إنذار أممي عاجل: الجماعات الإرهابية توظف الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية والتجنيد
الأحد 13/سبتمبر/2026 - 04:16 م
طباعة
حسام الحداد
حذرت الأمم المتحدة، اليوم الأحد، عبر تقرير دولي جديد أصدره مكتب مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع وكالات أمنية غربية، من تزايد المخاطر الأمنية الناجمة عن لجوء الجماعات الإرهابية والمتطرفة إلى استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مؤكدة أن هذه التنظيمات باتت تعتمد على الخوارزميات المتقدمة لتطوير قدراتها الهجومية الرقمية وتوسيع شبكات استقطاب العناصر حول العالم. وأوضح التقرير، الذي نشر في نيويورك، أن هذا الاستخدام المتطور يمثل تحولاً نوعياً في تكتيكات تلك الكيانات، مما يفرض على الحكومات والأجهزة الأمنية الدولية إعادة صياغة استراتيجيات التصدي السيبراني بسرعة فائقة.
جاء هذا التحذير الأممي في أعقاب رصد عمليات تقنية معقدة نفذتها خلايا مرتبطة بتنظيمات متطرفة خلال النصف الأول من العام الحالي، شملت شن هجمات سيبرانية دقيقة على بنية تحتية حيوية واستخدام أدوات توليد المحتوى المزيف (التزييف العميق) لأغراض الدعاية وغسل الأموال. وأشار الخبراء الأمميون إلى أن سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المفتوحة والبرمجيات التجريبية على شبكة الإنترنت جعلت التنظيمات الإرهابية تتجاوز قيود الرقابة التقليدية، مستغلة الثغرات التقنية في المنصات الرقمية لتنفيذ عملياتها سرا وبأقل تكلفة مادية ممكنة.
تكتيكات رقمية مستحدثة واختراق الأمن السيبراني
تعتمد الجماعات الإرهابية في استراتيجيتها التقنية الحديثة على استغلال نماذج اللغة الكبيرة وأدوات التعلم العميق لتصميم برمجيات خبيثة تستهدف الأنظمة الحكومية والمالية. وتفيد التحقيقات السيبرانية بأن هذه التنظيمات نجحت في أتمتة عمليات الاختراق الإلكتروني وتطوير فيروسات متطورة قادرة على التخفي خلف الشفرات البرمجية المشروعة، مما يصعب من مهمة وحدات الدفاع السيبراني في اكتشافها وصدها في الوقت المناسب.
يتجاوز الخطر حدود الاختراق التقني ليشمل استخدام برمجيات توليد الأكواد البرمجية لتحديث شبكات الاتصال المشفرة الخاصة بها، مما يعوق جهود الاستخبارات الدولية في رصد اتصالات القيادات الميدانية. وأشار التقرير الأممي إلى أن التنظيمات المتطرفة استعانت ببرمجيات أتمتة المهام للتهرب من خوارزميات رصد المحتوى الإرهابي على شبكات التواصل الاجتماعي، عبر إنشاء آلاف الحسابات الوهمية التي تديرها برامج روبوتية ذكية (بوتات) تبث الدعاية المتطرفة بسلاسة.
تتجه المخاوف الدولية أيضاً نحو احتمال لجوء هذه المجموعات إلى استغلال الذكاء الاصطناعي في التخطيط لعمليات ميدانية معقدة، مثل محاكاة أنظمة الملاحة للطائرات المسيرة أو تحليل الثغرات الأمنية لمنشآت الطاقة عبر الطائرات بدون طيار المدعومة بالرؤية الحاسوبية. هذا التحول الرقمي الخطير يضع الشركات التكنولوجية الكبرى تحت ضغوط هائلة لفرض قيود صارمة على خوارزمياتها ومنع إساءة استخدامها من قبل الجهات الخارجة عن القانون.
حملات التجنيد الموجهة وخطاب التزييف العميق
تُظهر البيانات الاستخباراتية التي جمعها فريق الأمم المتحدة المعني بمكافحة الإرهاب أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدثت ثورة في أساليب التجنيد والتعبئة الفكرية التي تمارسها التنظيمات المتطرفة. وبدلاً من الاعتماد على الأدوات التقليدية البسيطة، باتت هذه الجماعات تستخدم تقنيات الهندسة الاجتماعية المتقدمة لتحليل سلوكيات وميول الفئات المستهدفة عبر الإنترنت، وتصميم رسائل دعائية مخصصة تلعب على الوتر النفسي لكل ضحية محتملة.
تستغل التقنيات الحديثة، لا سيما "التزييف العميق" (Deepfake)، في إنتاج مقاطع فيديو وصور مركبة بدقة متناهية لشخصيات قيادية أو دينية مزيفة لترويج الأكاذيب وإثارة النعرات الطائفية والسياسية. وتمكنت هذه الجماعات من استخدام الأصوات والمرئيات الاصطناعية لتركيب خطب تحريضية منسوبة زوراً لمسؤولين دوليين، مما يضاعف من حجم الارتباك الإعلامي ويسهل عملية استقطاب الشبان الغاضبين في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
تسهم الخوارزميات التوصية الذكية في توجيه المواد المتطرفة نحو المستخدمين الذين يبدون تعاطفاً خفياً مع الخطاب المتشدد، عبر غرف الدردشة المغفرة ومنصات الألعاب الإلكترونية. وهذا الاستهداف الخوارزمي الدقيق يجعل عملية غسل الأدمغة تتم بشكل أسرع وأكثر فعالية، مما يفسر الارتفاع الملحوظ في أعداد المتطوعين الجدد للانضمام إلى الخلايا الناعمة المنتشرة عبر القارات.
تحديات الاستجابة الدولية وضرورة التنظيم القانوني
يواجه المجتمع الدولي تحديات هيكلية وقانونية معقدة في محاولاته للحد من استغلال الذكاء الاصطناعي من قبل الكيانات الإرهابية، نظراً للطبيعة العابرة للحدود التي تتمتع بها التقنيات الرقمية وسرعة تطورها المستمر. وتفتقر معظم التشريعات الوطنية الحالية إلى آليات واضحة لتجريم التطوير المزدوج للبرمجيات، حيث تتيح القوانين الحالية ثغرات قانونية تستغلها الشركات الناشئة أو الجهات الأهلية في تطوير خوارزميات قابلة للاستخدام العسكري أو الإرهابي دون رقابة صارمة.
تطالب الوكالات الأممية، في توصيات تقريرها الأخير، بضرورة بناء شراكة استراتيجية حقيقية وفعالة بين الحكومات والشركات التقنية العملاقة لفرض معايير أمان صارمة (Safety by Design) على نماذج الذكاء الاصطناعي قبل طرحها في الأسواق المفتوحة. وتشمل هذه التدابير وضع علامات مائية رقمية لا يمكن إزالتها على المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، لتمكين السلطات الأمنية من تتبع مصدر المواد الدعائية المزيفة ومعاقبة مروجيها فوراً.
تتجه الجهود الدبلوماسية والأمنية نحو صياغة معاهدة دولية جديدة ملزمة لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وربطها بمنظومات الأمن القومي العالمي، وسط مخاوف حقيقية من اتساع الفجوة التقنية بين الدول الكبرى المتقدمة والدول النامية في مجال الأمن السيبراني. ويبقى الرهان معقوداً على قدرة المؤسسات الأممية على توحيد الجهود الدولية لقطع دابر الإرهاب الرقمي قبل أن يتحول إلى كابوس أمني خارج عن السيطرة.
