ترامب يصعّد اقتصاديًا ضد إيران.. هل تنجح العقوبات حيث فشل الخيار العسكري؟

الجمعة 28/أغسطس/2026 - 01:40 م
طباعة ترامب يصعّد اقتصاديًا فاطمة عبدالغني
 
تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، مع انتقال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الضغط العسكري إلى تشديد الخناق الاقتصادي على طهران، في محاولة لقطع مصادر تمويلها ودفعها إلى تقديم تنازلات سياسية دون الانزلاق مجددًا إلى حرب واسعة في المنطقة.

وبحسب تقرير نشره موقع "العربي الجديد"، أعلنت إدارة ترامب في 24 أغسطس عن "عملية المنبوذ الاقتصادي"، وهي حملة عقوبات تستهدف شبكات النفط والتمويل والتجارة المرتبطة بإيران، إلى جانب برامجها النووية والصاروخية والأنشطة السيبرانية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية متراكمة، بينما تراقب دول الخليج تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني، خصوصًا مع احتمال انتقال المواجهة من المجال الاقتصادي إلى ساحات إقليمية أكثر حساسية.

"المنبوذ الاقتصادي".. واشنطن تصعّد الضغط على طهران

تستهدف الحملة الأمريكية الجديدة أكثر من 60 فردًا وشركة وسفينة مرتبطة بالاقتصاد الإيراني وشبكات تصدير النفط ومصادر الإيرادات، مع تركيز خاص على القنوات التي تستخدمها طهران للحصول على التكنولوجيا وتحويل الأموال والالتفاف على العقوبات.

ولا تتوقف الاستراتيجية عند الكيانات الإيرانية، إذ تحذر واشنطن الشركات والدول التي تواصل التعامل مع طهران من احتمال تعرضها لعقوبات ثانوية، قد تمتد إلى قطاعات الشحن والطيران والتكنولوجيا والذهب والأصول الرقمية.

وتبرز الصين في قلب هذه المعادلة، باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني المُصدر، إذ تشير المعطيات التي أوردها "العربي الجديد" إلى أن الصين تستحوذ على نحو 90% من الصادرات النفطية الإيرانية، ومع ذلك لم تعلن واشنطن حتى الآن إجراءات محددة تستهدف البنوك أو الشركات الصينية، وهو ما يعكس حساسية المواجهة الاقتصادية بين أكبر قوتين عالميتين.

ويرى مراقبون أن نجاح الحملة لن يتوقف على حجم العقوبات المعلنة فقط، وإنما على قدرة الولايات المتحدة على إغلاق القنوات غير الرسمية التي تستخدمها إيران منذ سنوات للالتفاف على العقوبات.

وتواجه طهران بالفعل تضخمًا مرتفعًا وتراجعًا في قيمة العملة وارتفاعًا في الأسعار والبطالة، إلى جانب أزمات مرتبطة بالكهرباء وتكاليف المعيشة، ومن المرجح أن يؤدي تشديد العقوبات إلى زيادة الضغوط على المواطنين الإيرانيين، إلا أن السؤال الأصعب يبقى: هل يمكن تحويل هذا الضغط الاقتصادي إلى تنازل سياسي من جانب القيادة الإيرانية؟

وفي هذا السياق، نقل "العربي الجديد" عن الصحفية نيجار مرتضوي أن عودة ترامب إلى الضغط الاقتصادي ترتبط باعتقاده بأن القوة العسكرية لم تحقق الانتصار الذي كان متوقعًا منها، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن وسيلة أقل كلفة سياسيًا في الداخل.

الإمارات.. بوابة رئيسية في الخناق الاقتصادي على إيران

تمثل الإمارات، ودبي بصورة خاصة، نقطة محورية في استراتيجية الضغط على إيران، بالنظر إلى العلاقات التجارية والمالية الممتدة بين الجانبين والدور الذي لعبته الإمارات تاريخيًا كمركز لإعادة التصدير إلى السوق الإيرانية.

وقبل إعلان "عملية المنبوذ الاقتصادي" بفترة قصيرة، أعلنت الإمارات تعليق تجارتها مع إيران، في أعقاب الهجمات الصاروخية الباليستية التي شنتها طهران.

ونقل "العربي الجديد" عن المحلل الجيوسياسي السعودي محمد الحمد أن القرار الإماراتي يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حجم التجارة الثنائية نفسها، خصوصًا إذا امتد إلى القنوات المصرفية والمالية وشبكات الوساطة التجارية.

كما أشار ديفيد دي روش، الأستاذ في معهد ثاير مارشال، إلى أهمية الدور الإماراتي في تضييق الخناق المالي على إيران، معتبرًا أن قطع العلاقات المصرفية والمالية يمثل عنصرًا أساسيًا في فعالية حملة الضغط الأمريكية.

وتراهن واشنطن على استهداف ما يمكن وصفه بـ"شرايين الاقتصاد الإيراني الخارجية"، بما يشمل الوسطاء والشركات الواجهة وشبكات إعادة التصدير والأصول الرقمية، لأن تضييق هذه المسارات يرفع تكلفة التحايل على العقوبات ويجعل نقل الأموال أكثر صعوبة.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في التنفيذ، إذ يرى الحمد، وفقًا لما أورده "العربي الجديد"، أن فعالية الإجراءات ستظل محدودة ما لم يصاحبها تشديد للرقابة على المعاملات المالية وتحويلات الأموال والعملات المشفرة والشركات الوهمية وآليات الدفع غير الرسمية في المنطقة.

دول الخليج بين الالتزام بالتحالف الأمريكي وتجنب الانتقام الإيراني

تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، فمن جهة ترتبط هذه الدول بشراكات أمنية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تتعامل مع إيران باعتبارها جارًا إقليميًا سيظل حاضرًا في معادلات المنطقة مهما كانت نتائج المواجهة الحالية.

وتزداد المخاوف مع تحذيرات إيران من تداعيات تعاون بعض الدول مع الحملة الأمريكية، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات الرد عبر وسائل اقتصادية أو أمنية أو هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.

ويرى ديفيد دي روش أن توجيه ضربات إلى دول خليجية محايدة ردًا على عقوبات اقتصادية قد يمنح إدارة ترامب مبررًا سياسيًا للعودة إلى العمل العسكري ضد إيران، خصوصًا إذا بدت طهران الطرف الذي بدأ التصعيد.

في المقابل، يرى محمد الحمد أن أي هجمات إيرانية على دول الخليج يمكن أن تأتي بنتائج عكسية على طهران، لأنها قد تدفع دول مجلس التعاون إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي والبحري والدفاعي، وتوسيع التنسيق مع الولايات المتحدة في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن نيجار مرتضوي تطرح زاوية أخرى، إذ ترى أن تكرار الهجمات على دول الخليج قد يعزز المخاوف داخل العواصم الخليجية من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة كضامن أمني، خاصة إذا وجدت هذه الدول نفسها أمام صراعات لم تبدأها ولا تستطيع التحكم في مساراتها.

هل يتحول الضغط الاقتصادي إلى مسار دبلوماسي أم مواجهة جديدة؟

الهدف الأساسي من استراتيجية ترامب، وفق قراءة التقرير، لا يتمثل فقط في إضعاف الاقتصاد الإيراني، وإنما في استخدام الضغط الاقتصادي كورقة تفاوضية لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات يمكن أن تفتح الطريق أمام اتفاق جديد.

وتكمن أهمية هذا الخيار بالنسبة إلى واشنطن في إمكانية تحقيق أهداف سياسية وأمنية بأقل تكلفة عسكرية، خصوصًا في ظل الحساسية الداخلية تجاه استمرار الحروب الخارجية، واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

غير أن العقوبات تحمل في الوقت نفسه مخاطر تتجاوز الاقتصاد الإيراني، فاستمرار الضغط دون تحقيق نتائج سياسية قد يدفع القيادة الإيرانية إلى تبني موقف أكثر تشددًا، خصوصًا إذا اقتنعت بأن الهدف الأمريكي النهائي يتجاوز تغيير السلوك إلى تغيير النظام.

كما أن طهران تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات الأمريكية والأوروبية، وتطوير قنوات بديلة للتجارة والتمويل، وهو ما يجعل تنفيذ العقوبات بصورة كاملة أكثر تعقيدًا مما قد يبدو على الورق.

ويحذر التقرير، استنادًا إلى تصريحات الدبلوماسي الأمريكي السابق روبرت مالي، من أن التصعيد الكبير في العقوبات قد يحمل تداعيات على النظام المالي العالمي، بما يفرض على واشنطن موازنة أهدافها تجاه إيران مع علاقاتها الاقتصادية والجيوسياسية مع الصين وشركاء طهران الآخرين.

اختبار صعب بين الضغط والتصعيد

يرى المراقبون أن "عملية المنبوذ الاقتصادي" تمثل محاولة أمريكية لإعادة صياغة استراتيجية التعامل مع إيران بعد عدم تحقيق الخيار العسكري للنتائج التي كانت واشنطن تتوقعها، لكنها في الوقت نفسه تدخل المنطقة في مرحلة جديدة من عدم اليقين.

فالعقوبات قد تنجح في زيادة تكلفة النشاط الاقتصادي الإيراني وإضعاف بعض مصادر التمويل، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير حسابات القيادة الإيرانية أو دفعها إلى تقديم تنازلات سياسية.

وتشير تجربة حملات "الضغط الأقصى" السابقة إلى أن العقوبات تستطيع زيادة المعاناة الاقتصادية، لكنها لا تؤدي بصورة تلقائية إلى استسلام سياسي، ولذلك فإن نجاح الاستراتيجية الأمريكية سيقاس بقدرتها على تحويل الضغط إلى تفاوض، وليس بمجرد اتساع نطاق العقوبات.

أما بالنسبة إلى دول الخليج، فإن التحدي الأكبر يتمثل في تجنب تحول الصراع الاقتصادي الأمريكي الإيراني إلى مواجهة عسكرية داخل المنطقة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها الأمنية مع واشنطن وإدارة علاقتها مع إيران باعتبارها جارًا إقليميًا دائمًا.

وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي لـ"اليوم الاقتصادي الحاسم" لن يكون في حجم العقوبات المفروضة على طهران، وإنما في نتائجها السياسية: هل تفتح الطريق أمام الدبلوماسية، أم تصبح شرارة لجولة جديدة من التصعيد الإقليمي؟

شارك