المخا وباب المندب في قبضة الحوثيين.. تداعيات تتجاوز حدود اليمن

الجمعة 18/سبتمبر/2026 - 01:15 م
طباعة المخا وباب المندب فاطمة عبدالغني
 
أعاد التقدم العسكري للحوثيين وسيطرتهم على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية جنوب غربي اليمن، إلى جانب تقدمهم على امتداد ساحل مضيق باب المندب، رسم ملامح جديدة للصراع اليمني، في تحول يُعد من أبرز التغيرات في خريطة السيطرة على الأراضي اليمنية خلال السنوات الأخيرة.

وبحسب تحليل نشره مركز تشاتام هاوس (Chatham House)، فإن التطورات الأخيرة لا تقتصر تداعياتها على الداخل اليمني، وإنما تمتد إلى أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية وحسابات القوى الإقليمية والدولية، كما تثير مخاوف من عودة الحرب إلى مستويات أكثر عنفاً، بعد فترة من التراجع النسبي في القتال أعقبت الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022.

وتكتسب السيطرة على المخا أهمية خاصة بسبب موقعها القريب من باب المندب، وهو الممر البحري الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس، ويمنح هذا الموقع الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة، في وقت تتزامن فيه التطورات مع اضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز، بما يرفع من أهمية الممرين البحريين في الحسابات الإقليمية والدولية.

تفكك معسكر مناهضة الحوثيين

جاء التقدم الحوثي السريع على الساحل الغربي بعد هجوم شنته الجماعة على مواقع للقوات الموالية للحكومة، التي انسحبت من المخا والمناطق المحيطة بها والجزر القريبة، وبينما استفادت القوات الحوثية من عنصر المفاجأة والاستعداد العسكري، كشفت التطورات في الوقت نفسه عن استمرار حالة التشرذم داخل المعسكر المناهض لها.

وتضم القوات المناهضة للحوثيين مجموعات مسلحة متعددة، سبق أن تلقت دعماً من أطراف إقليمية مختلفة، كما تتباين في طموحاتها السياسية وأولوياتها، ورغم المحاولات السعودية الرامية منذ مطلع عام 2026 إلى وضع هذه القوات ضمن هيكل قيادة أكثر تماسكاً، فإن سنوات الانقسام لم تختفِ بصورة كاملة، وهو ما انعكس على مستوى التنسيق خلال التطورات الأخيرة.

في المقابل، استفاد الحوثيون من فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة عام 2022 في تعزيز قدراتهم العسكرية، عبر تجنيد وتعبئة المزيد من العناصر، وتطوير إنتاج الأسلحة محلياً، وتوسيع قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، وأسهم ذلك في امتلاك الجماعة قدرات أكثر تطوراً في عدد من المجالات مقارنة بالقوات الحكومية.

باب المندب والبحر الأحمر أمام معادلة جديدة

يفرض التقدم الحوثي على الساحل اليمني تساؤلات واسعة بشأن كيفية استخدام الجماعة لموقعها الجديد بالقرب من باب المندب، خصوصاً في ظل سجلها السابق في استهداف السفن بالبحر الأحمر منذ عام 2023.

وكان الحوثيون قد أكدوا في السابق أنهم لا يعتزمون فرض رسوم عبور رسمية على السفن المارة عبر باب المندب، إلا أن التحليل يشير إلى ضرورة التعامل بحذر مع هذه التطمينات، في ظل مؤشرات على حصول الجماعة على مدفوعات غير رسمية من بعض وكالات الشحن مقابل ضمان المرور الآمن منذ بدء هجماتها على السفن في البحر الأحمر.

كما يقول الحوثيون إن عملياتهم البحرية تستهدف السفن المرتبطة بالسعودية فقط، لكن تحديد الصلة بالسعودية لا يعني بالضرورة اقتصار التداعيات عليها، فقد تكون السفينة التي تنقل النفط السعودي مملوكة أو مشغلة أو ممولة أو مؤمنة أو مستأجرة من شركات تنتمي إلى دول مختلفة، كما قد تكون حمولتها متجهة إلى أكثر من سوق.

وبالتالي، فإن أي هجمات تستهدف السفن المرتبطة بالمصالح السعودية يمكن أن تمتد آثارها التجارية إلى دول أخرى، بما في ذلك أوروبا والصين، بما يجعل أمن الملاحة في البحر الأحمر قضية تتجاوز أطراف الصراع اليمني المباشرة.

وتزداد حساسية المشهد مع قرب جيبوتي من جزيرة بريم، التي يقال إن الحوثيين يسيطرون عليها، ويعني ذلك وجود قوة مسلحة تمتلك قدرات متنامية في الطائرات المسيرة والصواريخ والقدرات البحرية بالقرب من دولة تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وصينية وفرنسية وإيطالية ويابانية، إلى جانب مصالح أمنية وتجارية لدول أخرى، بينها تركيا والإمارات العربية المتحدة.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن حسابات الحوثيين تقوم على ما يمكن وصفه بالتصعيد المتحكم فيه، من خلال تحويل مكاسبهم العسكرية إلى نفوذ سياسي واقتصادي، مع تجنب رد فعل دولي واسع قد يهدد هذه المكاسب، لكن التطورات الأخيرة تجعل من الصعب التعامل مع اليمن باعتباره مسرحاً بعيداً عن التفاعلات الإقليمية والدولية.

ترامب أمام معادلة صعبة

تضع التطورات الأخيرة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة أمام حسابات معقدة، خصوصاً مع تعهد الرياض بالرد على الهجمات الحوثية التي استهدفت أراضيها، في وقت وقعت فيه السعودية مؤخراً معاهدة دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، من دون أن يكون قد ظهر طلب سعودي معلن للمساعدة من أي من الدولتين.

أما الولايات المتحدة، فقد توصلت في مايو 2025 إلى هدنة مع الحوثيين بعد شن غارات جوية على الجماعة رداً على هجماتها ضد السفن في البحر الأحمر، ويشكل التقدم الحوثي الأخير تحدياً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل العلاقة الوثيقة بين واشنطن والقيادة السعودية، واهتمام الولايات المتحدة بأمن المملكة، مقابل وجود رغبة أمريكية في تجنب الدخول مجدداً في مواجهة مباشرة ومكلفة مع الحوثيين.

وتوفر الهدنة القائمة دوافع للجانبين من أجل ضبط النفس، فالحفاظ عليها يجنب واشنطن مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، بينما ينخرط الطرف الأمريكي في الوقت نفسه في تطورات مرتبطة بمضيق هرمز، وفي المقابل يدرك الحوثيون تكلفة العودة إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد الأضرار التي خلفتها الحملة الجوية الأمريكية ضدهم خلال عام 2025.

وتنتج عن ذلك معادلة دقيقة فواشنطن والحوثيون لديهما دوافع لتجنب مواجهة مباشرة، حتى مع استمرار الجماعة في زيادة الضغط على أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

لكن استمرار هذا التوازن ليس مضموناً، فإذا توسعت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، ولا سيما في حال انتقالها إلى محاولات توغل بري محدود عبر الحدود، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام ضغوط متزايدة للتدخل.

اليمنيون يدفعون الثمن الأكبر

رغم التركيز على التداعيات الجيوسياسية والأمنية للتطورات الأخيرة، فإن الجانب الإنساني يظل الأكثر مباشرة بالنسبة إلى اليمنيين، فالبلاد تدخل هذه المرحلة من الصراع في ظل مؤسسات منقسمة واقتصاد أنهكته أكثر من عقد من الحرب إلى جانب تراجع الدعم الإنساني الدولي.

وبحسب التحليل المنشور عن تشاتام هاوس، أُفيد بنزوح ما يقرب من 50 ألف شخص في تعز منذ 3 سبتمبر، بينما تبدو التداعيات الإنسانية في المخا أكثر إثارة للقلق، في ظل انهيار بعض المرافق الصحية أو صعوبة الوصول إليها، كما تشير تقارير إعلامية محلية إلى أن أكثر من 240 امرأة حامل في المنطقة يواجهن احتمال الولادة من دون الحصول على رعاية طبية فعالة.

ولا تتوقف التداعيات عند القطاع الصحي، إذ إن أي اضطراب إضافي في الموانئ والطرق وسلاسل الإمداد يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والوقود، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.

وبذلك، فإن اتساع الأهمية الاستراتيجية لليمن بالنسبة إلى المجتمع الدولي لا ينبغي أن يحجب التداعيات المباشرة للحرب على السكان، الذين يواجهون أصلاً ظروفاً اقتصادية وإنسانية شديدة الصعوبة.

الحاجة إلى مقاربة دولية متماسكة

تكشف التطورات الأخيرة عن صعوبة استمرار التعامل مع ملفات اليمن بصورة منفصلة، سواء تعلق الأمر بالمفاوضات السعودية الحوثية، أو أمن الملاحة، أو إيصال المساعدات الإنسانية، أو المفاوضات مع إيران والحكومة اليمنية، أو الأمن الأوسع في البحر الأحمر.

فقد أصبح للحوثيين تأثير أكبر على ملفات تتجاوز حدود اليمن، تشمل حركة الشحن، وأسواق الطاقة، وأمن الخليج، والقرن الأفريقي، وحسابات القوى الدولية، ومن ثم تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر ترابطاً تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها أجزاء من أزمة واحدة متشابكة.

وبالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، تمثل التطورات الأخيرة اختباراً لمدى قدرتها على تبني موقف أكثر تنسيقاً تجاه الملف اليمني، في ظل الخلافات السابقة بين دول المجلس وتباين علاقاتها مع الأطراف اليمنية المختلفة، ومع انتقال تداعيات التقدم الحوثي إلى نطاق أوسع، تصبح الحاجة إلى مقاربة خليجية شاملة أكثر وضوحاً.

كما تطرح التطورات تساؤلات حول جدوى الاعتماد على اتفاقيات ظرفية منفصلة لاحتواء الحوثيين، فقد توفر ترتيبات الأمن البحري الثنائية حماية لسفن دولة معينة، بينما يمكن للمفاوضات أن تسهم في تهدئة جبهة محددة لفترة مؤقتة، كما قد تؤثر الضربات العسكرية في قدرات الجماعة.

لكن الحوثيين يتعاملون مع هذه الملفات بصورة مترابطة، باعتبارهم سلطة حاكمة وفاعلاً مسلحاً غير حكومي وحليفاً إقليمياً لإيران وقوة ذات تأثير متزايد على الأمن البحري.

ويرى المراقبون أن التحول الذي أحدثه التقدم الحوثي على الساحل الغربي لا يقتصر على تغيير خطوط السيطرة داخل اليمن، بل يضع باب المندب والبحر الأحمر ضمن معادلة أمنية أكثر تعقيداً. 
وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه التطورات يتطلب ربط المسار السياسي اليمني بقضايا أمن الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع إبقاء التداعيات الإنسانية على اليمنيين في صدارة الحسابات، لأن استمرار تجاهل جذور الأزمة قد يؤدي إلى انتقال تداعياتها من نطاق الصراع المحلي إلى أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية أوسع.

شارك