أنسنة الإبداع أم أيديولوجيا الانغلاق: قراءة نقدية في خطاب الإسلام السياسي وعداء الحداثة
السبت 01/أغسطس/2026 - 06:51 م
طباعة
حسام الحداد
يشهد الفضاء الثقافي والفكري العربي المعاصر اشتباكاً محتدماً ومستمراً بين أفق الإبداع الإنساني المنفتح على الرحابة والتجدد، وبين الخطاب الأيديولوجي المغلق الذي تفرضه تيارات الإسلام السياسي. وتتأتى خطورة هذا الاشتباك من كون الجماعات المتطرفة—وفي مقدمتها تنظيم الإخوان—لا تكتفي بالرفض النظري للحداثة، بل تسعى بشكل ممنهج إلى مصادرة المجال العام، وتأميم الوعي الجمعي، وإجهاض كل محاولات التحديث والنهوض عبر تكفير الفكر ومحاربة حرية القلم. هذا التناقض الجذري بين سكونية التنظيمات الدينية وديناميكية الفن يخلق أزمة بنيوية تهدد الهوية الوطنية والثقافية للأمة من أساسها.
وفي سياق تفكيك هذه الإشكالية، تأتي حلقة برنامج "حديث العرب" على قناة "سكاي نيوز عربية" تحت عنوان "لماذا يعادي الإخوان الأدب والفن والتنوير؟"، لتشكل نافذة تحليلية رصينة واستثنائية. فمن خلال استضافة الإعلامي الدكتور سليمان الهتلان للناقد الأدبي الأكاديمي الدكتور يسري عبد الله، يغوص الحوار بعمق في كشف آليات اشتغال جماعات الإسلام السياسي في تزييف المفاهيم الثقافية، وتوظيف مصطلحات مقولبة مثل "الأدب الإسلامي" لإقصاء الرحابة الإنسانية. كما تمتد المقاربة النقدية للحلقة لتقدم نقداً ذاتياً شجاعاً لمسار مشروع التنوير العربي، مستشرفةً السبيل الأمثل لمواجهة مشاريع الظلام عبر بعث العقل النقدي والانتصار لجماليات السرد والحرية.
وهم الشرعية المزيفة وعلاقة الإسلام السياسي بالثقافة
ينطلق الطرح التحليلي للحلقة من فرضية نقدية مركزية تؤكد أن أي محاولة لربط جماعات الإسلام السياسي، وتحديداً تنظيم الإخوان، بفضاء الأدب والثقافة هي في حقيقتها "علاقة مزيفة" وجوفاء. لا تنبع هذه العلاقة من دافع جمالي أو إنساني أصيل، بل تُمثل نوعاً من التنظير المفتعل الذي تهدف من خلاله هذه الجماعات إلى استجلاب شرعية فكرية واهية تستر بها طبيعتها المنغلقة، وتتخذ عبرها مظلات توظفها لتمرير أهدافها الأيديولوجية تحت غطاء ثقافي مخاتل.
يتجلى التناقض الجذري بين بنية هذه الجماعات وجوهر الإبداع في تعاطيها مع مفهوم الحقيقة؛ إذ تتمترس الجماعات الدينية المتطرفة حول أفكار سابقة التجهيز وتنظر إلى العالم بمنظور سكوني وثابت باعتبارها مالكة للحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش. في المقابل، يرتكز الأدب والفن على رؤية انسانية متسعة تتسم بالنسبية والتحول والديناميكية المستمرة، وتنظر إلى الوجود من زوايا متعددة ومتحولة، وهو ما يجعل هذه التيارات ترى في طبيعة الأدب الحقيقي تهديداً وجودياً لصلابة أفكارها المجمّدة.
هذا التضاد البنيوي بين ثبات الجماعات وديناميكية الفكر يفسر النهج العدواني الذي تتبعه تلك التيارات في التعاطي مع الإنتاج الفكري والتنويري؛ إذ تواجه التفكير الحر بالتكفير، وتلجأ لمجابهة قوة القلم والحجة بحد السيف أو الرصاص. ويرى التحليل أن هذه الممارسات لم تكن سوى حلقات في مسلسل طويل ومأساوي استهدف إفشال مشاريع التحديث والنهضة في العالم العربي، عبر إجهاض أي حراك عقلي أو نقدي يهدد هيمنتها المطلقة على الفضاء المجتمعي.
تستند هذه الممارسات الإقصائية إلى استراتيجية واعية للهيمنة على الخطاب العام، وهو ما يمكن فهمه عبر استدعاء مفهوم "وهم الاستيلاء على المعنى" للمفكر فرانسوا ليوتار. فمن خلال السيطرة على أدوات التوجيه المعرفي، تسعى الجماعات المتطرفة باستمرار إلى مصدراة وتأميم المجال العام، وإزاحة المثقفين المستقلين والأصوات التنويرية المؤثرة خارج دوائر التأثير، بغية تفكيك الهويات الوطنية المتنوعة واستبدالها بهوية أحادية حدية المعنى والدلالة.
فخ "الأدب الإسلامي" وتفتيت الهوية الإنسانية
وقف الدكتور يسري عبد الله بحزم في تفكيكه النقدي أمام إشكالية التسميات المصطنعة والمصطلحات المأدلجة مثل "الأدب الإسلامي" وما يشابهها من تصنيفات دينية أو عقائدية (كالأدب المسيحي، أو البوذي، أو اليهودي، وصولاً إلى التفرعات الطائفية الدقيقة). واعتبر أن هذه المسميات تُمثل اختزالاً تعسفياً لطبيعة المبدأ الإبداعي، ومحاولة مقصودة لتأطير النص الأدبي داخل أسوار ضيقة تبعده عن رحابته الفطرية وتفرغه من مضامينه الإنسانية العامة.
يرتكز الطرح التحليلي على أن الأدب الحقيقي في جوهره هو "رؤية إنسانية شاملة للعالم"، يتشارك فيها البشر جميعاً بغض النظر عن اننتماءاتهم العقائدية أو الأيديولوجية. فالنص الإبداعي الحقيقي يعبر عن هموم الإنسان، وأسئلته الوجودية، وتطلعاته، وأوجاعه بطريقة كونية متسعة، وحين يُخضع هذا النص لمعايير التصنيف الديني أو المذهبي، فإنه يُحرم من صفته الأبديّة ويتحول إلى مجرد خطاب وعظي مغلق.
حين يتحول الأدب من فضاء جمالي وتأملي حر إلى مجرد شعارات أيديولوجية أو أدوات لتكريس رؤية فرقة أو جماعة بعينها، فإنه يفقد في الحالين قيمته النقدية والجمالية. هذا التحول المرضي يصيب النص بالعقم الفني، لأنه يستبدل الدهشة الإبداعية والتساؤل الحر بقوالب جاهزة ومسفّهة لمعنى الجمال، مما يجعل الكاتب أسيراً لتوجيهات تنظيمية أو دينية تفرض عليه ما يجب أن يكتب وكيف يجب أن يفكر.
تكمن الخطورة الكبرى لمفهوم "الأدب الإسلامي" ومقاربابه المشابهة في كونها آليات إضافية تستخدمها الجماعات المتطرفة لمصادرة حرية الكاتب وتقييد اشتباكه مع واقعه. فعندما يُحاصر الأديب داخل هذا الخندق المصطنع، يصبح التمرد على القوالب السائدة تهمة، وتصبح التراجيديا الإنسانية والبحث عن الحقيقة مجرد خروج عن النص الأيديولوجي المحدد سلفاً، وهو ما يقوض جوهر الإبداع القائم بالأساس على الحرية والمحاكمة النقدية المستمرة.
أزمة التنوير العربي.. بين مطرقة التطرف وسندان الافتعال
لم يكتفِ التحليل بوضع المسؤولية الكاملة على عاتق تيارات الإسلام السياسي وحدها، بل غاص أعمق في تشريح الواقع الثقافي عبر توجيه نقد ذاتي شجاع وموضوعي لمسار "مشروع التنوير العربي". فقد اعترف الطرح بأن هذا المشروع قد واجه إخفاقات بنيوية واضحة على مدار مسيرته التاريخية، وهو إخفاق لا يمكن فهمه بمعزل عن تقاطع عوامل خارجية تفرضها قوى الظلام، وأخرى داخلية ترتبط بمدى كفاءة وحضور النخبة المثقفة نفسها في قيادة الشارع نحو الاستنارة.
تتمثل المحطة الأولى في هذا الإخفاق بالضغوط الهائلة والمحاولات المستميتة التي تقودها التيارات المتطرفة لمصادرة المجال العام وتأميمه، وتقويض أية محاولات حقيقية لبناء ثقافة وطنية مستقلة. هذا الإرهاب الفكري والمجتمعي خلق حالة من الاختناق المستمر أمام أي صوت استناري، مما جعل عملية نشر قيم التحديث والعقلانية تسبح دائماً ضد تيار جارف من الاستبداد الأيديولوجي الذي يرفض مجرد مجابهة أفكاره بالنقاش.
على الجانب الآخر، لم يعفِ التحليل بعض المثقفين من المسؤولية، محذراً من انزلاقهم نحو أساليب مشوهة تتمثل في "صدم المشاعر العامة للجماهير بطريقة مفتعلة". وأكد الناقد أن هذا الاستفزاز المجاني—الذي يُمارس أحياناً بغرض البحث عن "الترند" أو لفت الانتباه الإعلامي السريع—يأتي بنتائج عكسية مدمرة؛ إذ ينفر الجماهير ويمنح التيارات المتطرفة مبررات إضافية لتأليب الشارع ضد التنوير، فرق فرقاً شاسعاً بين الاستفزاز البناء الذي يخدم فكرة ومشروعاً عقلانياً، والافتعال الذي يفتقر إلى العمق والاتساق.
اختتم هذا المحور بالتأكيد على المرتكز الأساسي لأي تنوير حقيقي مستنداً إلى فلسفة إيمانويل كانط، والمتمثل في إرساء دعائم "العقل النقدي"؛ وهو تلك الشجاعة الواعية في استخدام العقل بحرية ومساءلة التراث والواقع بلا خوف. يهدف هذا العقل إلى كسر حالة "الاستطفاء" وهالة القداسة المصطنعة التي تسبغها الجماعات المتطرفة على الماضي، محاولةً سجن وجدان الجماهير في سيكولوجيا حنين عمياء تعطل قدرتهم على الفعل والتفكير في الحاضر والمستقبل.
الرواية، التاريخ، وسلطة النص
وقفت الحلقة بتمعن أمام الظاهرة البارزة المتمثلة في عودة الرواية التاريخية إلى صدارة المشهد الإبداعي المعاصر، متسائلة عن أسباب هذا الإقبال المتزايد من قبل الكتاب والقرّاء. وفي هذا السياق، وضع الناقد يسري عبد الله فاصلاً منهجياً وجمالياً دقيقاً بين طبيعة عمل "المؤرخ" وطبيعة عمل "الروائي"؛ فالمؤرخ يتحرك في مساحة التسجيل والتوثيق الصارم للوقائع والأحداث كما حدثت فعلياً، بينما ينهض عمل الكاتب الروائي على حرية التخييل الفني وإعادة بناء العوالم الإنسانية وفق رؤية جمالية مستقلة لا تتقيد بحرفية التدوين التاريخي.
أكد الطرح النقدي أن الرواية التاريخية الرصينة والناجحة لا تكتفي بنقل وقائع غابرة منقطعة الصلة بالزمن المعاصر، بل تقف دائماً على قدمين راسختين: قدم في أعماق التاريخ وأزمنته البعيدة، وقدم أخرى في قلب الواقع الحي. يتم ذلك عبر توظيف آليات الإسقاط الرمزي بحرفية عالية، بحيث يتخذ الكاتب من الحكاية التاريخية نافذة أو مرآة خافتة يطل من خلالها القارئ في "الآن وهنا" على مآزق حاضره ومشاكله الراهنة، ليفهم تفاصيل واقعه بوعي وعمق أكبر.
انتقل التحليل بعد ذلك لمقاربة إشكالية بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الأدب والسلطة في العالم العربي، مفككاً النظرة النمطية التي تفرض على الكاتب أن يكون في حالة صدام شخصي مباشر ليُعتبر كاتباً مستقلاً. واستُشهد في ذلك بالنموذج العبقري للروائي العالمي نجيب محفوظ، الذي لم يكن في حياته اليومية معارضاً صدامياً بالمعنى المباشر، غير أن منجزه السردي العظيم كان يحمل في جوهره أسمى معايير المساءلة النقدية للسلطة والاستبداد.
تجلّت عبقرية هذا النموذج في روايات محفوظ الخالدة مثل صرصره فوق النيل، وميرامار، واللص والكلاب؛ حيث استخدم الرموز الاجتماعية والشخصيات المكثفة (كالأعمدة والعوامات وبنسيونات التحول) لتقديم تمثيل جمالي رفيع يعري أزمات النخبة ومجتمعات الهوان والغياب. وقد نجحت هذه النصوص في الانتصار للحرية وقيم التقدم دون أن تنزلق أبداً إلى فخ المباشرة الخطابية أو الشعاراتية الجوفاء، مبرهنة على أن الأدب الحقيقي يملك قوة تأثير أعمق وأبقى بكثير من الصخب السياسي المباشر.
تخلص هذه القراءة التحليلية للحلقة إلى نتيجة جوهرية مفادها أن مواجهة التطرف وحماية الهوية الإنسانية لا يمكن أن يتحققا إلا بتعزيز ثقافة وطنية مستنيرة، وإحياء العقل النقدي القادر على التفكيك والمراجعة الدائمة لكل أشكال الانغلاق الأيديولوجي. إن الكتابة الحقيقية تظل هي "الأثر الباقي" الذي يمنح المجتمع صلابته في وجه مشاريع التسطيح والهيمنة، وتظل المؤسسات الثقافية والأصوات الإبداعية المستقلة هي خط الدفاع الأول والأصلي عن كرامة الإنسان وحريته في معركته الخالدة ضد قوى الظلام والجمود.
