ملف علي مكتب بابا الفاتيكان كنائس اوكرانيا تتحول إلى ملاجئ للمدنيين
الإثنين 14/سبتمبر/2026 - 10:12 ص
طباعة
روبيرالفارس
لم يحمل المطران بابلو غونشاروك، أسقف أبرشية خاركيف–زابوريجيا للاتين، إلى البابا لاون الرابع عشر أخبارًا عن المعارك في اوكرانيا ، بل حمل صورة كنيسة تعيش الحرب من داخلها، بين مدن تتعرض للقصف، وكنائس تضررت، ومؤمنين فقدوا منازلهم، ورجال دين اختاروا البقاء إلى جوار الناس رغم الخطر.
وخلال استقباله في القصر الرسولي بالفاتيكان وصف غونشاروك مدينة خاركيف بأنها «مركز» الحرب، مؤكدًا أن القصف لا يتوقف وأن المدنيين والأطفال يفقدون حياتهم ومنازلهم. وقال إن البابا أكد له أن الكرسي الرسولي يفعل كل ما يستطيع من أجل إنهاء الحرب، وأن الجهود الدبلوماسية والروحية مستمرة لفتح الطريق أمام السلام.
ولم يكن اللقاء بابويًا تقليديًا يقتصر على رجل دين وسياسة عامة، إذ رافق أسقف خاركيف كاهن يعمل أيضًا مرشدًا عسكريًا، وراهبة تشارك في لجنة الرعاية العسكرية، وطبيبة نفسية تعمل منذ عام 2014 مع الجنود وعائلات القتلى وتشارك في تدريب المرشدين العسكريين. وهو ما يعكس طبيعة الدور الذي اضطرت الكنيسة الكاثوليكية في أوكرانيا إلى القيام به منذ اندلاع الحرب: الصلاة إلى جانب الجنود، ومساندة عائلات الضحايا، وتقديم الدعم النفسي، والعمل الإنساني، إلى جانب رسالتها الدينية التقليدية.
ولم تعد الكنائس في أوكرانيا مجرد أماكن للعبادة خلال سنوات الحرب، بل تحولت في مناطق عديدة إلى مراكز لإغاثة السكان والنازحين. ففي أبرشية خاركيف–زابوريجيا، تحولت غالبية الرعايا إلى مراكز تابعة لكاريتاس، تقدم المساعدات الغذائية والدواء والاحتياجات الأساسية للمتضررين من الحرب، بحسب شهادة المطران غونشاروك للفاتيكان.
وتعمل الكنيسة الكاثوليكية في المناطق القريبة من خطوط القتال في ظروف بالغة الخطورة، حيث لا يقتصر عمل الكهنة على إقامة القداسات ومنح الأسرار، وإنما يشمل الوصول إلى الأشخاص الذين فقدوا منازلهم أو مصادر دخلهم، وتقديم المساعدات لهم، ومرافقة المرضى والمسنين والأسر التي بقيت في المدن المهددة بالقصف. وكانت أبرشية خاركيف–زابوريجيا قد اعتمدت منذ الأيام الأولى للحرب على شبكة كاريتاس لتوزيع الغذاء والأدوية والمساعدات، بمساندة من كنائس في غرب أوكرانيا ومن بولندا ومتطوعين محليين.
لكن الخسائر لم تطل البشر وحدهم. فالكنائس والأديرة والمعالم الدينية أصبحت هي الأخرى ضحايا مباشرة للحرب. ووفق بيانات الكنيسة الكاثوليكية الأوكرانية، تضرر أو دمر حتى نهاية عام 2025 نحو 737 موقعًا للعبادة في مختلف أنحاء أوكرانيا نتيجة الحرب، فيما قُتل 67 رجل دين من مختلف الطوائف. وتشير البيانات إلى أن الاعتداءات لم تفرق بين كنائس أرثوذكسية أو كاثوليكية أو إنجيلية وغيرها من أماكن العبادة.
وفي خاركيف نفسها، كانت الكنيسة الكاثوليكية من أوائل المؤسسات الدينية التي تعرضت للأضرار مع بداية الغزو الروسي. ففي مارس 2022 أصاب صاروخ مبنى كوريّا أبرشية خاركيف–زابوريجيا التابعة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، في الوقت الذي تعرضت فيه عدة كنائس أخرى في المدينة للقصف والأضرار.
كما امتد استهداف المواقع الدينية إلى بعض أهم رموز التراث المسيحي في البلاد. ففي يونيو 2026 أصابت هجمات روسية مجمع دير كييف–بيتشيرسك لافرا، أحد أقدس المواقع الأرثوذكسية في العالم، وتعرض كاتدرائية رقاد السيدة العذراء لأضرار جسيمة واندلع حريق فيها. وأدان قادة كاثوليك وأرثوذكس الهجوم، معتبرين أن استهداف موقع ديني بهذا الحجم لا يمثل فقط اعتداءً على جماعة دينية، بل على جزء من الذاكرة التاريخية والثقافية لأوكرانيا.
ورغم اتساع حجم الدمار، عادت الصلاة سريعًا إلى بعض المواقع المتضررة. ففي يوليو الماضي، وبعد أسابيع قليلة من إصابة كاتدرائية لافرا، أقيمت الصلاة مجددًا داخلها بمشاركة مئات الأشخاص، في مشهد حمل دلالة رمزية على محاولة الكنائس الأوكرانية استعادة حياتها الروحية وسط الحرب.
ولا يقتصر حضور الكنيسة الكاثوليكية على الجانب الإنساني داخل البلاد، إذ تلعب أيضًا دورًا في الجهود الدبلوماسية والكنسية المرتبطة بالحرب. وأشار غونشاروك بعد لقائه البابا إلى زيارات أمين سر الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية المطران بول ريتشارد غالاغر، والكاردينال ماتيو زوبي إلى أوكرانيا خلال الصيف، معتبرًا أن هذه التحركات تعكس استخدام الكرسي الرسولي كل الأدوات المتاحة لديه لدفع جهود السلام. كما شكر البابا على الجهود المتعلقة بالمساعدة في تحرير الأسرى وعودة الأطفال الأوكرانيين.
ويكشف حضور الكاهن والراهبة والمرشد النفسي إلى جانب أسقف خاركيف أمام البابا عن جانب آخر من صورة الكنيسة الكاثوليكية في أوكرانيا؛ فهي لم تنسحب إلى خلف جدران الكنائس خوفًا من الحرب، بل خرجت معها إلى المستشفيات والجبهات ومراكز الإغاثة ومنازل الضحايا. وفي كثير من المناطق أصبحت الرعية مكانًا للصلاة ومركزًا للمساعدات في الوقت نفسه.
أما بالنسبة إلى البابا لاون الرابع عشر، فقد جاء لقاؤه مع أسقف خاركيف في وقت تتواصل فيه الهجمات على المدن الأوكرانية، ليجدد موقفه الداعي إلى وقف العنف وفتح الطريق أمام الحوار والدبلوماسية. وكان الكرسي الرسولي قد أعلن أن البابا يتابع بقلق الهجمات الأخيرة التي طالت مدنًا ومنشآت مدنية، وأسفرت عن سقوط قتلى من المدنيين.
وبالنسبة إلى غونشاروك، فإن الرسالة الأهم التي سيحملها معه إلى شعبه ليست فقط أن البابا يصلي من أجل أوكرانيا، وإنما أن الكنيسة العالمية لا تزال تتابع ما يحدث. ولذلك كرر دعوته إلى البابا لزيارة أوكرانيا، بل طلب منه أن يأتي إلى خاركيف تحديدًا، معتبرًا أن مثل هذه الزيارة ستكون «علامة كبيرة» لشعب يعيش منذ سنوات تحت وطأة الحرب.
وهكذا تبدو الكنيسة في أوكرانيا أمام اختبار يتجاوز قدرتها على الحفاظ على مبانيها وكنائسها وأديرتها. فالمطلوب منها اليوم أن تحافظ على الإنسان والذاكرة والإيمان معًا؛ أن تعيد ترميم ما تهدم من حجارة، وأن تداوي في الوقت نفسه ما خلفته الحرب من جراح في النفوس. وفي هذا المشهد، تبدو الكنيسة الكاثوليكية، بشقيها اللاتيني والبيزنطي الأوكراني، جزءًا من المعركة الإنسانية من أجل بقاء المجتمع نفسه، لا مجرد طرف ديني يراقب الحرب من بعيد.
