاج إلى مجلدات لكي تستوعبها جميعًا..."
ثم قدّمه البابا الراحل إلى كل راعٍ وكاهن وخادم، بوصفه صورة للمسيحية الحقيقية ومثالًا للخدمة والرعاية. بل وطالب بتدريس سيرته لكل كاهن 

كما أصدرت مجلة «كرمة الأصدقاء»التي كانت تصدر عن كنيسة مارمرقس بشبرا، عددًا خاصًا عنه في أبريل 1984 بعنوان «أبونا ميخائيل... قديس القرن العشرين»، رصدت فيه جوانب من سيرته الروحية وخدمته المتميزة، التي جعلت منه نموذجًا فريدًا في الرعاية الكنسية، وهي الرعاية التي يحنّ إليها كثيرون اليوم بعدما تراجع حضورها العملي في حياة البعض.

وُلد القمص ميخائيل إبراهيم عام 1899، ونشأ في بيئة بسيطة ممتلئة بالإيمان، فانعكس ذلك على شخصيته الهادئة العميقة المحبة للصلاة والخدمة. ومنذ شبابه، ظهرت عليه ملامح التقوى والنسك، فارتبط بالكنيسة ارتباطًا كاملًا، حتى صار واحدًا من أبرز الكهنة الذين تركوا أثرًا روحيًا واسعًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خلال القرن العشرين.

خدم القمص ميخائيل في كنيسة مارمرقس بشبرا، وهناك صنع مدرسة حقيقية في الرعاية الروحية والاجتماعية، فلم يكن مجرد كاهن يؤدي الطقوس، بل كان أبًا للفقراء والمتعبين والمرضى والبسطاء. عُرف باهتمامه الشخصي بكل إنسان، وبقدرته النادرة على احتواء النفوس المتعبة، حتى أصبح بيته وكنيسته ملجأً لكل من يبحث عن التعزية والرجاء.

امتازت خدمته بالاتضاع الشديد، فكان يهرب من الأضواء والمديح، ويرفض أي مظاهر للكرامة الشخصية، مؤمنًا أن الكاهن الحقيقي هو الذي يختفي لكي يظهر المسيح في حياة الناس. كما عُرف بعلاقته العميقة بالصلاة والقداس والكتاب المقدس، وكان يقضي ساعات طويلة في التأمل وخدمة الاعتراف والإرشاد الروحي.

ولم تقتصر خدمته على الجانب الروحي فقط، بل امتدت إلى العمل الاجتماعي وخدمة المحتاجين، إذ كان يشعر بآلام الناس ويشاركهم همومهم اليومية، لذلك ارتبط اسمه بالمحبة العملية أكثر من الكلمات والشعارات. ولهذا لم يكن غريبًا أن يلتف الشعب القبطي حول سيرته بعد رحيله عام 1975، وأن تبقى ذكراه حاضرة بقوة في وجدان الأجيال المتعاقبة.

لقد مثّل القمص ميخائيل إبراهيم نموذجًا نادرًا للكاهن الراعي، الذي عاش الإنجيل ببساطة وصدق، فاستحق أن يبقى في ذاكرة الكنيسة ليس فقط ككاهن قدير، بل كقديس عاش بين الناس، وترك أثرًا روحيًا وإنسانيًا ما زال ممتدًا حتى اليوم.

شارك