حسام الحداد يكتب: كيف يتحول التصعيد الإيراني إلى حرب استنزاف عابرة للممرات
الثلاثاء 28/يوليو/2026 - 10:10 ص
طباعة
حسام الحداد
تتأرجح منطقة الشرق الأوسط في الراهن السياسي المعاصر على حافة تحولات جيوستراتيجية غير مسبوقة، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين المواجهات العسكرية المباشرة وحروب الوكالة الإقليمية. وفي ظل إعلان هدنة هشة مؤقتة ترعاها جهود دولية وإقليمية مكثفة بين واشنطن وطهران، يكشف المشهد عن ترسبات عميقة لتوترات مفتوحة لا تقتصر على الميادين العسكرية التقليدية، بل تتمدد لتطال عصب الاقتصاد العالمي وشرايين إمدادات الطاقة، مما يحول المنطقة برمتها إلى مسرح مترابط لصراع النفوذ والوجود.
تستند هذه القراءة النقدية إلى تتبع متفحص لأبرز التغطيات والتحليلات الصادرة عن كبرى الصحف والدوريات العالمية مثل Reuters، The Guardian، وAl-Monitor. وهي تسلط الضوء على الكيفية التي استبدلت بها المؤسسة العسكرية في طهران عقائد الحروب الكلاسيكية باستراتيجيات شبكية عابرة للحدود، تستخدم فيها أذرعها غير النظامية وأمن الممرات المائية كأوراق ضغط استراتيجية لفرض واقع جديد يعيد صياغة معادلات الردع الدولي والإقليمي من جديد.
العسكرة الشبكية: عندما يصبح الوكيل امتدادا استراتيجيا للمتن
تظهر القراءات التحليلية العميقة لكل من صحيفة The Guardian وكالة Reuters أن المؤسسة العسكرية والسياسية في طهران قد تخلت بالكامل عن أنماط الحروب الكلاسيكية المباشرة، مستبدلة إياها بعقيدة أمنية جديدة تعرف بـ "توسيع دائرة الألم". في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة والمواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة، لم تعد إيران تخوض صراعاتها بمعزل عن شبكة حلفائها، بل أعادت هندسة هذه العلاقة لتتحول حركات الإسلام السياسي الشيعي المنضوية تحت ما يسمى "محور المقاومة" من مجرد قوى إقليمية حليفة إلى امتدادات استراتيجية وعملياتية مباشرة للمتن الإيراني.
وقد تجسد هذا التحول العقائدي بوضوح جلي على الأرض عبر تفعيل تكتيك "وحدة الجبهات" المتشابكة؛ حيث عمدت طهران إلى استخدام أذرعها العسكرية غير النظامية لفرض وقائع ميدانية مربكة لخصومها. وفي هذا السياق، قامت جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن بتوسيع بنك الأهداف الإستراتيجية ليشمل استهداف ناقلات النفط التجارية الكبرى في مياه البحر الأحمر، مثل ناقلتي النفط "انسيليا" و"ليلى"، بالتوازي مع الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز والتحركات الاستفزازية للحرس الثوري الإيراني، مما خلق كماشة أمنية عابرة للحدود.
لا تقتصر غايات هذا التكتيك الشبكي على البعد العسكري البحت المتعلق بتشتت الجهد العسكري للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، بل تهدف هندسيا إلى فرض أثمان سياسية واقتصادية باهظة على الحلفاء الإقليميين لواشنطن في المنطقة. ومن خلال نقل ساحة الاشتباك نحو شرايين التجارة العالمية وأمن الطاقة، تحاول طهران توظيف قدرات وكلائها لكسر حصار العقوبات والضغط على المنظومة الدولية لدفع أثمان باهظة، الأمر الذي يضع استقرار الإقليم بأكمله أمام أزمات مفتوحة.
سلاح الجغرافيا: خنق الممرات المائية وأسواق الطاقة
تركز التغطيات التحليلية الصادرة عن وكالة Reuters وموقع Al-Monitor على تحول الجغرافيا في العقيدة العسكرية الإيرانية إلى سلاح فتاك يستخدم لفرض السيطرة على العصب الرئيسي للاقتصاد العالمي. ولم تعد العمليات الميدانية مجرد اشتباكات تكتيكية، بل غدت جزءا من عملية كماشة جيوستراتيجية مدروسة تهدف إلى تعطيل مفاصل التجارة الدولية وأمن الطاقة من خلال استهداف خطوط الإمداد الأكثر حساسية في العالم في آن واحد.
تتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في تحويل الممرين المائيين الاستراتيجيين؛ باب المندب ومضيق هرمز، إلى ساحات حرب مفتوحة ومناطق محظورة أمام الملاحة الدولية. هذا الشلل المتعمد يعطل بشكل مباشر حركة ناقلات النفط العملاقة المتجهة نحو الموانئ الحيوية مثل ميناء ينبع، فضلا عن قطع مسارات التجارة الحيوية التي تربط آسيا بأوروبا، مما يحول الجغرافيا العريضة للشرق الأوسط إلى أداة ضغط مادية لا غنى عنها في معادلة الصراع.
على الصعيد الاقتصادي المباشر، أدت هذه العمليات المنهجية إلى إحداث هزات عنيفة في الأسواق العالمية للطاقة. وأشارت التقارير إلى أن استمرار تعطيل ناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن، بالتوازي مع التهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، دفع بأسعار خام برنت نحو مستويات حرجة للغاية تقترب تدريجيا من عتبة المئة دولار للبرميل، مما ينذر بموجات تضخمية عالمية وأزمات اقتصادية تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.
من منظور المحللين الغربيين، تتجاوز هذه الهجمات أبعادها العسكرية الميدانية لتشكل رسالة ردع سياسية واقتصادية بالغة الصرامة. وتتلخص الرسالة الإيرانية الموجهة للخصوم الدوليين والإقليميين في أن أي استهداف للبنية التحتية لطهران سيقابل فورا بقرار استراتيجي يقضي بحرمان العالم من "قطرة نفط واحدة"، مستخدمة أمن الطاقة كرهينة وسلاح أخير لفرض شروطها وحماية مصالحها على طاولة التفاوض الدولي.
مأزق الردع العسكري الغربي ودبلوماسية حافة الهاوية
تطرح التحليلات الأمنية والدورية في الصحف العالمية تساؤلات جوهرية وحرجة حول مدى كفاءة ونجاعة استراتيجيات الردع التقليدي التي تتبناها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها في مواجهة النفوذ الإيراني. وعلى الرغم من الضربات والحملات الجوية المكثفة والمتواصلة التي تنفذها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مستهدفة مستودعات الصواريخ ومواقع الطائرات المسيرة الإيرانية، إلا أن هذه العمليات تصطدم بعقبة هيكلية تتمثل في الطبيعة اللامركزية لشبكة الحلفاء والأذرع الإقليمية. هذه الهيكلية المرنة تمنح طهران قدرة فائقة على امتصاص الصدمات الاستراتيجية وإعادة تدوير قدراتها، مما يجعل الردع العسكري الكلاسيكي عاجزا بمفرده عن كبح جماح هذه التهديدات.
وفي هذا السياق، تأتي الهدنة الحالية لتشهد محاولة دبلوماسية مؤقتة تهدف إلى التقاط الأنفاس وفتح نافذة ضيقة للحوار تحت رعاية إقليمية ودولية متعددة الأطراف، غير أنها تظل هدنة شديدة الهشاشة. فهي لا تستند إلى تسوية سياسية مستدامة، بل تقوم على معادلة خطيرة قوامها "الردع المتبادل" وقاعدة "الهجوم مقابل الهجوم". وفي ظل هذه البيئة المشحونة، يترقب كل طرف بحذر بالغ خطوات خصمه لتقييم موازين المكاسب والخسائر الميدانية، متأهبا لجولة جديدة من التصعيد عند أول احتكاك تكتيكي.
وعليه، تخلص القراءات التحليلية إلى أن استمرار هذا المأزق يجعل المجتمعات الإقليمية برمتها، إلى جانب شرايين وأسواق الطاقة العالمية، رهائن دائمة لحروب الوكالة والمغامرات الجيوسياسية المتهورة. إن غياب استراتيجية أمنية شاملة تعالج الجذور العميقة والسياسية للصراع، وتكتفي بإدارة الأزمات عبر الرد العسكري المتقطع والتهدئة المؤقتة، يعني أن المنطقة تظل محكومة بدوامة مستمرة من عدم الاستقرار، حيث تظل مقدرات الشعوب عرضة لتقلبات حسابات القوة الإقليمية والدولية.
واخيرا تكشف أحداث الـ 24 ساعة الماضية أن مقاربة التعامل مع تنظيمات الإسلام السياسي وشبكات الوكلاء الإقليميين لا يمكن أن تستقيم بمنظور أمني بحت يتجاهل الجذور السياسية والجيوسياسية للصراع. إن محاولة طهران ربط أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز بملفها النووي وصدامها المباشر مع واشنطن، تثبت أن المنطقة دخلت مرحلة تاريخية بالغة الخطورة، تصبح فيها مقدرات الشعوب وتجارة العالم تفاصيل قابلة للمساومة على طاولات حروب الاستنزاف الإقليمية.
