من التمكين الجغرافي إلى الاختطاف الحدثي: قراءة في تكتيكات داعش الجديدة
الإثنين 22/يونيو/2026 - 09:52 ص
طباعة
حسام الحداد
تأتي الافتتاحية المعنونة بـ "من يُتوّج باللقب؟" والمنشورة في العدد (442) من صحيفة "النبأ" مساء الخميس 18 بونبو 2026، الناطقة باسم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، لتقدم دليلاً رصدياً متجدداً على حيوية تكتيك "الاستثمار الحدثي" واقتناص السوانح الجماهيرية لدى الجماعات المتطرفة. يعتمد التنظيم في أدائه الاتصالي المعاصر على استراتيجية طفيلية متطورة تقوم على "إعادة تدوير الأحداث العالمية الكبرى" واختطاف الاهتمام العام البشري (Hijacking the global narrative)، محاولاً تجيير الزخم الإعلامي المصاحب للمناسبات الأممية وتحويره لخدمة غاياته البروباغندية في الحشد، والتعبئة، واستقطاب عناصر جديدة. ومن خلال التقاط حدث رياضي واجتماعي وتجاري معولم بحجم بطولة "كأس العالم لكرة القدم"، يمارس التنظيم نوعاً من الإسقاط القسري المقترن بمحاولة خلخلة الاستقرار النفسي للمجتمعات، ونقل فكرة التنافس السلمي والتواصل الحضاري بين الأمم من سياقها الإنساني الطبيعي إلى مصيدة "الصراع الصِفْري الحتمي" والدموي الذي لا يقبل الحلول الوسطى.
من المنظور الجيوسياسي والأمني المعاصر، تعكس هذه الافتتاحية محاولة ذكية وممنهجة للخروج من مأزق الانكفاء الميداني والتراجع الجغرافي الذي يشهده التنظيم في معاقله التاريخية التقليدية. ففي ظل تآكل ما كان يُعرف بـ "أرض التمكين" وتشتت القيادات المركزية تحت وطأة الضربات الاستخباراتية المتلاحقة، تبرز الحاجة لدى مطابخ التنظيم الفكرية إلى إثبات الجدارة الوجودية والاستمرارية العملياتية عبر الفضاء الافتراضي ومن خلال أدوات الجيل الخامس من الحروب. إن اختيار الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها كمسرح افتراضي للاستهداف خلال هذه الفعالية الدولية، لا يستهدف تحقيق إنجاز عسكري على الأرض بقدر ما يرمي إلى إحداث هزة ارتدادية في الوعي الجمعي العالمي، وصناعة الصدمة والترويع عبر إحياء عقيدة التحريض العابر للحدود، وهو ما يضع الأجهزة الأمنية والمؤسسات الفكرية الدولية أمام تحديات غير نمطية تتطلب تفكيك الشيفرات الأيديولوجية واللوجستية التي يحاول التنظيم تمريرها من خلال هذا الخطاب الموتور.
أولاً: التفكيك الأيديولوجي والشرعي (المغالطات والمفاهيم)
تمثل الوثيقة الفكرية المنشورة في هذه الافتتاحية نموذجاً كلاسيكياً متقدماً للبناء الأيديولوجي القائم على هندسة المظلومية وإعادة تدوير الأدبيات السلفية الجهادية لتتلاءم مع النوازل والظواهر المعاصرة. لا ينظر التنظيم إلى الأحداث الدولية -سواء كانت سياسية أو رياضية أو ثقافية- كظواهر إنسانية طبيعية، بل يُخضعها لعملية "قسر أيديولوجي" تهدف إلى تجريد الحدث من سياقه الترفيهي أو السلمي وشحنه بأبعاد غائية تصب في صالح ديمومة الصراع وعولمة المواجهة، مستغلاً المخزون العاطفي والنفسي للفئات المستهدفة بالتحريض.
وتكمن خطورة هذا التأسيس الشرعي المشوه في كونه يعتمد على التفكيك ثم إعادة التركيب؛ فهو يعمد إلى تفكيك الروافد الثقافية والاجتماعية التي تربط الفرد المسلم بمحيطه العالمي المشترك، ثم يُعيد تركيبها في قالب تصادمي يجعل من الانعزال الكلي والعداء المطلق شرطين أساسيين لصحة المعتقد. هذا التوظيف الآلي للمفاهيم الدينية لا يستهدف فقط إيجاد مبررات فقهية للعمل العنيف، بل يسعى بالدرجة الأولى إلى صياغة "هوية انتحارية مغلقة" ترى في تدمير مظاهر الحياة المعاصرة واجباً مقدساً وخياراً وحيداً للنجاة الأخروية.
1. استدعاء المفاصلة العقائدية (الولاء والبراء)
يُشكل مفهوم "الولاء والبراء" العمود الفقري والركيزة العقائدية الصلبة التي تنهض عليها هذه الافتتاحية؛ إذ يتعمد النص وبصورة حادة وراديكالية هندسة ما يمكن تسميته بـ "ثنائية الفسطاطين المحتربين"، مستدعياً سردية التقسيم الحتمي للعالم التي لا تقبل وسيطاً أو منطقة رمادية للتعايش. وفي هذا الإطار، يُعاد رسم ملامح "فسطاط الأمة والمجاهدين" وتأطيره داخل سردية المظلومية التاريخية والمستهدفة عقائدياً وجسدياً من قِبل قوى خارجية عاتية، مما يحول الشعور بالاضطهاد إلى دافع بنيوي للتعبئة النفسية، ويجعل من تهميش الهوية الإسلامية -وفق تفسير التنظيم المتشدد- خطراً داهماً يتهدد الوجود الديني للمسلم إن لم ينخرط في الفعل العنيف رداً على هذا الاستهداف المزعوم.
وفي المقابل، يقيم الخطاب المعالم الفكرية لـ "فسطاط الكفر" عبر التوسيع الشامل والممنهج لمصطلحات استعدائية تقليدية مثل "الصليبية، واليهودية، والإلحاد"، وهي مصطلحات مألوفة في أدبيات جماعات الإسلام السياسي والحركات المتطرفة، لكنها تُوظف هنا تحديداً كأدوات سيكولوجية لتجريد الآخر (Dehumanization) من حقوقه الإنسانية والشرعية. إن تصوير الجماهير الرياضية والمؤسسات الدولية والمجتمعات الغربية ككتلة صماء متآمرة وعاتية الشرك، يهدف بالدرجة الأولى إلى كسر أي كوابح أخلاقية أو إنسانية لدى المتلقي، مما يمهد الطريق لتبرير الاستهداف العشوائي للمدنيين في الملاعب والساحات العامة، وتحويل الدماء المعصومة في الفقه الإسلامي الأصيل إلى دماء مستباحة بدعوى انتمائها لفسطاط الأعداء.
2. محاربة "القوة الناعمة" والعولمة الثقافية
يكشف النص عن قلق بنيوي وعميق يساور قيادة الفكر المتطرف تجاه تمدد مظاهر العولمة الثقافية وما يفرضه "المجتمع الشبكي" من قواسم إنسانية مشتركة، ويتجلى هذا التوجس في الهجوم العنيف على ظاهرة "التماهي الثقافي" أو ما اصطلح عليه المقال بـ (الإعجاب بالرياضة، والتعلق باللاعبين، وتقليد مظهرهم ولحاهم). هذا الرصد الدقيق للتفاصيل السلوكية للشباب المسلم يبرهن على إدراك التنظيم لمدى خطورة "القوة الناعمة" لثقافة الترفيه والرياضة العالمية، باعتبارها قادرة على اختراق المنظومات الفكرية المغلقة وتفكيك حواجز الكراهية، مما يسحب بساط الانغلاق والتشدد التقليدي من تحت أقدام الحواضن البشرية والمجموعات الشبابية المستهدفة بمشاريع التجنيد والدعاية.
بناءً على ذلك، يرى التنظيم في العاطفة الرياضية المشتركة والمتابعة الشغوفة للفعاليات الدولية "هتكاً صارخاً لحواجز البراء" وتهديداً لتماسك عقيدة المقاطعة الروحية والمادية التي يفرضها على أتباعه. إن الخوف من ذوبان الهوية المتطرفة في سياقات العولمة يدفع الخطاب إلى تجريم هذه الظواهر البسيطة وتحويلها إلى كبائر تهدد العقيدة؛ لأن اندماج الفرد في اهتمامات عالمية مشتركة يقلل من احتمالية استجابته لدعوات الانتحار والقتل، ومن ثمَّ يصبح عزل الشباب عن المشهد الثقافي والرياضي العالمي خطوة دفاعية استباقية يقوم بها التنظيم للحفاظ على مخزونه من الكوادر البشرية القابلة للشحن الفكري الصِفْري.
3. التوظيف النفعي لأقوال العلماء
من الناحية الشرعية المنهجية، يسقط النص في منزلق التوظيف النفعي (Pragmatic) والاجتزاء المبتسر للنصوص التراثية، حيث عمد واضعو الافتتاحية إلى استدعاء اقتباس من مصنفات الإمام ابن القيم الجوزية يتعلق بطواعية البدن للروح وحث النفس على مفارقة البلادة والكسل والشهوات. هذا الاقتباس، الذي ورد في الأصل ضمن سياق التربية السلوكية والتزكية الإيمانية وبناء الشخصية المسلمة المتوازنة القادرة على الإنتاج والعبادة، تم تحويره بشكل قسري وعزلِه عن بيئته المقاصدية، ليوضع في سياق غريب يهدف إلى شرعنة التدريبات العسكرية القاسية وإعداد أجساد الانتحاريين والمقاتلين، وتحويل رياضة البدن من وسيلة للمتعة والصحة إلى مجرد أداة وظيفية تخدم العمليات العنيفة.
إن هذا الإسقاط المتعسف لأقوال علماء الأمة يعكس أزمة تفكيكية خطيرة في البنية التشريعية للحركات المتطرفة، حيث تُنتزع النصوص من سياقاتها المقاصدية التي تؤكد على حفظ الدماء، ورعاية العهود والمواثيق، وحماية الأمان للمستأمنين، ليتم توظيفها في تبرير الغدر وتفجير التجمعات السلمية. يغفل الخطاب عَمْداً الشروط الفقهية الصارمة والأحكام التفصيلية للجهاد والتعامل مع غير المسلمين في الفقه الإسلامي المستقر، ويستبدلها بقراءة انتقائية وعملياتية بحتة تُسخر التراث الروحي للأمة لصناعة آلة قتل عمياء، متجاوزة القواعد الكلية للشريعة التي جعلت من حفظ النفس الإنسانية أحد أهم كلياتها الخمس.
ثانياً: التحليل الاستراتيجي والأمني (الأبعاد والعمليات)
تتجاوز هذه الافتتاحية الأبعاد الوعظية والتحريضية التقليدية لتطرح "خارطة طريق عملياتية" واضحة المعالم، تعكس العقلية الأمنية البراغماتية التي تدير الغرف الاستراتيجية للتنظيم. ينظر قادة التنظيم إلى المحافل الجماهيرية الدولية باعتبارها "بيئات تشغيلية مثالية" لتنفيذ هجمات ذات تأثير ممتد، مستغلين التركيز الإعلامي العالمي المكثف الذي يرافق هذه الأحداث للوصول إلى أعلى درجات النكاية السياسية والأمنية، وهو ما يتضح من خلال الديناميكية العملياتية المتسلسلة التي يتبعها النص:
[ حَدَث عالمي جماهيري ]⟶[ تعبئة وتحريض أيديولوجي ]⟶[ نقل المعركة لعقر دار العدو (أمريكا) ]⟶[ تفعيل استراتيجية "الذئاب المنفردة" ]
وتكمن الأهمية الأمنية لهذا المخطط التحريضي في كونه يعكس تحولاً استراتيجياً في توقيت ومكان الاستهداف؛ فالتنظيم يحاول التغلب على حالة "الانكفاء الجغرافي" وخسارة السيطرة على الأرض في معاقله التقليدية عبر تدويل الخطر الأمني وتشتيت جهود الأجهزة الاستخباراتية الدولية. إن الانتقال من مرحلة التوجيه الهيكلي الصارم للعمليات إلى مرحلة "التحريض المفتوح العابر للحدود" يهدف إلى بناء نموذج استراتيجي مرن وقادر على التكيف، بحيث تصبح الفعاليات الجماهيرية الكبرى في أي مكان من العالم هدفاً محتملاً، مما يفرض تحديات معقدة على منظومات الأمن الوقائي وحماية المنشآت الحيوية عالمياً.
1. جغرافية الهدف وعقيدة "الهجوم لا الدفاع"
يُحدد المقال بدقة لافتة جغرافية الاستهداف العملياتي، مسمياً الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها الشريك الأبرز في استضافة هذا الحدث الرياضي العالمي، ومشيراً بوضوح إلى "إحدى عشرة مدينة"، وهو تفصيل مأخوذ مباشرة من الواقع اللوجستي للمدن الأمريكية المعتمدة لاحتضان مباريات البطولة. هذا التحديد الدقيق للمسرح الجغرافي يعكس انتقالاً نوعياً في العقيدة العسكرية للتنظيم من أدبيات "الدفاع عن البيضة" وصيانة الحدود المكانية لما كان يُعرف بـ "أرض التمكين"، إلى تبني "عقيدة الهجوم الاستباقي لا الدفاع"، وهي عقيدة تعتمد على التسلل إلى عمق الخصم والبحث عن نقاط الضعف الارتكازية في منظومته الحيوية لإحداث أكبر قدر من الإرباك الداخلي.
ومن المنظور الاستراتيجي، فإن نقل المعركة إلى ما يطلق عليه الخطاب "عقر دار الكفر" يمثل محاولة حثيثة من قِبل القيادة المركزية للتنظيم لاستعادة الزخم الإعلامي المفقود وتوليد شعور بالقدرة على المبادرة والوصول، لا سيما بعد الخسائر الميدانية الفادحة التي مني بها على جبهات الشرق الأوسط وإفريقيا وتفكك بنيته العسكرية التقليدية. يسعى التنظيم من خلال هذا الانتقال الجغرافي إلى إرسال رسالة مزدوجة: الأولى لحواضنه وأتباعه للتأكيد على أنه ما زال يمتلك زمام المبادرة والقدرة على تهديد القوى الكبرى، والثانية للمجتمع الدولي لإثبات أن تدمير كيانه الجغرافي في الشرق لا يعني بحال من الأحوال القضاء على أذرعه وخلاياه وقدرته التحريضية العابرة للقارات.
2. إحياء عقيدة "الذئاب المنفردة"
يطلق النص نداءً صريحاً ومباشراً يستنهض فيه ما يسمى في الأدبيات الأمنية بـ "المجاهد المنفرد" أو (الذئاب المنفردة - Lone Wolves)، معتمداً على هذا التكتيك كخيار وحيد لمواجهة الإجراءات الأمنية المشددة وصعوبة التحرك الجماعي. يتكئ التنظيم في هذه المرحلة على المرونة التشغيلية العالية لهذا الأسلوب؛ إذ إن العمليات المنفردة تتميز باللامركزية الكاملة، ولا تتطلب خطوط إمداد لوجستية معقدة، أو تواصل تنظيمي صلب قد تقع خيوطه تحت رادار الأجهزة الاستخباراتية، مما يجعل التنبؤ بالضربة أو إحباطها قبل وقوعها أمراً في غاية الصعوبة نظراً لغياب البصمة التنظيمية التقليدية للمنفذ.
وفي هذا السياق، يكتفي الخطاب بتقديم "الدعم الفكري والتوجيه العام" وتحديد طبيعة الأهداف الاستراتيجية بدقة (مثل التجمعات البشرية، ومحيط الملاعب، ومراسم الاحتفال المفتوحة)، مع منح المنفذ المحتمل مدى زمنياً واسعاً ومفتوحاً يمتد لـ "شهر كامل" للرصد والمباغتة بما يتوافق مع ظروفه المحلية. هذا الأسلوب التحريضي يسعى إلى استثمار الغضب الفردي والعزلة الاجتماعية لبعض الأفراد المقيمين في الغرب، وتحويلهم إلى أدوات تنفيذية دون الحاجة لتدريبهم في معسكرات خاصة، حيث تصبح الشاشات والمنصات الرقمية هي معسكر التدريب البديل، والحدث الرياضي العالمي هو ساحة المعركة المفترضة.
3. الحرب النفسية وحروب الجيل الخامس
ينطوي المقال في طياته على اعتراف ضمني وشديد الوضوح بالمعاناة العميقة التي يعيشها التنظيم جراء الحصار الفكري والإعلامي، وتفوق "الآلة الدعائية لثرى الكفر العالمي" التي نجحت في تقويض سردياته وملاحقة منصاته الرقمية بشكل مستمر. ومع ذلك، يحاول التنظيم تحويل هذا الحصار إلى قوة دفع عكسية، مستغلاً الحدث الرياضي كـ "فرصة ذهبية" لخوض غمار حروب الجيل الخامس (5GW) القائمة على التلاعب بالمعلومات وصناعة الصدمة النفسية، عبر الدعوة الصريحة لتحويل "المراسم العالمية والاحتفالية إلى مراسم دامية" تعكر صفو الأمن والسلم الدوليين.
إن الهدف الحقيقي الكامن وراء هذه التهديدات ليس تحقيق نصر عسكري بالمعنى التقليدي، بل هو صناعة ما يُعرف بـ "البروباغندا بالدم" (Propaganda of the deed)، حيث يُقاس نجاح العملية بحجم التغطية الإعلامية وصدمة الرأي العام العالمي التي تليها. يسعى التنظيم من خلال هذا النمط من الحرب النفسية إلى إحداث شلل مؤقت في قطاعات السياحة والترفيه للدول المستضيفة، وتصدير الخوف للمواطنين والمشجعين، وإرباك الخطط الأمنية الوقائية، مما يفرض كلفة اقتصادية ونفسية باهظة على المجتمع الدولي، ويُظهر التنظيم بمظهر القوة العالمية القادرة على فرض أجندتها الدموية على كبرى الفعاليات الإنسانية.اعد كتابة هذا الجزء في مقدمة وكل نقطة في فقرتين
ثالثاً: القراءة النقدية الهيكلية (اللغة والأسلوب)
يتسم الخطاب العام للافتتاحية بحدّة واضحة تفيض بعبارات التكفير، وصيغ المبالغة، والوعيد الشديد، وهو أسلوب نمطي تتغذى عليه أدبيات التنظيمات المتطرفة لشحن الأتباع عاطفياً. ومع ذلك، يسقط النص في شرك "التناقض البنيوي الفج" والمفارقات العجيبة التي تكشف خللاً في فلسفة الطرح؛ فمن جهة، يجهد كاتب المقال في تحقير الحدث الرياضي العالمي ووصفه بالعبث والإنحطاط والبهيمية داعياً المسلمين للاستخفاف التام به والابتعاد عن مجرياته، لكنه في ذات الوقت ينقلب على هذه السردية ليمنح ذات الحدث أهمية استراتيجية وعملياتية قصوى، مطالباً أتباعه بمتابعته بدقة بالغة ورسم "خريطة العالم من على أسطح مكاتبهم أو جدران غرفهم" لرصد مراسمه واقتناص الفرص فيه. هذا الانفصام التحليلي يوضح أن التنظيم لا يستطيع عزل نفسه عن العولمة الثقافية التي يهاجمها، بل يضطر قسراً للارتماء في تفاصيلها ومواكبتها لضمان بقائه على قيد الحياة الإعلامية.
يلاحظ المتخصصون والخبراء في رصد إصدارات جماعات الإسلام السياسي والحركات المتطرفة تراجعاً نوعياً حاداً في الرصانة اللغوية والحبكة البيانية التي ميزت أدبيات التنظيم في سنوات صعوده الجغرافي السابقة (إبان زخم مؤسسة الفرقان ومجلة دابق ورومية)، حيث كان يعتمد آنذاك على مراجعات لغوية صارمة وأقلام متمكنة أدبياً. في المقابل، يمتلئ هذا النص بعبارات مرتبكة، وتراكيب مفككة، وصياغات غير متسقة بنيوياً تفتقر إلى الترابط الفكري والمنطقي، مثل قوله: "طائفة، عمارة، دولة، ولكنها النتيجة يعهد الله تعالى"، وهو تركيب لغوي قلق لا يستقيم في بابه. يعكس هذا التدهور البلاغي حالة من الإفلاس الثقافي والفكري، ويوضح أن المنظومة الإعلامية للتنظيم باتت تعاني من شح حاد في الكوادر المؤهلة والخطباء المفوهين الذين كانوا يشكلون رافداً أساسياً لبروباغندا الجذب والتحريض.
إن التدقيق العقر في بعض المقاطع الفجّة داخل النص -من قبيل: "فأيهاً بـ ضربة أيقظت بأيماً عرية سكند أممية، يحرسها صدفة وسارت كثرة يمقتنك"- يحمل مؤشرات قوية على احتمالية اعتماد التنظيم على أدوات توليد رقمية أو برمجيات ترجمة آلية ركيكة ومترجمة عن لغات أجنبية (كالإنجليزية أو الفرنسية) دون إخضاعها لمراجعة بشرية متخصصة. هذا الخلل اللغوي الفادح لا يشير فقط إلى ضعف المستويات العلمية للمحررين الحاليين، بل يفضح حالة من "الارتباك والاضطراب اللوجستي" داخل المطابخ الإعلامية للتنظيم، الناتجة عن الملاحقة الأمنية المستمرة لقياداته وتدمير مراكزه التقنية؛ مما يضطره إلى إنتاج مواد دعائية مستعجلة وغير متجانسة تركيبياً، تسهم في إضعاف الأثر النفسي والاتصالي للخطاب وتجعله محطاً للنقد والتفنيد السريع.
خلاصة وتوصيات استراتيجية
إن هذه الافتتاحية هي "وثيقة تحريضية بامتياز"، لا تقدم جديداً على مستوى الفكر الأيديولوجي للتنظيم، لكنها ترفع من منسوب الخطر الأمني المرتبط بالفعاليات الجماهيرية الكبرى.
التوصيات الأمنية والاستراتيجية:
تكثيف التنسيق الاستخباراتي الدولي: خاصة بين الدول المستضيفة للبطولات العالمية لرصد أي خلايا نائمة أو أفراد متأثرين بـ "الدعاية المنفردة".
الأمن السيبراني والمتابعة الرقمية: ضرورة ملاحقة وتفكيك المعرّفات التي تعيد نشر وترجمة هذه الافتتاحية على المنصات المشفرة (مثل تليغرام وتام تام) لمنع وصول التحريض إلى "الذئاب المحتملة".
المواجهة الفكرية المضادة: تفكيك هذه الأطروحات عبر منصات إسلامية معتدلة توضح التناقض الفج في خطاب التنظيم الذي يحرم اللعبة الرياضية تارة، ثم يجعل من تفاصيلها الإدارية (كالمدن المستضيفة) دليلاً عملياتياً تارة أخرى.
