كسب الخضراء.. عيد العذراء يستعيد ذاكرة المكان في مواجهة آثار الحرب والهجرة بسوريا

الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 11:19 ص
طباعة كسب الخضراء.. عيد روبيرالفارس
 



في كسب، البلدة الأرمنية الخضراء الواقعة في ريف اللاذقية، سوريا  لم يكن الاحتفال بعيد السيدة العذراء هذا العام مجرد مناسبة دينية أو مهرجانًا سياحيًا، بل بدا أشبه باستعادة جماعية لروح المكان، في بلدة تحمل في طبيعتها وذاكرتها وتقاليدها واحدة من أبرز صور التنوع الثقافي والديني في سوريا.

واختُتمت فعاليات مهرجان «كسب الخضراء» بالتزامن مع عيد السيدة العذراء، في احتفال نظمته الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية بالتعاون مع وزارة السياحة ومجلس بلدة كسب، وجمع بين الطقس الكنسي والمظاهر الشعبية والفنية والتراثية. وتنوّعت الفعاليات بين المعارض والحرف اليدوية والفنون الشعبية والموسيقى والكورال، في مشهد شارك فيه أبناء البلدة والوافدون إليها من مناطق سورية مختلفة، إلى جانب زوار من خارج البلاد. 

ويحمل عيد انتقال السيدة العذراء مكانة خاصة في التقليد الأرمني، إذ يرتبط الاحتفال به أيضًا بطقس مباركة العنب، وهو تقليد يجمع بين البعد الروحي والارتباط بالأرض ومواسمها. وبعد القداس الإلهي، تُبارك ثمار العنب بوصفها رمزًا للحصاد والخير، في تقليد احتفظت به الكنيسة الأرمنية وأدخلته في صميم احتفالاتها الدينية 

وفي كسب، اكتسب هذا التقليد معنى إضافيًا؛ فالأرض ليست مجرد خلفية للاحتفال، وإنما جزء من ذاكرة الجماعة الأرمنية وهويتها. لذلك تبدو عودة الأغاني والرقصات والموسيقى والحرف التقليدية إلى الساحات، إلى جانب الصلوات والطقوس الكنسية، بمثابة تأكيد على أن الثقافة المحلية لا تزال قادرة على استعادة حضورها رغم سنوات طويلة من الاضطراب.

لكن خلف المشهد الاحتفالي تقف ذاكرة ثقيلة صنعتها الحرب السورية. فقد دفعت سنوات الصراع أعدادًا كبيرة من المسيحيين إلى مغادرة البلاد، سواء بحثًا عن الأمان أو بسبب تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي ترك أثرًا واضحًا على كثير من البلدات والقرى المسيحية، وعلى قدرتها على الحفاظ على أعداد سكانها وتقاليدها بصورة طبيعية.

ولم تكن كسب بعيدة عن هذه التحولات. فالحرب وما رافقها من موجات نزوح وهجرة أثّرت في النسيج الاجتماعي للبلدة، وغيّرت طبيعة حضور جزء من أبنائها الذين أصبحوا يعيشون خارج سوريا. ومع ذلك، ظلت الصلة بالمكان قائمة لدى كثير من أبناء كسب في المهجر، وهو ما يجعل المناسبات الدينية والثقافية فرصة للعودة، ولو بصورة مؤقتة، إلى البلدة التي تمثل بالنسبة إليهم جزءًا أساسيًا من الذاكرة والهوية.

وتشير معطيات ودراسات حديثة إلى أن تراجع أعداد المسيحيين في سوريا لم يعد مرتبطًا بالحرب وحدها، وإنما أصبح نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وأمنية دفعت مزيدًا من العائلات إلى الهجرة، وسط مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوجود المسيحي في البلاد. 

ومن هنا تكتسب الفعاليات الثقافية في كسب أهمية تتجاوز حدود الاحتفال. فإقامة مهرجان يجمع الطقس الديني بالتراث والفن والحياة الاجتماعية تعني أن البلدة تحاول أن تقول إن هويتها ليست مجرد ذكرى محفوظة في الكتب أو الكنائس، بل حياة مستمرة يمكن أن تتجدد في الشوارع والساحات وبين الأجيال الجديدة.

كما أن استمرار النشاط الثقافي الأرمني في كسب يؤكد وجود محاولات لإعادة بناء الحياة المجتمعية بعد سنوات الحرب. وفي يونيو 2026، شهدت البلدة افتتاح مركز جديد لفرع «هامازكايين» الثقافي، بالقرب من كنيسة القديسة العذراء، ليكون مساحة للمعرفة والثقافة وخدمة الأجيال الجديدة، في خطوة تعكس الرغبة في الحفاظ على الحياة الثقافية الأرمنية في البلدة. 

وهكذا جاء «كسب الخضراء» هذا العام في صورة احتفال يحمل أكثر من رسالة. فهو عيد ديني للعذراء، ومهرجان للتراث والطبيعة، ولقاء لأبناء منطقة تفرّق كثير منهم بفعل الحرب والهجرة، وفي الوقت نفسه إعلان عن التمسك بذاكرة المكان.

ففي بلد أنهكته الحرب وخسر جزءًا كبيرًا من تنوعه السكاني، تصبح عودة الناس إلى كنائسهم وقراهم واحتفالاتهم التقليدية فعلًا من أفعال البقاء. وفي كسب، بدا الاحتفال بعيد العذراء وكأنه يقول إن الهجرة قد تفرّق أبناء الجماعة، والحرب قد تغيّر ملامح الحياة، لكن الذاكرة والطقوس والثقافة قادرة على إبقاء الجسر مفتوحًا بين الإنسان وأرضه.

ومن بين أشجار كسب وخضرتها، لم تكن أصوات التراتيل والموسيقى والاحتفالات مجرد مظاهر لعيد عابر، بل صورة لمجتمع يحاول أن يستعيد حياته، وأن يحافظ على حضوره، وأن يترك للأجيال القادمة شيئًا من سوريا التي عرفها أبناؤها بوصفها وطنًا متعدد الأديان والثقافات والطوائف.

شارك