من المخا إلى مأرب.. كيف يسعى الحوثيون لتوسيع نفوذهم في اليمن؟

السبت 15/أغسطس/2026 - 10:52 ص
طباعة من المخا إلى مأرب.. فاطمة عبدالغني
 
في ظل تصاعد المواجهات على أكثر من جبهة يمنية، تبدو تحركات الحوثيين أبعد من مجرد عمليات عسكرية محدودة، إذ تتقاطع أهدافهم بين الضغط على القوات الحكومية في الساحل الغربي، ومحاولة التأثير على موارد الطاقة في مأرب، وتعزيز قدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر. 
ويرى تقرير تحليلي نشرته وكالة شيبا للاستخبارات أن هذا التصعيد يرتبط برؤية أوسع تسعى من خلالها الجماعة إلى تحسين موقعها العسكري والسياسي داخل اليمن، ورفع كلفة أي تحرك إقليمي ضدها.

ويأتي استهداف ميناء المخا بستة صواريخ باليستية وفق التقرير، ضمن حملة متواصلة يستخدم فيها الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، ولا تقتصر أهمية المخا على كونها ميناءً مدنيًا وتجاريًا، إذ تمثل أيضاً مركزاً لوجستياً للقوات الحكومية وبوابة بحرية مهمة لوجودها على الساحل الغربي.

المخا وباب المندب.. الضغط على الساحل الغربي

يرى تحليل وكالة شيبا للاستخبارات أن تكرار الهجمات على المخا يمكن أن يهدف إلى إضعاف البنية اللوجستية للقوات الحكومية، وتعطيل حركة الإمدادات، ورفع تكلفة استخدام الميناء، بما قد يمهد لزيادة الضغط العسكري على المناطق الساحلية.

وتعزز تحركات تعزيزات حوثية من ذمار ومناطق أخرى باتجاه تعز والساحل الغربي بحسب التقرير، احتمال وجود استعدادات لعمليات عسكرية أوسع، لكن السيطرة المباشرة على باب المندب تظل مهمة أكثر تعقيداً، لأنها تتطلب تجاوز خطوط دفاع متعددة وتأمين طرق إمداد يمكن استهدافها.

لذلك، قد لا يكون الهدف الفوري للحوثيين هو السيطرة الميدانية الكاملة على المضيق، وإنما فرض سيطرة نارية على المنطقة المحيطة به، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تعطيل ميناء المخا، وتهديد الملاحة القريبة، وإجبار شركات الشحن على التعامل مع المنطقة باعتبارها بيئة عالية المخاطر.

وبهذه الطريقة، تستطيع الجماعة تحقيق مكاسب استراتيجية من دون الحاجة إلى خوض معركة واسعة للسيطرة على كامل المنطقة الجغرافية المحيطة بباب المندب.

مأرب.. النفط والغاز في قلب المعركة

يتزامن التصعيد على الساحل الغربي مع تجدد المواجهات في مأرب، التي تمثل واحدة من أهم مراكز القوة العسكرية والاقتصادية للحكومة اليمنية.

وتكمن أهمية مأرب في مواردها النفطية والغازية، فضلاً عن موقعها الذي يجعلها نقطة اتصال مهمة باتجاه المحافظات الشرقية المنتجة للطاقة، ولذلك فإن إضعاف سيطرة الحكومة على مأرب لا يعني مجرد تحقيق مكسب عسكري، بل يمكن أن ينعكس أيضاً على مصادر الإيرادات والقدرة الاقتصادية للحكومة.

ومن هذا المنظور، يربط تحليل وكالة شيبا للاستخبارات بين الضغط على الساحل الغربي والتحركات في مأرب ضمن مسار استراتيجي واحد: التأثير على خطوط الملاحة الدولية من جهة، ومصادر الطاقة والإيرادات الحكومية من جهة أخرى.

وإذا تمكن الحوثيون من تحقيق مكاسب في أي من المسارين، فقد يعزز ذلك موقفهم في أي مفاوضات مستقبلية، بينما سيؤدي الجمع بين الضغط على باب المندب ومأرب إلى تغيير أكبر في موازين القوة داخل اليمن.

الضغط على السعودية عبر البحر الأحمر

تكتسب منطقة باب المندب أهمية إضافية بالنسبة إلى السعودية، خصوصاً مع اضطراب طرق الملاحة والطاقة في المنطقة، وزيادة أهمية المسارات التي تربط صادرات المملكة بساحل البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، فإن تهديد المخا والموانئ القريبة والممرات البحرية جنوب البحر الأحمر يمكن أن يمثل وسيلة ضغط غير مباشرة على الرياض، وليس من الضروري أن يسعى الحوثيون إلى إغلاق باب المندب بصورة كاملة، فمجرد رفع تكاليف التأمين، وزيادة مخاطر عبور السفن، وتهديد السفن المرتبطة بالسعودية يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً وسياسياً ملموساً.

وتكمن خطورة هذا النوع من الضغط في أن تأثيره يتجاوز ساحة المعركة اليمنية، إذ يمكن أن يمتد إلى شركات الشحن وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، بما يمنح الحوثيين ورقة إضافية في مواجهة خصومهم.

التصعيد الحوثي في سياق المواجهة مع إيران

لا ينفصل التصعيد اليمني عن التوتر الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، وفق قراءة وكالة شيبا للاستخبارات، فتعزيز الضغط على باب المندب يمكن أن يمنح طهران ورقة إضافية بالتزامن مع التوتر حول مضيق هرمز، بما يضع اثنين من أهم الممرات البحرية المرتبطة بالطاقة والتجارة تحت ضغط متزامن.

وتوفر طبيعة العلاقة بين إيران والحوثيين لطهران إمكانية توسيع نطاق الضغوط الإقليمية من خلال حليف مسلح خارج الأراضي الإيرانية، بينما يستفيد الحوثيون من اتساع دائرة الصراع لتقديم تحركاتهم باعتبارها جزءاً من مواجهة إقليمية أكبر.

لكن هذا المسار يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، فاستمرار التصعيد قد يدفع الأطراف المناوئة للحوثيين إلى توحيد جهودها وفتح جبهات متعددة، ما يمكن أن يحد من قدرة الجماعة على تركيز قوتها في مناطق محددة.

ويرى المراقبون أن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في سيطرة الحوثيين السريعة على باب المندب، وإنما في قدرتهم على فرض نفوذ تدريجي من خلال القوة النارية، فاستمرار استهداف ميناء المخا، واستنزاف الدفاعات، وتهديد السفن التجارية، قد يحقق للجماعة أهدافاً استراتيجية حتى من دون السيطرة المباشرة على الأراضي المحيطة بالمضيق.

وفي المقابل، فإن احتواء هذا المسار يتطلب من القوات الحكومية منع الحوثيين من تركيز قواتهم على المخا أو مأرب، عبر ضغط متزامن على عدة جبهات، بينها غرب تعز والساحل الغربي ومأرب والضالع ولحج والجبهات الشمالية.

وبحسب هذا التقدير، فإن توحيد القيادة وتنسيق العمليات بين الجبهات قد يكون العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة، لأن تشتيت القوات والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية سيقلل قدرتها على مواصلة الضغط في الوقت نفسه على باب المندب ومأرب والساحل الغربي، ويجعل تكلفة التصعيد المستمر أعلى على الجماعة.

شارك