خطر الإرهاب الزاحف: كيف تحولت "حمى الذهب" في زامبيا إلى قنبلة موقوتة تهدد استقرار جنوب إفريقيا؟
الخميس 20/أغسطس/2026 - 12:31 م
طباعة
علي رجب
تجد دول جنوب القارة الإفريقية نفسها اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فبينما تنعم المنطقة نسبيا بالسلام والاستقرار مقارنة ببقاع القارة الأخرى، يلوح في الأفق خطر أمني داهم يتمثل في زحف التنظيمات المتطرفة والتجارة غير المشروعة.
وفي هذا السياق، يحذر الخبراء والباحثون من أن حمى التنقيب العشوائي عن الذهب والموارد الطبيعية قد تحولت إلى قنبلة موقوتة، تستغلها فروع تنظيم داعش في شمال موزمبيق وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لتغذية تمويل أعمال العنف وتوسيع نفوذها العابر للحدود.
تقاطعات الجريمة المنظمة والتطرف العنيف
يشير الباحث الأول ومدير السياسات والبحوث الإقليمية في مركز الجنوب الإفريقي للوساطة ومنع التطرف، تشارلز مويو، في تحليل نشر على موقع "ديفنس ويب" الإلكتروني، إلى أن المنطقة تعيش حالة من القلق المتصاعد. ويوضح مويو أن خطر الاتجار بالذهب والتطرف العنيف يشتد ضراوة بسبب الموقع الجغرافي الحساس لزامبيا، التي تقع على مقربة مباشرة من جمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، إضافة إلى سهولة التنقل عبر الحدود الرخوة. ويهدف التحليل إلى تسليط الضوء على خطورة "حمى الذهب" والتدفقات المالية غير المشروعة وضعف الرقابة، وكيف تسهم هذه العوامل في تفاقم التطرف العنيف ليس فقط في زامبيا، بل في عموم دول جنوب إفريقيا، إلى جانب استعراض التدابير التي يجب على الحكومات اتخاذها لاحتواء هذه الأزمة.
تحركات عسكرية زامبية حاسمة وجهود لمكافحة التعدين غير الشرعي
على الصعيد الميداني، يقود الفريق جيفري زييلي، قائد الجيش الزامبي، جهودا مكثفة وصارمة لمكافحة التعدين العشوائي منذ شهر كانون الثاني/يناير 2025، حين أعلن عن تشكيل قوة مهام متعددة القطاعات تضم عناصر مشتركة من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين. وبحلول منتصف عام 2025، قامت زامبيا بنشر قوات خاصة في المحافظة الشمالية الغربية بهدف طرد صغار المنقبين غير الشرعيين عن الذهب وإعادة فرض سيادة القانون.
وفي بيان رسمي صدر في كانون الثاني/يناير 2026، كشف الفريق زييلي عن معطيات استخباراتية خطيرة تفيد بأن بعض الضالعين في هذه الأنشطة ليسوا منقبين عاديين، بل ينتمون إلى عصابات إجرامية منظمة تتمتع بدرجة عالية من التطور وخضعت لتدريبات عسكرية متقدمة. وأشار إلى رصد الأجهزة الأمنية لوجود مسيرات للمراقبة، وذخائر حية، ومتفجرات، وأسلحة ثقيلة بحوزة تلك العصابات، مما يجعل هذه القضية مصدرا للقلق البالغ على الأمن القومي الزامبي والإقليمي.
دروس مستفادة من الساحل وموزمبيق والكونغو الديمقراطية
لقد أثبت الواقع في مناطق أخرى من القارة، كمنطقة الساحل الإفريقي والكونغو الديمقراطية، وجود روابط وثيقة لا تكذب بين التنقيب العشوائي عن المعادن الثمينة كالكولتان والكوبالت وبين شبكات الميليشيات المسلحة والجريمة المنظمة العابرة للحدود. ويرى مويو أن اللجوء إلى الخيار العسكري أمر مبرر وضروري، نظرا لأن المحافظة الشمالية الغربية في زامبيا الغنية بالذهب متاخمة للكونغو الديمقراطية، فضلا عن قربها الجغرافي من موزمبيق التي تشكل البؤرة الرئيسية للتطرف العنيف في جنوب القارة.
ففي موزمبيق المجاورة، تطورت استراتيجيات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لتتجاوز مجرد استغلال المظالم المتعلقة بالموارد الطبيعية، حيث عمد التنظيم إلى دمج عمليات التنقيب عن الذهب والياقوت والجرافيت مباشرة في خططه العملياتية وآليات التمويل الخاصة به. كما أكدت تقارير دولية وجود علاقات وثيقة بين تجارة الذهب غير المشروعة في زيمبابوي وبين شبكات التهريب، وغسل الأموال، وأعمال العنف التي تمارسها ميليشيات شبه مسلحة. وهو سيناريو تحذر زامبيا بشدة من الوقوع فيه، تفاديا لانفجار أزمة أمنية واسعة النطاق.
سيناريوهات التهديد ومخاطر تجنيد الشباب
يؤكد الخبراء أن استمرار ضعف الأوضاع الأمنية في مناطق التنقيب قدمنح الجماعات المتطرفة القادمة من موزمبيق والكونغو الديمقراطية فرصة ذهبية لاستغلال موارد الذهب لتمويل أنشطتها الإرهابية وتعزيز قدراتها القتالية. وعلى الرغم من عدم وجود رابط مباشر حتى الآن بين حمى الذهب في زامبيا وبين الجماعات الإرهابية، إلا أن البيئة الهشة تسهل على هذه التنظيمات تجنيد الشباب والمجتمعات المحلية داخل مناطق التعدين، مستغلة ظروفهم المعيشية ومظالمهم وقربهم من مراكز السلاح، مما يحتم على حكومات المنطقة صياغة استراتيجية أمنية واقتصادية متكاملة لقطع دابر الإرهاب قبل تمدده.
