تقرير أمني: شمال الكاميرون بؤرة لتمدد داعش وجماعات الإرهاب الحدودية
الأربعاء 29/يوليو/2026 - 10:05 ص
طباعة
علي رجب
كشفت دراسة حديثة صادرة عن معهد الدراسات الأمنية أن منطقة شمال الكاميرون الواقعة في حوض بحيرة تشاد قد تحولت إلى أحد أبرز مراكز الضغط والنفوذ التي تستخدمها الجماعات الإرهابية لإحكام قبضتها وتعزيز سطوتها الإقليمية، مستغلة هشاشة الأوضاع وغياب التنمية في المنطقة الحدودية النائية.
استراتيجيات القمع والإكراه لولاية داعش غرب إفريقيا
أوضحت الدراسة أن ولاية تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (داعش غرب إفريقيا) تعتمد بشكل ممنهج على أدوات العنف، الترهيب، الضغط الاقتصادي، والدعاية الموجهة لإضعاف سلطة الدولة في منطقة "داراك" المعزولة الواقعة عند ملتقى الحدود بين الكاميرون وتشاد ونيجيريا. وتعد هذه المنطقة الأفقر في الكاميرون، وقد وقعت لسنوات تحت نير جماعة بوكو حرام المتمردة وفرعها الأقوى "داعش غرب إفريقيا".
وأشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن ضعف التكامل الوطني والإهمال الحكومي المزمن أسهما بشكل مباشر في تفاقم أعمال العنف وجذب المهربين وشبكات الجريمة المنظمة. وعزز من هذا التهديد التداخل الجغرافي والثقافي مع شمال شرقي نيجيريا، وانتشار التفسيرات المتشددة، فضلا عن تداعيات الحرب الأهلية التشادية.
وفي تقرير صدر في حزيران/يونيو 2026، لفت المعهد إلى أن التنظيم الإرهابي يخضع السكان المحليين لقوانينه الصارمة، أبرزها فرض ضرائب قسرية لإثبات الولاء وتوفير موارد مالية. في المقابل، واجه الأهالي انتهاكات مزدوجة؛ إذ عمدت قوات الأمن المحلية، في محاولاتها للتصدي للإرهابيين، إلى ممارسات قاسية شملت مصادرة ممتلكات المدنيين كالزوارق والهواتف بحجة تعاونهم المفترض مع المتشددين.
استغلال الأيديولوجيا والبيئة الجغرافية الوعرة
تستخدم الجماعات الإرهابية الفكر المتشدد لترسيخ نفوذها؛ حيث روجت في القرى بأن فيضانات عام 2024 التي دمرت البنية التحتية كانت عقابا إلها لسخط الله على الأهالي. ويربط الباحثون بين تفشي الإرهاب في الكاميرون وامتداد العنف من دول الجوار مثل نيجيريا وتشاد، مستغلة انعزال المنطقة وطبيعتها الجغرافية التي تكثر فيها الممرات المائية المتعرجة والجزر المأهولة التي تضمن للمتمردين مسارات سرية لتنقل الأفراد والأسلحة والمؤن.
ولا تزال جماعة بوكو حرام نشطة بدورها؛ إذ أشار مركز جيمستاون البحثي إلى أنه بعد فقدان معقلها في غابة سامبيسا بنيجيريا عام 2021، حولت أنشطتها نحو بحيرة تشاد قرب الحدود الكاميرونية، ما دفع القوات الكاميرونية إلى الحفاظ على مواقع أمامية عبر الحدود في نيجيريا ضمن عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب.
وشهدت الفترة بين 2016 و2019 سلسلة هجمات دامية، أبرزها في كانون الثاني/يناير 2016 حين شنت أربع انتحاريات هجوما منسقا على بلدة بودو أسفر عن 35 قتيلا وأكثر من 80 جريحا. وفي تموز/يوليو 2023، قتل إرهابيون ما لا يقل عن 12 شخصا في جزيرة داراك خلال هجمات مباغتة استهدفت الصيادين في ثلاث قرى على الأقل، مما دفع حاكم المنطقة لمطالبة الجيش بالتدخل الفوري والتنسيق مع الميليشيات المحلية.
الأزمة البيئية وتحديات الأمن والاستقرار
تمتعت منطقة بحيرة تشاد تاريخيا بأهمية استراتيجية بالغة لوفرة أسماكها وخصوبة أراضيها، غير أن أرزاق السكان باتت مهددة بشدة جراء تقلص مساحة البحيرة بنحو 90% منذ ستينيات القرن العشرين نتيجة فرط استهلاك المياه، وأساليب الري المهدرة، وموجات الجفاف الطويلة والتغير المناخي.
وفي ظل غياب شبه تام للمسؤولين الحكوميين والبنية التحتية الأساسية، يلجأ عناصر داعش غرب إفريقيا إلى نشر دعايتهم في الأسواق الأسبوعية، مجبرين السكان على منادتهم بـ"دان مالام" (أبناء النبي)، وفرض سيطرتهم بالجلد، والتغريم، والاختطاف، والسجن، ومعاقبة مخالفي قواعدهم المتشددة. كما شن التنظيم هجمات طالت 10 مواقع عسكرية منذ كانون الثاني/يناير الماضي، ألحقت أضرارا بالبنية التحتية للدولة وأدت إلى تفكيك نقاط عسكرية كاميرونية على الحدود.
توصيات بحثية لمواجهة التمدد الإرهابي
يحذر الباحثون من أن التغاضي عن بقاء داعش غرب إفريقيا في المنطقة سيفاقم خطر الإرهاب في شمال البلاد. ويوصون بضرورة تعزيز الوجود العسكري في داراك، وتدريب القوات على خوض العمليات في الأراضي الوعرة والمستنقعات، وتزويدهم بزوارق آلية ومسيرات تكتيكية للمراقبة والقتال لتنفيذ ضربات دقيقة. كما شددوا على أهمية تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة بين نيجيريا والكاميرون لتأمين الحدود بصورة كاملة من الجانبين.
