الحوثيون يوسعون قدراتهم العسكرية.. من الدعم الإيراني إلى تطوير أسلحة بالذكاء الاصطناعي
الجمعة 18/سبتمبر/2026 - 11:38 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
لم تعد القدرات العسكرية لجماعة الحوثيين في اليمن تقتصر على الصورة التقليدية لمقاتلين يحملون البنادق ويتنقلون عبر المناطق الصحراوية، إذ شهدت الجماعة خلال السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا في طبيعة الأسلحة التي تستخدمها، وطريقة تصنيعها والحصول على مكوناتها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، امتدت قدرات الحوثيين إلى تنفيذ هجمات بصواريخ بعيدة المدى على أهداف إسرائيلية، واستخدام مسيّرات بحرية لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر، بالتوازي مع مؤشرات على سعيهم إلى تطوير بعض منظوماتهم التسليحية بصورة محلية.
ويبرز في هذا السياق دخول الذكاء الاصطناعي إلى محاولات تطوير الأسلحة الحوثية، بعدما كشفت شركة أنثروبيك في تقرير حديث عن رصد خلية في شمال اليمن استخدمت نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود" للمساعدة في تطوير برمجيات مرتبطة بأسلحة موجهة، من بينها صاروخ خضع لاختبار ميداني، وأكدت أنثروبيك أنها عطلت الحسابات المرتبطة بهذه الأنشطة، مشيرة إلى عدم وجود دليل على نجاح المجموعة في نشر سلاح عملياتي فعلي.
الحوثيون يعززون حضورهم في البحر الأحمر
وترى نيويورك تايمز أن التحول في قدرات الحوثيين تزامن مع اتساع نطاق عملياتهم العسكرية، بعدما ظلوا لفترة على هامش المواجهات الإقليمية الأوسع.
ووفق التقرير، تغير المشهد خلال يوليو مع إعلان الجماعة فرض حصار بحري على السعودية، قبل أن تتقدم جنوبًا وتسيطر على مدينة المخا الساحلية، إلى جانب جزر قريبة من باب المندب، الأمر الذي عزز موقعها بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.
ووصف تيموثي أ. ليندركينغ، المبعوث الأمريكي السابق إلى اليمن، خلال منتدى لمعهد الشرق الأوسط، الجماعة بأنها تستغل الفرص المتاحة باستمرار لبناء قدراتها واختبارها، معتبرًا أن تطورها جعلها من أكثر الجهات المسلحة غير الحكومية قدرة على إيقاع الأضرار في المنطقة.
ويشير هذا التطور إلى أن سنوات الهدنة التي بدأت عام 2022 لم تؤدِ فقط إلى خفض مستوى المواجهات المباشرة، بل أتاحت، وفق تقديرات خبراء نقلتها الصحيفة، فرصة للحوثيين لإعادة تنظيم صفوفهم وتدريب عناصرهم وتجديد معداتهم وإعادة بناء مخزوناتهم العسكرية.
وقال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا والباحث في عمليات تصنيع الأسلحة لدى الحوثيين، إن حجم المواد التي تدخل اليمن لاستخدامها في صناعة الأسلحة ازداد بصورة كبيرة، كما توسعت طرق نقلها منذ إعلان الهدنة.
من استيراد السلاح إلى التصنيع داخل اليمن
وبحسب نيويورك تايمز، لم يعد اليمن مجرد ساحة لاختبار الأسلحة والتقنيات الإيرانية، بل تحول بصورة متزايدة إلى موقع لتصنيع أجزاء من المنظومات العسكرية نفسها.
وأوضح سالزبري أن مكونات كبيرة بينها هياكل الصواريخ باتت تُنتج داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بدلًا من نقلها مكتملة من إيران، كما ساهم الدعم الإيرانيإلى جانب الخبرات التي قدمها مستشارون مرتبطون بإيران وحزب الله، في رفع مهارات الحوثيين في تصنيع وتشغيل أنظمة الأسلحة.
ويشمل هذا التطور وفق الباحث، قدرة أكبر على إنتاج بعض أنواع المسيرات الهجومية أحادية الاتجاه داخل اليمن، بينما يواصل الحوثيون الاعتماد على الخارج في المكونات الأكثر تعقيدًا ودقة.
ومن جانبه، أوضح فرزين نديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن الصناعات الدفاعية الإيرانية عملت على تطوير أنظمة تسليح موجهة إلى حلفائها ووكلائها بحيث تكون سهلة التجميع والنقل والإعداد للاستخدام، وهو ما يسهل نقل المعرفة والمكونات إلى ساحات القتال.
وكانت الجماعة قد بدأت قبل نحو عقد تجارب على الزوارق السطحية غير المأهولة بالتعاون مع مستشارين إيرانيين، وفي عام 2017 استخدم الحوثيون قاربًا يتم التحكم فيه عن بعد ومحملًا بالمتفجرات لمهاجمة فرقاطة سعودية، في هجوم أدى إلى مقتل شخصين.
سلاسل إمداد تتجاوز الاعتماد المباشر على إيران
ومع توسع عمليات التصنيع المحلي عمل الحوثيون بدعم من إيران، على تنويع مصادر الحصول على المكونات العسكرية، خصوصًا من الأسواق العالمية ودول تنتج أجزاء تستخدم في صناعة المسيّرات.
وقال كيفن دونيغان، القائد السابق للأسطول الأمريكي الخامس، إن الحوثيين لم يعودوا بحاجة إلى الحصول على جميع مكونات أسلحتهم مباشرة من إيران، بعدما طوروا قدرات أكبر على استخدام شبكات التوريد غير المشروعة في السوق العالمية.
لكن ذلك لا يعني انتهاء اعتماد الجماعة على إيران، فبحسب الخبراء الذين استندت إليهم نيويورك تايمز، لا تزال بعض المكونات الأساسية خصوصًا المرتبطة بأنظمة التوجيه ومحركات الصواريخ وأجزاء تتطلب هندسة دقيقة، تمثل احتياجًا رئيسيًا.
وتتيح طبيعة هذه المكونات الصغيرة نسبيًا فرصًا لتهريبها بوسائل مختلفة، بما في ذلك السفن متوسطة الحجم والمراكب التقليدية، أو إعادة شحنها عبر منطقة القرن الأفريقي أو نقلها من سفينة إلى أخرى قبالة السواحل.
ووصف سالزبري هذه الشبكة المعقدة بأنها عملية واسعة لإخفاء مسارات الإمداد، بما يجعل تتبع حركة المكونات أكثر صعوبة.
ورغم ذلك، يرى نديمي أن ارتفاع مستوى التصنيع المحلي لا يعني استقلال الحوثيين عسكريًا عن الحرس الثوري الإيراني، مشيرًا إلى استمرار الحاجة إلى الدعم والخبرة الإيرانية، بما في ذلك مشاركة مستشارين في التخطيط والتنفيذ.
الذكاء الاصطناعي يدخل سباق تطوير الأسلحة
ويشكل استخدام الذكاء الاصطناعي أحد أحدث المؤشرات على سعي الحوثيين إلى رفع مستوى قدراتهم التقنية، فقد قالت أنثروبيك في تقريرها الصادر في سبتمبر 2026 إنها حددت وعطلت عدة عمليات أساءت استخدام "كلود" في تطوير الأسلحة التقليدية، بينها حالة مرتبطة بخلية في شمال اليمن.
وبحسب الشركة، استخدمت الخلية “Claude Code” للمساعدة في تطوير برمجيات الملاحة والتوجيه والتحكم لصاروخ موجه، كما عملت على محاكاة مسارات صاروخ باليستي متعدد المراحل، وتطوير نماذج مرتبطة بأنظمة طيران وتحكم، وقالت أنثروبيك إن أفراد الخلية أجروا اختبار إطلاق فعلي لصاروخ موجه، وإن الاختبار فشل على ما يبدو، قبل أن يعودوا إلى استخدام "كلود" لتحليل أسباب الفشل.
وأشارت أنثروبيك في الوقت نفسه إلى أن الخلية كانت قد طورت أدوات محاكاة تعمل بصورة مستقلة عن "كلود"، وهو ما يعكس محاولة تقليل الاعتماد على المنصة نفسها والاستمرار في العمل خارجها، كما أكدت الشركة أنها حظرت الحسابات المرتبطة بالعملية وشاركت معلوماتها مع جهات عامة وخاصة معنية.
وتشير هذه الواقعة إلى جانب أوسع في تطور تقنيات الحرب، إذ خلصت اختبارات أجرتها أنثروبيك إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على أداء بعض المهام المرتبطة بالاستهداف وتطوير الأسلحة بصورة كانت تتطلب تاريخيًا خبرات بشرية متخصصة.
مرحلة جديدة في القدرات الحوثية
وتربط نيويورك تايمز بين تطور القدرات العسكرية للحوثيين وبين قدرتهم على الجمع بين الدعم الإيراني والتصنيع المحلي وشبكات التهريب والخبرات المتراكمة خلال سنوات الحرب، وفي الوقت الذي لا تزال فيه بعض المكونات والتقنيات المتقدمة مرتبطة بمصادر خارجية، فإن توطين جزء من عملية التصنيع يمنح الجماعة قدرة أكبر على مواصلة تطوير أسلحتها وتعويض بعض الخسائر.
ويأتي ذلك بالتزامن مع اتساع نطاق استخدام الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية، بما يرفع أهمية الموقع الذي يسيطر عليه الحوثيون قرب باب المندب والبحر الأحمر.
ويشير ليندركينغ إلى أن الحوثيين يتحركون باستمرار ويستغلون الفرص المتاحة لتعزيز قدراتهم، وفي المقابل تكشف تقارير أنثروبيك عن أن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى محاولات تطوير الأسلحة يضيف بعدًا تقنيًا جديدًا إلى الصراع، حتى مع عدم ثبوت نجاح الجماعة في إنتاج سلاح عملياتي بالاعتماد على هذه الأدوات.
و يرصد المراقبون تحولًا تدريجيًا في طبيعة القدرات الحوثية، من الاعتماد الأكبر على الأسلحة والمكونات القادمة من الخارج إلى نموذج يجمع بين الدعم الإيراني والتصنيع المحلي وشبكات التوريد البديلة والاستفادة من التقنيات الحديثة، ولا يعني ذلك انتهاء اعتماد الجماعة على إيران، لكنه يشير إلى تنامي قدرتها على الاحتفاظ بجزء من منظومتها العسكرية داخل اليمن، بما قد يمنحها مرونة أكبر في تطوير الأسلحة وتعويض بعض المكونات، خصوصًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى محاولات تحسين التصميم والمحاكاة والتوجيه.
