تاسيس اول رعية للشهيد الإفريقي المجهول ماثيو في تكساس
الثلاثاء 15/سبتمبر/2026 - 11:05 ص
طباعة
روبير الفارس
بعد أكثر من 11 عامًا على مقتل 21 مسيحيًا على أحد شواطئ مدينة سرت الليبية، لم تعد قصتهم محصورة في الذاكرة القبطية المصرية، أو في الكنيسة التي أعلنتهم شهداء وقديسين بعد أيام قليلة من استشهادهم. فاسم أحد هؤلاء الشهداء، الغاني ماثيو أياريغا، أصبح اليوم مرتبطًا بأول رعية كاثوليكية في العالم تحمل اسمه، في خطوة تكشف كيف تحولت قصة شهداء ليبيا إلى قضية ذات صدى مسيحي عالمي يتجاوز الحدود والجغرافيا والانتماءات الكنسية.
حيث أعلن المطران مايكل أولسون، أسقف أبرشية فورت وورث في ولاية تكساس الأمريكية، إنشاء «رعية القديس ماثيو أياريغا الكاثوليكية» في مدينة أرلينغتون، لتكون أول رعية كاثوليكية في العالم تحت شفاعة الشهيد الغاني، وأول رعية كاثوليكية وطنية غانية في الولايات المتحدة. ومن المقرر أن تخدم الرعية بصورة خاصة أبناء الجالية الغانية الكاثوليكية في شمال تكساس.
وتأتي الخطوة تتويجًا لما يقرب من عقدين من وجود الجماعة الكاثوليكية الغانية في المنطقة. فمنذ عام 2007، بدأ أبناء الجالية الغانية في أرلينغتون الاجتماع أسبوعيًا في كنيسة القديس يوسف للمشاركة في القداس باللغة التوي، قبل أن تنمو الجماعة تدريجيًا، بالتعاون بين أبرشية فورت وورث وأبرشية كوماسي في غانا، التي وفرت كهنة لخدمة أبناء الجالية.
لكن اختيار ماثيو أياريغا شفيعًا للرعية يحمل معنى يتجاوز تأسيس كنيسة لجالية مهاجرة. فالرجل نفسه كان مهاجرًا غانيًا يعمل في ليبيا عندما اختُطف مع عشرين عاملًا مصريًا قبطيًا، وانتهى بهم الأمر إلى شاطئ سرت في 15 فبراير 2015، حيث أعدمهم تنظيم «داعش» بعد تصوير عملية قتلهم في مقطع فيديو بثه التنظيم.
كان أياريغا الرجل الوحيد غير المصري بين المجموعة، وهو ما جعل قصته تكتسب خصوصية منذ البداية. ووفق الروايات التي تناقلتها مصادر كنسية وإعلامية، أُتيح له أن ينأى بنفسه عن المجموعة وأن يعلن التخلي عن إيمانه، لكنه رفض أن يتخلى عن رفاقه وعن الإيمان الذي جمعهم. وتُروى عنه عبارة أصبحت جزءًا من الذاكرة المسيحية المرتبطة بالحادث: «إلههم هو إلهي».
وتظل بعض التفاصيل المتعلقة بحياة أياريغا السابقة على استشهاده غير محسومة بصورة كاملة، بما في ذلك تفاصيل نشأته وخلفيته الكنسية. إلا أن هذا الغموض لم يحل دون الاعتراف به شهيدًا؛ إذ إن جوهر قصته ارتبط بالموقف الذي اتخذه في مواجهة الموت، وباختياره أن يموت مع المسيحيين الذين كان محتجزًا معهم.
أما الشهداء العشرون الآخرون فكانوا من العمال المصريين الأقباط الذين ذهبوا إلى ليبيا بحثًا عن مصدر للرزق. وقد تحولت صورهم بملابس السجن البرتقالية، وهم يساقون إلى الشاطئ قبل قتلهم، إلى واحدة من أكثر الصور إيلامًا في تاريخ اضطهاد المسيحيين في العصر الحديث. والأكثر تأثيرًا أن التسجيل الذي نشره التنظيم أظهر عددًا منهم وهم يحركون شفاههم مرددين اسم يسوع المسيح في اللحظات الأخيرة من حياتهم.
لم تنتظر الكنيسة القبطية طويلًا لتعلن موقفها. ففي فبراير 2015، وبعد أيام من المذبحة، أعلن البابا تواضروس الثاني شهداء ليبيا قديسين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وأصبح يوم 15 فبراير من كل عام ذكرى استشهادهم. وبذلك دخلت أسماء العمال البسطاء، الذين لم يكونوا رجال دين أو شخصيات عامة، إلى الذاكرة الليتورجية للكنيسة القبطية.
لكن قصة الشهداء لم تتوقف عند حدود الكنيسة القبطية.
في 11 مايو 2023، وخلال لقاء البابا فرنسيس بالبابا تواضروس الثاني في الفاتيكان بمناسبة مرور 50 عامًا على بدء الحوار الرسمي بين الكنيستين، أعلن البابا فرنسيس إدراج الشهداء الـ21 في السنكسار الروماني، أي القائمة الرسمية التي تذكر فيها الكنيسة الكاثوليكية الشهداء والقديسين. وقدم الفاتيكان الخطوة باعتبارها علامة على الشركة الروحية بين الكنيستين.
وكان ذلك حدثًا ذا دلالة خاصة في تاريخ العلاقات بين الكاثوليك والأقباط الأرثوذكس؛ فالكنيسة الكاثوليكية لم تكن تعترف فقط بأن هؤلاء الرجال ماتوا في سبيل إيمانهم، وإنما أدخلت أسماء شهداء ينتمون إلى كنيسة غير كاثوليكية إلى تقويمها للشهداء.
وفي فبراير 2024، أقيمت في كاتدرائية القديس بطرس أولى صلوات التذكار الرسمية للشهداء الـ21 في الكنيسة الكاثوليكية، بحضور رفاتهم، في صلاة ذات طابع مسكوني. ووصف الفاتيكان المناسبة بأنها أول احتفال رسمي في الكنيسة الكاثوليكية بذكرى شهداء ليبيا
وهنا ظهرت بوضوح عبارة «مسكونية الدم»، التي أصبحت واحدة من أهم المفاهيم المرتبطة بقصة شهداء ليبيا. فالمقصود أن الدم الذي يسفكه المضطهدون لا يميز بين الانتماءات والطوائف المسيحية؛ فالشهيد الذي يموت لأنه مسيحي يصبح، في لحظة الاستشهاد، شاهدًا على وحدة أعمق من الانقسامات التاريخية بين الكنائس.
وقد كان البابا فرنسيس قد أشار إلى هذا المعنى في حديثه عن شهداء ليبيا، مؤكدًا أن هؤلاء الرجال، بموتهم وهم يشهدون لاسم يسوع، نالوا «أعظم هدية يمكن أن ينالها المسيحي».
ولم يكن الاهتمام العالمي بالشهداء مجرد موقف كنسي عابر. فقد تحولت قصتهم خلال السنوات التالية إلى موضوع للكتب والدراسات والوثائقيات والصلوات، وأصبحوا نموذجًا متكررًا في النقاش العالمي حول اضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ومن أبرز مظاهر هذا الاهتمام أن رفات ماثيو أياريغا، الذي كان مصيره مختلفًا عن رفاقه المصريين بسبب جنسيته وخلفيته، أعيدت إلى مصر عام 2020 ودُفنت في الكنيسة التي أقيمت في قرية العور بالمنيا تخليدًا لذكرى الشهداء. وبذلك عاد الشهيد الغاني إلى المكان الذي يحتضن رفات رفاقه المصريين، في صورة تختصر المعنى الإنساني والكنسي للقصة كلها.
ولم يكن اختيار أياريغا شفيعًا للرعية الجديدة في تكساس مجرد اختيار لشخصية غانية؛ فهو يمثل أيضًا الطريقة التي خرجت بها قصة شهداء ليبيا من الإطار المصري إلى فضاء مسيحي عالمي. فالرعية التي تحمل اسمه ليست كنيسة للأقباط، وإنما جماعة كاثوليكية غانية في الولايات المتحدة، تختار رجلًا قتل مع أقباط أرثوذكس على شاطئ ليبي ليكون شفيعًا لها.
ومن هذه الزاوية، تبدو قصة أياريغا أكثر اتساعًا من قصة الشهيد الغاني نفسه. فالرجل الذي لا تزال المعلومات المتاحة عن حياته محدودة، أصبح بعد موته نقطة التقاء بين ثلاث دوائر مسيحية مختلفة: غانا التي ينتمي إليها، ومصر التي ينتمي إليها رفاقه، والكنيسة الكاثوليكية التي اعترفت رسميًا بشهادته إلى جانبهم.
كما أن إنشاء الرعية يكشف كيف يمكن للهجرة المسيحية المعاصرة أن تحمل معها ذاكرة الاضطهاد والشهادة. فالجالية الغانية في شمال تكساس لم تختر اسم أحد الشخصيات الكنسية التاريخية المعروفة في غانا، وإنما اختارت اسم مهاجر مثلهم، ترك بلده بحثًا عن العمل، وانتهى به الأمر إلى الموت في بلد آخر، قبل أن يصبح رمزًا مسيحيًا عالميًا.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية لأن الرعية الجديدة ستقام في مبنى كنيسة ميثودية سابقة في جنوب أرلينغتون يخضع حاليًا لأعمال التجديد، على أن تقام احتفالات تدشينها خلال الفترة من 29 إلى 31 يناير 2027.
وبذلك تستمر قصة بدأت على شاطئ سرت في فبراير 2015، لكنها لم تنته عند لحظة القتل.
فبعد أن حملت الكنيسة القبطية أسماء الشهداء الـ21 إلى السنكسار القبطي، حملتهم الكنيسة الكاثوليكية إلى السنكسار الروماني. وبعد أن أصبح 15 فبراير يومًا لتذكارهم في الكنيسة القبطية، صار اليوم نفسه مناسبة تذكارية في الكنيسة الكاثوليكية. ثم انتقلت قصة أحدهم، ماثيو أياريغا، من شاطئ في ليبيا إلى رعية في تكساس.
وقد يكون هذا هو أحد أكثر وجوه قصة شهداء ليبيا دلالة: أن رجالًا عاديين، خرجوا من مصر وغانا بحثًا عن العمل، أصبحوا بعد موتهم جسرًا بين كنائس مختلفة، وأن المشهد الذي أراده تنظيم «داعش» رسالة رعب وانقسام، تحول بمرور السنوات إلى قصة وحدة مسيحية يتردد صداها من مصر إلى روما، ومن غانا إلى الولايات المتحدة.
وفي النهاية، ربما لم يكن أكثر ما بقي من مذبحة سرت هو مشهد الموت نفسه، وإنما ذلك السؤال الذي طرحه القتلة على الرجل الوحيد المختلف بينهم: هل أنت مسيحي؟
فجاءت الإجابة، كما تُروى في الذاكرة المسيحية: «إلههم هو إلهي».
بعد أكثر من أحد عشر عامًا، أصبح لهذا الاعتراف عنوان جديد في الولايات المتحدة: رعية القديس ماثيو أياريغا.
