بعد 12 عامًا على الإبادة للإيزيديين.. جرح العراق الذي لم يندمل

الثلاثاء 04/أغسطس/2026 - 11:18 ص
طباعة بعد 12 عامًا على روبير الفارس
 



تحل هذه الأيام الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية التي تعرض لها الكورد الإيزيديون على يد تنظيم "داعش"، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن الحادي والعشرون. ففي فجر الثالث من أغسطس 2014 اجتاح التنظيم منطقة سنجار (شنكال) غرب محافظة نينوى العراقية، مستهدفًا الإيزيديين بسبب معتقدهم الديني، وارتكب عمليات قتل جماعي، واستعباد جنسي، وخطف، وتهجير قسري، في جريمة اعترفت بها الأمم المتحدة وعدد من البرلمانات والحكومات حول العالم بوصفها "إبادة جماعية". 

 الإبادة بالأرقام

رغم اختلاف التقديرات بين الدراسات الأكاديمية والمنظمات الحقوقية، فإن الصورة العامة لحجم المأساة باتت واضحة:حيث  قُتل ما بين 3,100 و5,000 إيزيدي خلال الأيام والأسابيع الأولى للهجوم، بينما تشير دراسة أكاديمية إلى أن نحو 3,100 شخص لقوا مصرعهم، نصفهم تقريبًا أُعدم ميدانيًا، والبقية ماتوا عطشًا وجوعًا وإصابات أثناء حصار جبل سنجار. 
و اختُطف نحو 6,800 إيزيدي، معظمهم من النساء والأطفال، وتعرضوا للبيع في أسواق الرق والاستعباد الجنسي والعمل القسري والتجنيد الإجباري. 
و نزح ما يقرب من 400 ألف إيزيدي من سنجار خلال الهجوم، ولا يزال عشرات الآلاف منهم يعيشون في مخيمات النزوح أو في المهجر. 
و دُمِّرت عشرات القرى والمزارات الدينية والمنازل، في محاولة لمحو الوجود الديني والثقافي للإيزيديين. 

 النساء.. الضحايا الأكبر

شكّلت النساء والفتيات الإيزيديات الهدف الرئيسي لتنظيم داعش، إذ جرى بيع آلاف منهن في أسواق النخاسة، وتعرضن للاغتصاب والاستعباد الجنسي والتعذيب والإجبار على تغيير الدين والزواج القسري.

ورغم نجاح جهود محلية ودولية في تحرير آلاف المختطفين، فإن مئات الأشخاص ما زالوا في عداد المفقودين حتى اليوم، ولا تزال عائلاتهم تواصل البحث عنهم بعد مرور 12 عامًا. 

الوضع الحالي للإيزيديين

بعد مرور اثني عشر عامًا، لا تزال آثار الإبادة حاضرة بقوة، إذ يواجه الإيزيديون تحديات كبيرة، أبرزها:
اولا  استمرار وجود عشرات الآلاف في مخيمات النزوح.
ثانيا بطء إعادة إعمار سنجار وغياب الخدمات الأساسية.
ثالثا  استمرار الانقسام الأمني والسياسي في المنطقة، مما يعرقل عودة السكان.
رابعا الحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي واسع للناجين، خاصة النساء والأطفال.
خامسا  بطء محاسبة المسؤولين عن الجرائم، رغم صدور أحكام تاريخية في بعض الدول الأوروبية ضد عناصر من داعش بتهمة الإبادة الجماعية. 

 من هم الإيزيديون؟

الإيزيديون جماعة دينية وقومية ذات جذور كردية، يتركز وجودهم التاريخي في شمال العراق، ولا سيما في سنجار وشيخان، إضافة إلى تجمعات في سوريا وتركيا وأرمينيا وجورجيا، فضلاً عن جاليات كبيرة في أوروبا، خاصة ألمانيا.
ويُقدَّر عدد الإيزيديين في العالم بنحو مليون نسمة تقريبًا، مع تراجع أعدادهم في موطنهم الأصلي بسبب الهجرة والنزوح المستمر. 

ماذا يؤمن الإيزيديون؟

الديانة الإيزيدية من أقدم ديانات الشرق الأوسط، وتعد ديانة توحيدية تؤمن بإله واحد خالق للكون، وتؤمن بأن الله أوكل إدارة العالم إلى سبعة ملائكة، أبرزهم "طاووس ملك"، وهو رئيس الملائكة.

وقد تعرض الإيزيديون عبر التاريخ لسوء فهم، إذ اتهمهم البعض زورًا بـ"عبادة الشيطان"، وهو اتهام يرفضه الإيزيديون بشدة، مؤكدين أنهم لا يعبدون سوى الله، وأن "طاووس ملك" ليس الشيطان، بل أحد الملائكة المقربين في معتقدهم.

ويعد معبد لالش في محافظة دهوك أقدس موقع ديني لديهم، ويحجون إليه مرة واحدة على الأقل في حياتهم إذا استطاعوا ذلك. كما لا تقبل الديانة الإيزيدية اعتناقها من خارج أبنائها، ويُعد الانتماء إليها بالولادة. 

اعتراف دولي بالإبادة

اعترفت الأمم المتحدة، عبر لجنة التحقيق الخاصة بسوريا، بأن تنظيم داعش ارتكب إبادة جماعية بحق الإيزيديين، كما اعترفت عدة دول وبرلمانات، منها ألمانيا وفرنسا وكندا وهولندا وبلجيكا وأستراليا، بهذه الجريمة باعتبارها إبادة جماعية، في حين تتواصل الجهود الدولية لتوثيق الجرائم وملاحقة مرتكبيها أمام القضاء. 

 ذاكرة لا تموت

تمثل الذكرى الثانية عشرة لإبادة الإيزيديين مناسبة لتجديد المطالبة بكشف مصير جميع المفقودين، وإعادة إعمار سنجار، وضمان عودة النازحين بكرامة، وتقديم الدعم للناجين، ومحاسبة جميع المتورطين في الجرائم التي هدفت إلى اقتلاع مجتمع كامل من جذوره. وبعد اثني عشر عامًا، لا يزال الإيزيديون يرون أن العدالة الكاملة لم تتحقق بعد، وأن الحفاظ على ذاكرة الضحايا هو الضمانة الأهم لمنع تكرار مثل هذه المآسي.

شارك