البطريرك يوحنا العاشر بقاء المسيحيين في الشرق الأوسط.. معركة من أجل المستقبل

الإثنين 14/سبتمبر/2026 - 10:10 ص
طباعة البطريرك يوحنا العاشر روبير الفارس
 


لم يعد الحديث عن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط حديثًا عن أقلية دينية تسعى إلى حماية وجودها، بقدر ما أصبح سؤالًا يتعلق بمستقبل المنطقة نفسها. فالمسيحية التي وُلدت في هذه الأرض، وخرجت منها إلى العالم، تواجه اليوم واحدة من أكبر التحولات الديموغرافية في تاريخها، بعدما دفعت الحروب والاضطرابات السياسية والتدهور الاقتصادي والعنف الطائفي أعدادًا متزايدة من المسيحيين إلى الهجرة، فيما اختارت أعداد أخرى النزوح داخل بلدانها.

وفي هذا السياق، أكد البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس بسوريا ، أن الحديث عن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط لا يعني الحفاظ على «فصل من التاريخ»، وإنما يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط نفسه. وشدد على أن المسيحية وُلدت في المنطقة، وأن كنائس المسيحيين وأديرتهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ليست مؤسسات غريبة عن المجتمعات التي تعيش فيها، بل جزء من تراث المنطقة الحي. 

ويرى البطريرك يوحنا العاشر أن أكثر ما يؤلم في تراجع الحضور المسيحي هو هجرة الشباب، لأن القضية لا تتعلق فقط بانخفاض عدد أفراد طائفة دينية، وإنما بانقطاع الأجيال الجديدة عن مدن وقرى عاش فيها المسيحيون قرونًا طويلة. ولذلك فإن مطالبة الشباب بالبقاء وحدها لا تكفي، إذ إن السؤال الحقيقي هو: ما الذي يجعل شابًا مسيحيًا يختار البقاء عندما يستطيع أن يجد في الخارج الأمن والعمل والتعليم وفرصة أفضل لبناء مستقبله؟

ومن هنا تأتي أهمية دعوة البطريرك إلى معالجة أسباب الهجرة بدل الاكتفاء بالدعوة إلى وقفها. فالمسيحي، كما غيره من مواطني المنطقة، يحتاج إلى دولة توفر الأمن، ومؤسسات تحمي الحقوق، وفرص عمل، وحريات عامة، وشعور حقيقي بالمواطنة. ولذلك فإن الدفاع عن الوجود المسيحي، بحسب طرحه، لا يعني إقامة جزر طائفية معزولة، وإنما حماية حق كل إنسان في الانتماء والمشاركة والرجاء.

وتكشف الأرقام حجم التحول الذي شهدته المنطقة. فبحسب دراسة لمركز بيو للأبحاث عن التغير الديني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 2010 و2020، بلغ عدد المسيحيين في المنطقة نحو 13 مليونًا عام 2020، بزيادة عددية محدودة مقارنة بعقد سابق، إلا أن نسبتهم من السكان تراجعت، لأن عدد السكان المسلمين نما بوتيرة أسرع بكثير. ويظل المسيحيون أصحاب أبطأ معدل نمو بين الجماعات الدينية الرئيسية في المنطقة. 

ولا يمكن اختزال هذا التراجع في عامل واحد. فالهجرة جزء من صورة أوسع تشمل انخفاض معدلات المواليد مقارنة بمجموعات سكانية أخرى، والحروب، والانهيار الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي، والعنف الطائفي، والخوف من المستقبل. وتشير دراسات عن هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط إلى أن انخفاض نسبة المسيحيين خلال القرن الماضي ارتبط بصورة أساسية بعاملين: انخفاض معدلات الإنجاب، والهجرة الناجمة عن الحروب والصراعات والاضطهاد. 

العراق.. من الملايين إلى مئات الآلاف

يقدم العراق المثال الأكثر وضوحًا على التحول الديموغرافي الذي أصاب المسيحيين في المنطقة. فقد كان المسيحيون قبل عام 2003 يقدّرون بنحو 1.5 مليون شخص، لكن الحروب والعنف الطائفي وصعود تنظيم «داعش» أدت إلى موجات متتالية من النزوح والهجرة. وتشير تقديرات حديثة إلى أن عدد المسيحيين في العراق أصبح في حدود 150 ألفًا فقط. 

وكان سقوط الموصل عام 2014 والسيطرة على مناطق سهل نينوى نقطة تحول مأساوية. اضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى مغادرة منازلهم خلال أيام، فيما اتجه بعضهم إلى إقليم كردستان، وغادر آخرون العراق بصورة نهائية. ورغم عودة بعض العائلات إلى مناطقها بعد هزيمة «داعش»، ظلت أعداد العائدين محدودة مقارنة بحجم الذين غادروا البلاد.

المشكلة أن عودة المسيحيين لا تتوقف على إعادة بناء المنازل والكنائس. فالعودة تحتاج إلى إعادة بناء المدارس وفرص العمل والاقتصاد المحلي والشعور بالأمان، وإلى ضمان ألا يجد السكان أنفسهم مرة أخرى أمام خطر التهجير. ولذلك فإن إعادة إعمار الحجر لا تعني بالضرورة إعادة بناء المجتمع.

سوريا.. حرب دفعت جيلًا كاملًا إلى الخارج

في سوريا، كان المسيحيون قبل الحرب الأهلية عام 2011 يشكلون نحو 10% من السكان وفق تقديرات متداولة، إلا أن الحرب أدت إلى نزوح وهجرة أعداد كبيرة منهم. وتختلف التقديرات الحالية، لكن مصادر كنسية وإعلامية تضع عدد المسيحيين السوريين عند بضع مئات الآلاف، مقارنة بتقديرات تراوحت قبل الحرب بين 1.5 و2 مليون مسيحي. 

وكان تنظيم «داعش» أحد أكثر العوامل قسوة في هذه المأساة، خصوصًا في مناطق مثل وادي الخابور، حيث هاجم التنظيم عشرات القرى المسيحية عام 2015 وخطف أكثر من 200 شخص، ودمر كنائس وممتلكات، ما أدى إلى موجة نزوح واسعة إلى مناطق أخرى داخل سوريا وخارجها. 

لكن الحرب ليست العامل الوحيد. فحتى عندما يتراجع مستوى العنف، يبقى السؤال الاقتصادي والاجتماعي حاضرًا بقوة. فالشاب الذي لا يجد جامعة مناسبة أو وظيفة أو دخلًا يتيح له تأسيس أسرة، والذي عاش سنوات من الخوف وعدم الاستقرار، يصبح أكثر استعدادًا للهجرة إذا وجد فرصة للخروج.

وهنا تتضح نقطة مهمة: الهجرة لا تبدأ دائمًا لحظة سقوط القنبلة أو وقوع الاعتداء. أحيانًا تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يفقد الإنسان ثقته في المستقبل.

لبنان.. البلد الذي كان نموذجًا للتنوع

كان لبنان لفترة طويلة يُنظر إليه باعتباره الاستثناء المسيحي الأبرز في الشرق الأوسط، لكن الهجرة غيرت تركيبته السكانية بصورة كبيرة. ولا توجد في لبنان إحصاءات سكانية رسمية حديثة بسبب الحساسية السياسية والطائفية، إلا أن تقديرات حديثة تضع نسبة المسيحيين عند نحو ثلث السكان، بعدما كانت نسبتهم أعلى بكثير في فترات سابقة. 

وتضاف إلى الهجرة عوامل أخرى شديدة التأثير، بينها الانهيار الاقتصادي، والأزمة السياسية، والحرب، وانفجار مرفأ بيروت، وتداعيات الصراع بين إسرائيل وحزب الله على المناطق الحدودية.

وفي قرى مسيحية في جنوب لبنان، لم تعد المشكلة فقط في الخوف من الحرب، بل في فقدان مقومات الحياة اليومية. الأراضي الزراعية تصبح غير متاحة، المدارس تخسر طلابها، والشباب يغادرون بحثًا عن عمل، وكل عائلة تغادر تجعل احتمال بقاء العائلة التالية أقل. وهكذا تتحول الهجرة من قرار فردي إلى ظاهرة جماعية تعيد تشكيل المجتمع نفسه. 

فلسطين أمام خطر الانقراض

في الأراضي الفلسطينية تبدو الصورة أكثر قسوة بسبب صغر حجم المجتمع المسيحي أصلًا. ففي غزة، كان عدد المسيحيين قبل الحرب الأخيرة يقدر بنحو ألف شخص فقط، وتعرضت الجماعة لضغوط هائلة بسبب الحرب والدمار والنزوح. وتشير تقارير لاحقة إلى أن العدد انخفض بصورة كبيرة، بفعل الهجرة والوفيات وظروف الحرب. 

أما في الضفة الغربية والقدس، فقد شهد المسيحيون الفلسطينيون أيضًا موجات هجرة مستمرة، بسبب الصراع السياسي والاقتصادي وارتفاع تكلفة المعيشة وانسداد آفاق المستقبل. وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما يكون المجتمع صغيرًا؛ فخروج عدد محدود من الشباب قد يعني فقدان نسبة كبيرة من الجيل الجديد.

مصر.. الحالة الأكثر اختلافًا

تختلف مصر عن العراق وسوريا ولبنان وفلسطين من حيث الحجم الديموغرافي للمجتمع المسيحي. فالأقباط يشكلون أكبر تجمع مسيحي في الشرق الأوسط من حيث العدد، ولذلك لا يمكن وضع الحالة المصرية في الخانة نفسها التي تنطبق على المجتمعات المسيحية الصغيرة في العراق أو سوريا أو غزة.

وتختلف التقديرات بشأن عدد الأقباط بصورة كبيرة، إذ لا توجد إحصاءات دينية رسمية حديثة متفق عليها؛ فقد أشارت مصادر حكومية وأخرى كنسية إلى تقديرات متفاوتة، بينما كانت تقديرات بيو القديمة أكثر تحفظًا. لكن المؤكد أن مصر لا تزال تضم أكبر كتلة سكانية مسيحية في المنطقة.
ومع ذلك، فإن الهجرة موجودة، خصوصًا بين المتعلمين وأصحاب المهن والشباب الباحثين عن فرص اقتصادية وتعليمية أفضل. ولذلك فإن التحدي في مصر لا يتمثل في خطر اختفاء المسيحيين ديموغرافيًا كما هو الحال في بعض مناطق العراق أو سوريا، وإنما في الحفاظ على مجتمع مسيحي فاعل داخل الدولة، قادر على المشاركة في الاقتصاد والتعليم والسياسة والحياة العامة.

المشكلة ليست في الهجرة وحدها

من الخطأ النظر إلى هجرة المسيحيين باعتبارها نتيجة مباشرة للاضطهاد الديني وحده. ففي كثير من الحالات تتداخل الأسباب بصورة معقدة. الحرب تدفع الناس إلى الهجرة، لكن الانهيار الاقتصادي يجعلهم غير قادرين على العودة. وانعدام الأمن يدفع الأسرة إلى التفكير في المستقبل، لكن ضعف التعليم وفرص العمل يحول الهجرة من خيار مؤقت إلى استقرار دائم في الخارج.

كما أن الهجرة المسيحية ليست ظاهرة منفصلة تمامًا عن الهجرة العامة من الشرق الأوسط. فالمسيحيون والمسلمون واليزيديون وغيرهم يغادرون بلدان المنطقة بحثًا عن الأمن والعمل والاستقرار. لكن صغر حجم بعض الجماعات المسيحية يجعل تأثير الهجرة عليها أكثر حدة؛ إذ إن مغادرة عدد محدود من الأسر قد تؤدي إلى إغلاق مدرسة، أو تراجع عدد المصلين، أو نقص رجال الدين، أو اختفاء قرية مسيحية بأكملها.

والأخطر أن الهجرة قد تنتج حلقة مفرغة. فكلما ازداد عدد الذين يغادرون، تقل الخدمات والمؤسسات والفرص داخل المجتمع، فيصبح البقاء أكثر صعوبة، فتزداد الهجرة. وفي المقابل، كلما بقيت المؤسسات التعليمية والصحية والاقتصادية قوية، زادت قدرة المجتمع على الاحتفاظ بأبنائه.

هل يمكن وقف النزيف؟

ربما لا يمكن إيقاف الهجرة بقرار سياسي أو خطاب ديني. فليس من المنطقي أن يُطلب من شاب أن يبقى في وطنه فقط لأنه مسيحي، بينما لا يجد فيه عملًا أو أمانًا أو أفقًا لبناء حياته.

الحل يبدأ من النقطة التي أشار إليها البطريرك يوحنا العاشر: منح الناس سببًا للبقاء.

وهذا يعني دولة قانون لا تميز بين مواطنيها، ومؤسسات قادرة على حماية الجميع، واقتصادًا يوفر فرص العمل، وتعليمًا جيدًا، وحريات دينية ومدنية، ومشاركة سياسية حقيقية. كما يعني إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحروب، ليس فقط ببناء الكنائس والمنازل، وإنما بإعادة بناء الحياة نفسها.

فالمسيحيون في الشرق الأوسط ليسوا ضيوفًا ينتظرون إذنًا بالبقاء، ولا آثارًا تاريخية ينبغي وضعها في متحف. إنهم جزء من تاريخ المنطقة وحاضرها، ومؤسساتهم التعليمية والطبية والثقافية والدينية أسهمت لعقود وقرون في تشكيل مجتمعاتها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم عدد المسيحيين الذين غادروا الشرق الأوسط؟

السؤال الأكثر خطورة هو: ماذا يحدث للشرق الأوسط نفسه عندما يصبح الرحيل هو الخيار الأكثر عقلانية أمام شبابه؟

فإذا استمرت المنطقة في فقدان شبابها، فإن الخسارة لن تكون مسيحية فقط. ستفقد مدن الشرق الأوسط جزءًا من تنوعها، وذاكرتها، وشبكاتها الاجتماعية، ومؤسساتها التعليمية والثقافية، وستصبح مجتمعاتها أكثر تجانسًا وأقل قدرة على استيعاب الاختلاف.

إن حماية المسيحيين، بهذا المعنى، ليست مشروعًا طائفيًا، وإنما اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على حماية فكرة المواطنة نفسها.

فالمطلوب ليس أن يُقال للمسيحي: «ابقَ لأنك مسيحي»، وإنما أن يصبح قادرًا على القول: «سأبقى لأن هذا وطني، ولأن لي فيه مكانًا ومستقبلًا».

وهذه ربما هي المعركة الحقيقية التي يخوضها المسيحيون في الشرق الأوسط اليوم: ليس فقط معركة البقاء في الأرض، وإنما معركة استعادة الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يُبنى فيها.

شارك