«الملتقى السرياني» في فرانكفورت يبحث مستقبل السريان وتحدياتهم
الإثنين 14/سبتمبر/2026 - 10:14 ص
طباعة
روبير الفارس
افتتح قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني، بطريرك أنطاكية للسريان الأرثوذكس، «الملتقى السرياني» في مدينة فرانكفورت الألمانية، في مبادرة تهدف إلى جمع عدد من الكفاءات والخبرات السريانية وفتح حوار حول مستقبل السريان والتحديات التي تواجههم في الشرق الأوسط وبلدان الاغتراب.
وحضر افتتاح الملتقى صاحبا النيافة المطرانان مار فيلوكسينوس متياس نايش، النائب البطريركي في ألمانيا، ومار أوكين الخوري نعمت، السكرتير البطريركي، إلى جانب المشاركين في أعمال الملتقى.
وخلال كلمته في الافتتاح، بارك البطريرك أفرام الثاني المشاركين، وتحدث عن الكنيسة باعتبارها أمًا تجمع أبناءها دون تمييز بسبب خلفياتهم أو مواقعهم، مؤكدًا أهمية استمرار العمل بعد انتهاء اللقاء، ومتابعة المبادرة من أجل الوصول إلى النتائج المرجوة.
ويأتي انعقاد الملتقى في وقت يواجه فيه السريان تحديات متشابكة تتجاوز حدود منطقة جغرافية واحدة، بعد أن أدى تراجع الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، نتيجة الحروب والاضطرابات السياسية والهجرة والأوضاع الاقتصادية، إلى انتقال أعداد كبيرة من السريان إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ودول أخرى.
ويحمل هذا الواقع سؤالًا أساسيًا حول مستقبل شعب بات جزء كبير من أبنائه يعيش خارج موطنه التاريخي: كيف يمكن الحفاظ على الهوية واللغة والتراث، وفي الوقت نفسه بناء حضور سرياني مؤثر في المجتمعات الجديدة؟
وبحسب القائمين على المبادرة، يمثل «الملتقى السرياني» مساحة للحوار وتبادل الخبرات وطرح الأفكار المتعلقة بالقضايا التي تواجه السريان في مختلف أنحاء العالم، مع التركيز على الوصول إلى حلول عملية، وتشجيع الابتكار والتعاون بين أصحاب الخبرات والكفاءات.
الهجرة وتراجع الوجود في الشرق
وتبقى الهجرة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه السريان، خاصة في سوريا والعراق ولبنان وتركيا، حيث تعرضت مجتمعات مسيحية تاريخية خلال العقود الماضية لحروب واضطرابات وأزمات اقتصادية وأمنية دفعت أعدادًا كبيرة إلى مغادرة مناطقها.
ولا تقتصر آثار الهجرة على انخفاض أعداد السكان في البلدات والقرى السريانية، وإنما تمتد إلى تفكك المجتمعات المحلية التي كانت تمثل البيئة الطبيعية لنقل اللغة والعادات والذاكرة والتقاليد من جيل إلى آخر.
وفي الوقت نفسه، أصبح الشتات السرياني واقعًا لا يمكن تجاهله. فقد نشأت خلال العقود الماضية جاليات كبيرة في ألمانيا والسويد وهولندا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وأصبحت هذه الجاليات تمتلك إمكانات علمية واقتصادية ومهنية كبيرة.
غير أن الانتقال إلى الغرب أوجد تحديًا جديدًا يتمثل في الحفاظ على العلاقة بين الأجيال الجديدة وتراثها السرياني، خصوصًا مع تراجع استخدام اللغة السريانية خارج الكنيسة والمنزل، وتزايد اندماج أبناء الجيل الثاني والثالث في المجتمعات التي ولدوا ونشأوا فيها.
اللغة السريانية في مواجهة الزمن
وتحتل اللغة موقعًا مركزيًا في معركة الحفاظ على الهوية. فالسريانية ليست مجرد لغة طقسية تستخدم في الصلوات، وإنما لغة ذات تراث أدبي وفكري وديني يمتد لقرون، وكانت واحدة من أهم لغات الثقافة المسيحية في الشرق.
لكن استمرارها بين أبناء الجاليات في الغرب يواجه صعوبات متزايدة، خصوصًا عندما تتحول اللغة المحلية إلى لغة التعليم والعمل والحياة اليومية، بينما تبقى السريانية مرتبطة بالكنيسة أو بالأنشطة الثقافية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير أساليب جديدة لتعليم اللغة، والاستفادة من التكنولوجيا والمحتوى الرقمي، وإنتاج مواد تعليمية تناسب الأطفال والشباب، حتى لا تتحول السريانية تدريجيًا من لغة حية إلى مجرد رمز للتراث.
الهوية والانتماء
ويواجه السريان كذلك تحديًا يتعلق بالهوية، خاصة في بلدان الاغتراب. فالحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق عن المجتمعات الجديدة، كما أن الاندماج لا ينبغي أن يعني بالضرورة التخلي عن الخصوصية الثقافية.
وتزداد هذه المسألة تعقيدًا مع مرور الأجيال؛ فالأبناء الذين ولدوا في ألمانيا أو السويد أو الولايات المتحدة أو أستراليا ينتمون بصورة طبيعية إلى المجتمعات التي يعيشون فيها، ولذلك تحتاج المؤسسات السريانية إلى تقديم الهوية باعتبارها مساحة ثقافية وإنسانية مفتوحة، لا مجرد ارتباط بالماضي.
التشتت وتعدد الأصوات
ومن الملفات التي تحتاج إلى حوار سرياني واسع قضية التشتت السياسي وتعدد الرؤى. فالسريان لا يمتلكون دائمًا تصورًا واحدًا حول القضايا السياسية أو أولويات العمل العام، كما أن اختلاف البيئات التي يعيشون فيها ينعكس على رؤيتهم للمستقبل.
ويضاف إلى ذلك التنوع الكنسي داخل المجتمع السرياني، وهو تنوع تاريخي يمكن أن يمثل مصدر قوة إذا تحول إلى تعاون، لكنه قد يصبح عامل ضعف إذا أدى إلى مزيد من الانقسام وتعدد الأجندات.
ومن هنا تبدو فكرة وجود مساحة للحوار بين مختلف الخبرات السريانية مهمة، خصوصًا إذا استطاعت تجاوز الخلافات والبحث عن القضايا المشتركة، وفي مقدمتها حماية الوجود في الشرق، والحفاظ على اللغة والتراث، ودعم الشباب، وتعزيز الحضور السرياني في المجتمعات الغربية.
من «الشتات» إلى قوة عالمية
وقد يكون التحدي الأكبر أمام السريان هو كيفية تحويل الشتات من نتيجة للهجرة وفقدان الوطن التاريخي إلى شبكة عالمية قادرة على خدمة المجتمع.
فالجاليات السريانية تضم أطباء ومهندسين وأكاديميين ورجال أعمال وباحثين وإعلاميين ومحامين وغيرهم من أصحاب الخبرات، لكن هذه الطاقات لا تعمل دائمًا ضمن إطار مشترك.
ومن هنا يمكن أن يلعب «الملتقى السرياني» دورًا يتجاوز عقد مؤتمر أو تنظيم لقاءات، إذا نجح في بناء شبكات دائمة بين هذه الكفاءات، وإطلاق مشروعات في التعليم والثقافة والإعلام والبحث العلمي، وربط الشباب السرياني في مختلف الدول ببعضهم البعض.
كما أن الحفاظ على الوجود السرياني في الشرق يظل جزءًا أساسيًا من أي رؤية للمستقبل. فالهجرة لا ينبغي أن تجعل العالم ينظر إلى السريان باعتبارهم مجرد جالية مهاجرة، بينما تتراجع جذورهم التاريخية في الشرق.
ولذلك فإن حماية المجتمعات السريانية المتبقية في سوريا والعراق ولبنان وتركيا، ودعم قدرتها على البقاء، يجب أن تسير بالتوازي مع بناء جاليات قوية وفاعلة في الغرب.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد المؤتمر
وتكمن أهمية الرسالة التي وجهها البطريرك أفرام الثاني خلال افتتاح الملتقى في تأكيده ضرورة متابعة العمل وعدم الاكتفاء باللقاء.
فالتحدي الحقيقي أمام مثل هذه المبادرات يبدأ بعد انتهاء المؤتمرات؛ عندما تتحول الأفكار إلى مشروعات، والنقاشات إلى سياسات، والتعارف بين أصحاب الخبرات إلى شبكات عمل مستمرة.
والسريان اليوم أمام مفارقة تاريخية؛ فقد أدت الهجرة إلى تراجع وجودهم في عدد من مناطقهم التاريخية، لكنها في الوقت نفسه منحتهم انتشارًا جغرافيًا واسعًا، ووضعت بين أيديهم طاقات علمية واقتصادية ومهنية لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
.
