العراق يضيق الخناق على ورش الطائرات المسيرة وسط ضغوط أمريكية وخليجية
الجمعة 28/أغسطس/2026 - 11:35 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تدخل الحكومة العراقية مرحلة أكثر حساسية في التعامل مع الفصائل المسلحة، مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية لمنع استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ هجمات بالطائرات المسيرة ضد القوات الأمريكية ودول الخليج وإسرائيل.
مداهمة ورشة لتصنيع الطائرات المسيرة في بغداد
وفي هذا السياق، أعلنت بغداد تفكيك ورشة لتصنيع الطائرات المسيرة في العاصمة، في خطوة تعكس محاولة لاحتواء نشاط الجماعات المسلحة وإعادة فرض سيطرة الدولة على ملف السلاح.
ووفقًا لما أوردته صحيفة "ذا ناشيونال"، جاءت العملية بعد تحركات استخباراتية وموافقة قضائية، وأسفرت عن اعتقال ثلاثة أشخاص وضبط عشرات الهياكل والمعدات المستخدمة في تصنيع وتجميع الطائرات المسيرة، بينما تواصل السلطات التحقيق للكشف عن الجهات المرتبطة بالورشة وموقع آخر يخضع للفحص.
وأفاد أرشد الحكيم، المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني العراقي، إن السلطات صادرت خلال العملية 25 هيكلًا لطائرات مسيرة، إلى جانب معدات ومستلزمات تقنية تستخدم في عمليات التصنيع والتجميع.
وأوضح، بحسب "ذا ناشيونال"، أن العملية شملت أيضًا اكتشاف ورشة متخصصة في تصنيع الألواح والأجزاء المصنوعة من ألياف الكربون، مشيرًا إلى أن السلطات تمكنت من إحباط مراحل الإنتاج قبل اكتمالها.
ولم تكشف الأجهزة العراقية عن هوية الجماعة التي تقف وراء الورشة، مبررة ذلك باستمرار التحقيقات، إلا أن العملية تأتي في ظل مخاوف متزايدة من تحول العراق إلى مركز لإنتاج أو تجهيز طائرات مسيرة تستخدمها فصائل مسلحة مدعومة من إيران في هجمات داخل المنطقة.
وتكتسب هذه الطائرات أهمية متزايدة بالنسبة إلى الجماعات المسلحة بسبب انخفاض تكلفتها وصعوبة اكتشاف بعض أنواعها بواسطة أنظمة الرادار، فضلًا عن إمكانية تصنيعها أو تجميعها في ورش صغيرة ومتفرقة.
وبحسب مسؤولين أمنيين نقلت عنهم الصحيفة، استُخدمت طائرات مسيرة صغيرة معدلة تجاريًا وأخرى أكبر ذات اتجاه واحد في استهداف قواعد أمريكية ومنشآت دبلوماسية داخل العراق، إضافة إلى أهداف في سوريا والأردن ودول خليجية.
هجمات المسيرات تضاعف الضغوط على حكومة بغداد
لا تنفصل مداهمة ورشة الطائرات المسيرة عن ضغوط أوسع تواجهها حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في ظل مطالب أمريكية وخليجية متزايدة بوقف الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة انطلاقًا من الأراضي العراقية.
وتشير "ذا ناشيونال" إلى أن الولايات المتحدة حثت بغداد مرارًا على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الجماعات التي تستهدف القوات الأمريكية أو شركاء واشنطن في المنطقة، محذرة من أن استمرار هذه الهجمات يمكن أن ينعكس على استقرار العراق وعلاقاته مع دول الخليج.
وفي المقابل، تواجه الحكومة العراقية حسابات سياسية داخلية معقدة، إذ إن عددًا من الفصائل المسلحة التي يُطلب ضبط نشاطها يرتبط بهيئة الحشد الشعبي، وهي مؤسسة معترف بها ضمن المنظومة الأمنية العراقية، كما تمتلك بعض هذه الجماعات نفوذًا سياسيًا وبرلمانيًا.
وتزداد صعوبة الموقف مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأمريكية ضمن الترتيبات الخاصة بإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق، وترى بغداد أن معالجة ملف السلاح يجب أن تتم بالتوازي مع إعادة تنظيم العلاقة الأمنية مع القوات الأجنبية.
قيادة جديدة لتأمين الحدود السعودية
وفي محاولة للحد من المخاطر الأمنية وطمأنة دول الجوار، اتخذت بغداد خطوات لتعزيز حماية المناطق الحدودية، بعد اتهامات بتورط فصائل عراقية في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت السعودية.
وكانت غارات جوية أمريكية وسعودية قد استهدفت في أواخر الشهر الماضي مواقع تابعة لقوات الحشد الشعبي، بحسب ما أوردته "ذا ناشيونال"، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلًا وإصابة آخرين، في تصعيد يعكس حساسية ملف الهجمات العابرة للحدود.
وعقب ذلك، أمر رئيس الوزراء العراقي بإنشاء قيادة جديدة لقوات البادية في محافظة المثنى لتأمين المناطق الصحراوية والحدودية، وقال اللواء يحيى رسول، المتحدث باسم وزارة الدفاع، إن القيادة الجديدة ستغطي مساحة واسعة تبلغ نحو 380 كيلومترًا مربعًا، وهي مناطق يُعتقد أن طائرات مسيرة أُطلقت منها.
ويحمل تعزيز الانتشار الأمني على الحدود رسالة إلى السعودية ودول الخليج مفادها أن بغداد تسعى إلى منع استخدام أراضيها منصة لتهديد دول الجوار، خصوصًا في وقت يرتبط فيه التعاون الاقتصادي والأمني بين العراق ودول المنطقة بمدى قدرة الحكومة العراقية على ضبط حدودها.
نزع سلاح الفصائل.. اختبار صعب أمام الدولة العراقية
ويمثل ملف السلاح خارج سيطرة الدولة التحدي الأكبر أمام الحكومة العراقية، خصوصًا مع مطالبة واشنطن ودول خليجية بإنهاء الهجمات المنطلقة من العراق، مقابل رغبة بغداد في تجنب مواجهة داخلية مع الفصائل المسلحة.
وأكد صباح النعمان، المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء، أن الفصائل المسلحة أدت دورًا مهمًا في مواجهة تنظيم داعش، لكن الظروف الحالية تستدعي وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة مؤسسات الدولة.
ونقلت "ذا ناشيونال" عنه تأكيده أن استخدام السلاح خارج إطار الدولة غير مسموح، مع التشديد على أن الحكومة تفضل الوصول إلى هذا الهدف من خلال التفاوض والتنظيم بدلًا من اللجوء إلى حملة قسرية قد تفتح مواجهة داخلية.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة بغداد تحقيق معادلة دقيقة: الاستجابة للمطالب الدولية والإقليمية المتعلقة بحصر السلاح، مع الحفاظ على التوازن السياسي الداخلي وتجنب صدام مباشر مع جماعات تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا.
كما أن ربط ملف نزع السلاح بانسحاب القوات الأمريكية يضيف بُعدًا آخر إلى القضية، إذ تسعى بغداد إلى تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على تولي المسؤولية الأمنية تدريجيًا، في وقت يعاد فيه ترتيب الوجود العسكري الدولي في البلاد.
بغداد أمام اختبار السيطرة على السلاح
ويرى المراقبون أن تفكيك ورشة تصنيع الطائرات المسيرة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة المشكلة الأوسع المرتبطة بانتشار السلاح وقدرة الفصائل المسلحة على تنفيذ عمليات داخل العراق وخارجه.
فالاختبار الحقيقي أمام حكومة بغداد يتمثل في قدرتها على تحويل هذه الإجراءات المحدودة إلى سياسة مستدامة تضمن عدم استخدام الأراضي العراقية لاستهداف القوات الأجنبية أو دول الجوار، دون أن يؤدي ذلك إلى صدام داخلي يهدد الاستقرار السياسي والأمني.
وتبدو الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة التعقيد، فكلما زادت قدرتها على ضبط الحدود وملاحقة ورش تصنيع المسيرات، عززت ثقة الولايات المتحدة ودول الخليج بها، بينما قد يؤدي التشدد في مواجهة الفصائل إلى فتح جبهة سياسية وأمنية داخلية.
ومن ثم، فإن نجاح بغداد لن يقاس فقط بعدد ورش الطائرات المسيرة التي يتم تفكيكها، وإنما بقدرتها على فرض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل المسلحة والمؤسسات الأمنية، بما يمنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
