برلين في قبضة الجدل.. صعود اليسار ومخاوف من تقاطع التطرف

الأحد 20/سبتمبر/2026 - 10:38 م
طباعة برلين في قبضة الجدل.. برلين ـ خاص بوابة الحركات الإسلامية
 
 شهدت العاصمة الألمانية برلين تحولاً سياسياً لافتاً، بعدما أظهرت التحديثات والنتائج الأولية تصدر حزب اليسار المشهد الانتخابي بحصوله على نحو 25.4% من الأصوات. ويضع هذا التقدم التاريخي مرشحة الحزب، إليف إيرالب، على أعتاب تولي رئاسة حكومة الولاية، لتصبح أول حاكمة للعاصمة من صفوف حزب اليسار. غير أن هذا الصعود السياسي ترافق مع موجة واسعة من الجدل والمخاوف الأمنية، على خلفية ما وُصف بتركيز الحملة الانتخابية للحزب على خطابات تستهدف المجتمعات العربية والمسلمة، إلى جانب توظيف التعبئة المؤيدة لفلسطين في أحياء مثل نويكولن وكرويتسبرج، وسط شعارات أثارت انتقادات حادة.
وكشفت تقارير صحفية ألمانية عن علاقات مثيرة للجدل بين فروع ميدانية للحزب وعناصر محسوبة على التيار الإسلامي، مشيرة إلى تنظيم فعاليات ومهرجانات صيفية ضمت شخصيات معروفة بتأييدها لحركة حماس، إلى جانب ترديد شعارات اعتُبرت راديكالية. ويرى خبراء في شؤون التطرف والإرهاب أن هذا النوع من التقارب قد يساهم في إضفاء قدر من القبول السياسي على أيديولوجيات إسلامية متشددة، وهو ما يثير تحذيرات متكررة من جانب الأجهزة الأمنية والنقابات الشرطية في ألمانيا.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة ما وصفه محللون بـ"التحالف غير المقدس" بين اليسار الراديكالي وبعض التيارات الإسلامية، في ظل اتهامات بتوزيع ملصقات تحريضية، وتساهل بعض قيادات الحزب في الأحياء الشعبية مع توصيف أعمال عنف بأنها "مقاومة". كما تصاعد الجدل بعد ظهور شخصيات بارزة مرتبطة بشبكات عشائرية، من بينها عيسى رمّو، في مقرات انتخابية وفعاليات ميدانية للحزب، حيث عبّروا عن شعورهم بالدعم والارتياح إزاء صعود اليسار. وتثير هذه المشاهد تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي تجمع الحزب ببعض الشخصيات والجهات المثيرة للجدل، وحدود المسؤولية السياسية والتنظيمية عنها.
ويمتد الجدل إلى الرؤية الأمنية التي يتبناها حزب اليسار، والتي تركز على تقليص ميزانيات التسليح والتجهيزات التكتيكية لشرطة برلين، وتوجيه جزء من الموارد نحو الرعاية الاجتماعية ومكافحة الفقر. كما يطالب الحزب بإلغاء مناطق حظر السلاح، وإعادة النظر في استخدام تقنيات المراقبة بالفيديو، انطلاقاً من اعتبارها أدوات قد تؤدي إلى التمييز والتنميط العنصري. وفي المقابل، ترى نقابات الشرطة أن هذه السياسات قد تضعف القدرات الأمنية وتؤثر في منظومة حماية العاصمة، معتبرةً أن تقليص الأدوات المتاحة للأجهزة الأمنية يحد من قدرتها على مواجهة المخاطر.
من جانبه، ينفي حزب اليسار تقديم أي دعم تنظيمي للجماعات المتطرفة أو حركات العنف، مؤكداً تمسكه بمناهضة جميع أشكال التمييز، ودفاعه عن القضايا الاجتماعية والحريات السياسية باعتبارها جزءاً من برنامجه. وفيما يتعلق بظهور شخصيات مثيرة للجدل خلال الفعاليات والاحتفالات الانتخابية، عيسى رمو   زعيم العشيرة الشهير، وأحد المتهمين فى الجريمة المنظمة، وهو ما يعكس حالة من الارتباك التنظيمي التي رافقت التعامل مع هذه المشاركة، وأثارت بدورها تساؤلات حول مدى وضوح مواقف الحزب من بعض ضيوفه وشركائه الميدانيين.
ولا يتوقف النقاش عند حدود العلاقة بين اليسار الراديكالي والتيارات الإسلامية، بل يمتد إلى ظاهرة أوسع تتعلق بالتفاعل بين التطرف اليميني والتطرف الجهادي، حيث يمكن للخطابات والممارسات المتبادلة أن تعزز روايات الطرف الآخر. وفي هذا السياق، صرحت جوليا إبنر، مديرة "مختبر التطرف العنيف" في جامعة أكسفورد البريطانية، بأن المجموعتين قد تسعيان، رغم اختلاف مرجعياتهما الأيديولوجية، إلى تحقيق تأثير سياسي واسع النطاق، بما في ذلك توظيف العنف والإرهاب على المدى المتوسط. وأوضحت أن اليمينيين المتطرفين والجهاديين يروجون أحياناً لسرديات متشابهة بشأن النساء ومجتمع الميم، مستفيدين من حالة الانقسام المجتمعي وتفاقم الاستقطاب.
وكانت إبنر قد أجرت دراسة قبل سنوات حول كيفية استغلال الجماعات الجهادية للمناخ السياسي في الولايات المتحدة خلال عام 2016، بهدف الدفع نحو فوز دونالد ترامب بالانتخابات، وهو موضوع تناولته وسائل إعلام عدة. وأشارت إلى أن تلك الجماعات كانت تأمل في تصاعد شيطنة المسلمين وتهميشهم اجتماعياً، بما قد يدفع بعضهم إلى الانضمام لتنظيم "الدولة الإسلامية". ووفقاً لهذا التحليل، كان الهدف يتمثل في إحداث تأثير استراتيجي يخدم مصالح الجماعات المتطرفة، من خلال تقويض التيار السياسي الوسطي وتعميق الانقسام المجتمعي، بما قد يفتح المجال أمام صعود قوى يمينية متطرفة أو شعبوية إلى السلطة.
وفي السياق ذاته، أوضحت كوليا أونجر، المحرر في إذاعة «دويتشلاند فونك»، أن حزب "البديل من أجل ألمانيا"، المعروف بمواقفه المعارضة لمجتمع الميم، قد يستفيد سياسياً من أي هجوم يستهدف مسيرة "يوم فخر المثليين" خلال انتخابات الولايات المقبلة. وفي المقابل، قد تستغل الجماعات الجهادية، ومنها تنظيم "الدولة الإسلامية"، تصاعد مشاعر الخوف والكراهية تجاه المسلمين لتعزيز خطابها القائم على تصوير المجتمعات الغربية باعتبارها معادية لهم، بما يتيح لها توظيف التوترات الاجتماعية لخدمة أهدافها الدعائية.
من جهته، يرى يانيس جريم، الباحث في دراسات الصراع بجامعة برلين الحرة، في تصريحات لوكالة الأنباء الكاثوليكية، أن اليمينيين المتطرفين والجهات الفاعلة الجهادية يمثلون خصوماً أيديولوجيين في جوانب عديدة، إلا أن ممارسات الطرفين قد تؤدي إلى ما يُعرف بـ"التعزيز المتبادل". فاليمين المتطرف يوظف أعمال العنف الجهادي لتأكيد روايته التي تقدم المسلمين والمهاجرين باعتبارهم تهديداً، بينما تستغل الجماعات الجهادية العنصرية المعادية للمسلمين وأعمال العنف اليميني لتعزيز سرديتها القائلة إن الغرب معادٍ للمسلمين في جوهره.
ويشير جريم إلى وجود بعض القواسم المشتركة بين الطرفين، من بينها التصورات السلطوية للمجتمع، ورفض التعددية، والنظرة الأبوية إلى أدوار الجنسين، ومعاداة الحركة النسوية، فضلاً عن المواقف الرافضة لأنماط الحياة المرتبطة بمجتمع الميم. غير أنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم تصنيف أي هجوم باعتباره عملاً يمينياً متطرفاً لمجرد احتفاء أفراد من اليمين المتطرف به، أو بسبب وجود تقاطعات في صورة "العدو" التي يتبناها الطرفان. ووفقاً للمعلومات التي يستند إليها الباحث، فإن الهجوم المشار إليه يُرجح أن يكون مدفوعاً بأيديولوجية سلفية جهادية، وهو ما يستدعي التعامل معه بجدية، وتحديد طبيعته الأيديولوجية استناداً إلى الأدلة المتاحة.
وتسلط هذه التطورات الضوء على تعقيدات المشهد السياسي والأمني في برلين، حيث تتقاطع المنافسة الانتخابية مع قضايا الهجرة والاندماج، والاحتجاجات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، والمخاوف المتزايدة من أشكال التطرف المختلفة. وبينما يدافع حزب اليسار عن أولوياته الاجتماعية ومواقفه المناهضة للتمييز، تثير بعض تحالفاته الميدانية وخياراته الأمنية نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين الانفتاح السياسي والتعامل مع الخطابات المتشددة. وفي المقابل، تكشف ظاهرة التعزيز المتبادل بين التطرف اليميني والجهادي عن بيئة يستفيد فيها كل طرف من مخاوف الآخر، بما يجعل مواجهة التطرف مرتبطة بضرورة التمييز بين النشاط السياسي المشروع، والخطاب التحريضي، والدعم الفعلي للعنف، بعيداً عن التعميم أو الخلط بين المواقف والأيديولوجيات المختلفة.

شارك