المطران يوحنا جنبرت.. راعي حلب في زمن الحرب وحارس الحضور المسيحي
الثلاثاء 26/مايو/2026 - 09:52 ص
طباعة
روبير الفارس
في مشهد مؤثر، عادت مدينة حلب لتودع أحد أبرز وجوهها الكنسية والروحية، المطران يوحنا جنبرت، الذي ارتبط اسمه لعقود بتاريخ الكنيسة الملكية الكاثوليكية في المدينة، وبالسنوات العصيبة التي عاشتها حلب خلال الحرب السورية، حيث تحول إلى صوت رعوي وإنساني مدافع عن بقاء المسيحيين وصمودهم في أرضهم.
وكان المطران يوحنا جنبرت قد توفي بصورة مفاجئة في فرنسا خلال زيارة خاصة، عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد مسيرة كنسية امتدت لأكثر من نصف قرن في خدمة الكنيسة والمجتمع، تاركاً وراءه إرثاً روحياً وإنسانياً واسعاً داخل سوريا وخارجها.
النشأة والبداية الكهنوتية
وُلد المطران يوحنا جنبرت عام 1942، ونشأ في بيئة كنسية محافظة، قبل أن ينضم إلى مسيرته الكهنوتية في الكنيسة الكنيسة الملكية الكاثوليكية، التي تُعد واحدة من أعرق الكنائس الشرقية الكاثوليكية في المشرق.
تلقى دراساته الفلسفية واللاهوتية مبكراً، وأظهر اهتماماً واضحاً بالعمل الرعوي والاجتماعي، ما جعله من الكهنة البارزين داخل الأبرشية الملكية في حلب، قبل أن يُختار لاحقاً لقيادة واحدة من أهم الأبرشيات المسيحية في سوريا.
مطراناً لحلب
في عام 1995، تولى المطران يوحنا جنبرت رئاسة أبرشية حلب للروم الملكيين الكاثوليك، ليقود الكنيسة في مرحلة شديدة الحساسية شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى في سوريا والمنطقة.
وعُرف خلال سنوات خدمته بقربه من أبناء الرعية، واهتمامه بالقضايا الاجتماعية والتعليمية، إلى جانب دعمه للمؤسسات الخيرية والرعوية التابعة للأبرشية، حيث عمل على تعزيز دور الكنيسة ليس فقط كمؤسسة دينية، بل كحاضنة اجتماعية وثقافية لأبناء المدينة.
خلال الحرب السورية
برز اسم المطران يوحنا جنبرت بصورة أكبر مع اندلاع الحرب السورية، وخاصة خلال المعارك العنيفة التي شهدتها حلب بين عامي 2012 و2016، حين واجه المسيحيون، كغيرهم من سكان المدينة، ظروفاً إنسانية وأمنية قاسية.
وخلال تلك المرحلة، اتخذ المطران مواقف واضحة داعمة لبقاء المسيحيين في المدينة، رافضاً فكرة الهجرة الجماعية أو تفريغ الشرق من مسيحييه، وكان يؤكد في عظاته ولقاءاته أن “الوجود المسيحي في سوريا جزء أصيل من تاريخ البلاد وهويتها”.
كما لعب دوراً إنسانياً بارزاً عبر دعم العائلات المتضررة، وتأمين المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية للمتضررين من الحرب، دون تمييز ديني أو طائفي، ما أكسبه احتراماً واسعاً داخل الأوساط الحلبية.
ويذكر أبناء الرعية أن المطران الراحل بقي في المدينة خلال أصعب فترات القصف والحصار، وحرص على استمرار الصلوات والأنشطة الكنسية رغم الظروف الأمنية الصعبة، في محاولة للحفاظ على الروح المعنوية للسكان.
صوت للحوار والعيش المشترك
لم يكن المطران يوحنا جنبرت مجرد رجل دين، بل عُرف أيضاً بدعوته المستمرة إلى الحوار والتعايش بين مكونات المجتمع السوري، حيث شارك في العديد من اللقاءات والفعاليات التي هدفت إلى تعزيز الوحدة الوطنية والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.
وكان يرى أن مستقبل سوريا لا يمكن أن يقوم إلا على التعددية واحترام التنوع الديني والثقافي، داعياً إلى تجاوز الانقسامات التي خلفتها الحرب.
نهاية الخدمة ووداع حلب
استمر المطران يوحنا جنبرت في رئاسة الأبرشية حتى عام 2021، قبل أن يتقاعد بعد أكثر من ربع قرن من الخدمة الأسقفية، لكنه ظل حاضراً في ذاكرة أبناء حلب باعتباره أحد الرموز الروحية التي رافقت المدينة في أصعب مراحلها.
وعقب الإعلان عن وفاته، شهدت الكنائس في حلب صلوات وقداديس لراحة نفسه، وسط حالة من الحزن بين أبناء الرعية، الذين استعادوا مواقفه الإنسانية ودوره خلال سنوات الحرب.
وبرحيل المطران يوحنا جنبرت، تفقد الكنيسة الملكية الكاثوليكية في سوريا واحداً من أبرز رعاتها في العقود الأخيرة، ورجلاً ارتبط اسمه بمدينة حلب في زمن الألم والصمود، فبقي بالنسبة لكثيرين “مطران الحرب والسلام” في آن واحد.
