المغطس 2030.. الأردن يستعد لاحتفال عالمي بمرور ألفي عام على معمودية المسيح

الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 11:17 ص
طباعة المغطس 2030.. الأردن روبير الفارس
 


على ضفاف نهر الأردن، حيث يُنسب إلى موقع «بيت عنيا عبر الأردن» المعروف باسم المغطس أنه المكان الذي اعتمد فيه السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، بدأ الأردن مبكرًا في الاستعداد لحدث استثنائي: الاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح، في مناسبة يُراد لها أن تتجاوز حدود الاحتفال الديني لتصبح محطة عالمية للحج المسيحي والسياحة الروحية والحوار بين الثقافات.

وتحوّل «المغطس» خلال السنوات الأخيرة إلى محور مشروع وطني وديني وسياحي واسع، خصوصًا بعد إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. ويقع الموقع على الضفة الشرقية لنهر الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات شمال البحر الميت، ويضم بقايا كنائس وأديرة وأحواض معمودية وممرات للحجاج تعود إلى عصور مختلفة. 

وفي أحدث خطوات الاستعداد، وجّه الملك عبدالله الثاني، في مايو 2026، الحكومة الأردنية إلى تبني ودعم مبادرة إحياء الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، التي تقدم بها مجلس رؤساء الكنائس في الأردن. وأكد الملك أن خطة العمل ينبغي أن تركز بصورة خاصة على تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات التشغيلية في موقع المغطس، بما يتيح استقبال أعداد أكبر من الحجاج والزوار من الأردن والعالم. 

وتحمل المبادرة طابعًا كنسيًا ودوليًا، إذ لا تقتصر الاستعدادات على الجانب السياحي، وإنما تشمل تنظيم فعاليات واحتفالات دينية مرتبطة بذكرى المعمودية، والتواصل مع الكنائس والمنظمات المسيحية في مختلف أنحاء العالم، وتشجيع المؤمنين على القدوم إلى المكان الذي ارتبط ببداية خدمة المسيح العلنية، بحسب التقليد المسيحي.

ومن أبرز محاور الخطة تطوير ما يُعرف بـ«منطقة المغطس التنموية» المحيطة بالموقع الأثري المقدس. وكانت السلطات الأردنية قد أطلقت في ديسمبر 2022 المخطط الهيكلي الشامل لتطوير مساحة تبلغ نحو 1374 دونمًا، مع التأكيد على أن المنطقة الأثرية المقدسة نفسها ستظل محمية وغير خاضعة للتطوير العمراني الذي يمس طبيعتها وروحانيتها. ويتضمن المخطط إنشاء قرية للحجاج ومتحف ومرافق لخدمة الزائرين، إلى جانب مسارات ومكونات سياحية وروحية جديدة. 

وتكتسب فكرة إنشاء متحف في الموقع أهمية خاصة، إذ من المقرر أن يكون مساحة للتعريف بتاريخ المعمودية وتطور الحج المسيحي في المنطقة، وأن يمثل بوابة معرفية وروحية تقود الزائر إلى موقع المعمودية ونهر الأردن. ومن المخطط أن يفتتح المتحف في عام 2030 بالتزامن مع الاحتفال بمرور ألفي عام على معمودية المسيح. 

وفي مايو 2026، اتخذ الأردن خطوة أخرى ذات دلالة دينية وأكاديمية بافتتاح «جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية» في موقع المعمودية، بحضور الملك عبدالله الثاني. وتستهدف الجامعة توفير مساحة للتعليم والبحث والدراسة، بما يعزز المكانة الدينية والتاريخية للموقع، فيما يُنتظر أن تبدأ استقبال الدارسين في سبتمبر 2026. 

ولا تنظر المملكة إلى احتفال 2030 باعتباره يومًا احتفاليًا عابرًا، بل كمشروع طويل المدى لإعادة وضع الأردن على خريطة الحج المسيحي العالمي. فقد أكدت الجهات المسؤولة أن الهدف هو تطوير «منتج سياحي» متكامل للحج المسيحي، وربط المغطس بمواقع السياحة الدينية الأخرى في المملكة، والترويج لها إقليميًا وعالميًا. 

وتتزامن هذه الاستعدادات مع مشاريع تستهدف تطوير التجربة الكاملة للحاج، بدءًا من الوصول إلى المنطقة، مرورًا بالمرافق والخدمات والإقامة، وصولًا إلى المسارات الروحية التي تقود إلى نهر الأردن. وتشير الجهات المشرفة على المشروع إلى أن تنفيذ مشاريع البنية التحتية يجري على مراحل، بهدف إنجازها قبل حلول عام 2030.

وتحمل المناسبة كذلك بُعدًا يتصل بصورة الأردن في منطقة الشرق الأوسط. فالمملكة تسعى إلى تقديم المغطس باعتباره مكانًا للسلام والتلاقي والحوار، وليس فقط موقعًا أثريًا أو دينيًا، مستفيدة من موقعه في الأرض المقدسة ومن تقليد التعايش الديني الذي تحرص على إبرازه في خطابها الرسمي.

وفي هذا السياق، يصبح عام 2030 موعدًا رمزيًا بالغ الأهمية للمسيحيين في الأردن والعالم. فالمناسبة تستعيد ذكرى حدث محوري في الإيمان المسيحي، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام آلاف وربما ملايين الحجاج لزيارة الموقع الذي ارتبط ببداية رسالة المسيح، بحسب الإيمان والتقليد المسيحي.

وقد أشار مسؤولون أردنيون إلى ضخامة الإمكانات التي يمثلها الحدث، في ظل وجود أكثر من ملياري مسيحي حول العالم، ما يجعل ذكرى الألفية الثانية فرصة استثنائية لتعزيز الحج المسيحي إلى الأردن. 

وبينما تتجه الأنظار إلى عام 2030، يبدو أن الأردن يريد أن يصل إلى تلك اللحظة وقد أصبح «المغطس» أكثر من مجرد موقع للزيارة؛ أن يكون مركزًا عالميًا للحج، ومكانًا حيًا للتأمل والصلاة، ومقصدًا للسياحة الثقافية والروحية، ورسالة سلام تنطلق من ضفاف نهر الأردن إلى العالم.

فبعد ألفي عام من الحدث الذي ارتبط بالمكان، يستعد الأردن لاستقبال العالم من جديد؛ ليس لإحياء ذكرى تاريخية فحسب، وإنما لإعادة تقديم «المغطس» بوصفه جزءًا حيًا من ذاكرة المسيحية، وجسرًا بين الماضي والحاضر، وموقعًا يمكن أن تلتقي فيه العبادة بالتاريخ والسياحة برسالة السلام.

شارك