بعد 3 سنوات من الحرب.. مدرسة العائلة المقدسة تعود إلى غزة بألف طالب
الإثنين 21/سبتمبر/2026 - 10:37 ص
طباعة
روبير الفارس
بعد نحو ثلاث سنوات من الإغلاق الذي فرضته الحرب، عادت مدرسة العائلة المقدسة التابعة للبطريركية اللاتينية في مدينة غزة إلى استقبال الطلاب، في مشهد يحمل أكثر من معنى تعليمي؛ فهو بالنسبة إلى الكنيسة الكاثوليكية محاولة لإعادة شيء من الحياة اليومية إلى مدينة دمرتها الحرب، ولإبقاء نافذة مفتوحة أمام الأطفال الذين عاشوا سنواتهم الأخيرة بين القصف والنزوح والخوف.
فقد فتحت المدرسة أبوابها لنحو ألف طالب وطالبة، بينهم نحو 180 طفلًا في مرحلتي الحضانة ورياض الأطفال، و820 طالبًا في المراحل الابتدائية والإعدادية. ويشكل المسيحيون نحو 130 طالبًا، أي قرابة 13% من إجمالي الطلاب، بينما الغالبية من المسلمين. وبذلك أصبحت المدرسة المسيحية الوحيدة التي أعيد فتحها حاليًا في غزة، فيما توقفت المدارس المسيحية الأخرى عن العمل.
واللافت أن إعادة فتح المدرسة تعني للمرة الأولى أن جميع الطلاب المسيحيين في غزة تقريبًا سيجتمعون في مؤسسة تعليمية مسيحية واحدة، بعد أن كانوا موزعين قبل الحرب بين خمس مدارس مسيحية: ثلاث كاثوليكية، ومدرسة أرثوذكسية، وأخرى إنجيلية.
وقال الأب جبرائيل رومانيلي، كاهن رعية العائلة المقدسة في غزة، إن المدرسة ستكون بمثابة «نور في الظلمة» بالنسبة إلى مجتمع عانى كثيرًا، معتبرًا أن رؤية ألف طفل يرتدون الزي المدرسي ويتوجهون إلى المدرسة تحمل رسالة تتجاوز التعليم نفسه: «إن هناك مستقبلًا».
لكن المدرسة لا تعود إلى عملها في ظروف طبيعية. فقد كانت خلال الحرب ملجأ لأكثر من 450 شخصًا من النازحين، قبل أن تسمح عودة بعضهم إلى مناطق أخرى أو مساكنهم بإعادة استخدامها للتعليم. كما جرى إدخال الدعم النفسي والاجتماعي في البرنامج التعليمي، بسبب آثار الحرب التي يعاني منها الأطفال والمعلمون على حد سواء. ويقول رومانيلي إن بعض المعلمين أنفسهم تعرضوا لصدمات شديدة، وإن المدرسة ستبقى مفتوحة بعد انتهاء اليوم الدراسي لتوفير مساحة آمنة للأطفال الذين لا يجدون مكانًا آخر يذهبون إليه.
من فيلبس إلى بورفيريوس
وجود المسيحية في غزة ليس ظاهرة حديثة. وتربط البطريركية اللاتينية بدايات الحضور المسيحي في المنطقة بالقرون الأولى للمسيحية، مستندة إلى رواية سفر أعمال الرسل عن الشماس فيلبس الذي كان على طريق غزة. وفي القرنين الرابع والخامس أصبحت غزة مركزًا مسيحيًا مهمًا، وبرز فيها القديس بورفيريوس، أسقف غزة بين عامي 395 و420، الذي ارتبط اسمه بتحويل المدينة من أحد أهم مراكز الوثنية إلى مدينة ذات حضور مسيحي قوي. كما شهدت المنطقة استشهاد عدد كبير من المسيحيين خلال اضطهادات الإمبراطور دقلديانوس.
أما الوجود اللاتيني الحديث فيعود إلى القرن التاسع عشر. ففي عام 1869 وصل الأب جان موريتان إلى غزة وبدأ تأسيس رعية للاتين، ثم وصلت الرعية إلى مرحلة التنظيم الرسمي عام 1879 مع الأب النمساوي جورج غات. وكان عدد الكاثوليك آنذاك نحو 30 شخصًا فقط، قبل أن يرتفع إلى 71 شخصًا عام 1881.
وكان الأب غات يحلم ببناء كنيسة ومدرسة للبنين وأخرى للبنات، بل بشراء أرض لإقامة مزار مرتبط بمسار العائلة المقدسة خلال رحلتها إلى مصر، لكن الحرب العالمية الأولى أوقفت تنفيذ مشروعاته. وبعد حرب 1948 وصل إلى غزة مئات المهجرين، وبينهم عدد من الكاثوليك، فعاد التفكير في بناء كنيسة أكبر، وهو ما تحقق مع بناء كنيسة العائلة المقدسة الحالية عام 1965 على يد الأب حنا النمري.
وفي عام 1974 أسست البطريركية اللاتينية مدرسة العائلة المقدسة، لتصبح على مدى عقود مؤسسة تعليمية مفتوحة للمسيحيين والمسلمين على السواء، قبل أن تتسع شبكة التعليم المسيحي في غزة مع تأسيس مدرسة راهبات الوردية عام 2000. وتؤكد البطريركية أن فلسفة مدارسها تقوم على التعليم المشترك والكرامة والمساواة دون تمييز ديني.
من أكثر من 1300 مسيحي إلى مجتمع صغير
تكشف قصة رعية العائلة المقدسة أيضًا عن التحول الديموغرافي الكبير الذي أصاب مسيحيي غزة.
فبحسب البطريركية اللاتينية، بلغ عدد مسيحيي غزة عام 2012 نحو 1294 شخصًا، وكان العدد يتراجع عامًا بعد عام بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة.
وفي يوليو 2025، قال الأب رومانيلي إن عدد أفراد الجماعة المسيحية الموجودة حول رعية العائلة المقدسة أصبح في حدود 500 شخص، بعدما كان عدد المسيحيين في القطاع قبل 7 أكتوبر 2023 نحو 1017 شخصًا. وذكر أن نحو 300 تمكنوا من مغادرة غزة عندما كان معبر رفح مفتوحًا، فيما توفي 54 مسيحيًا خلال الحرب، بينهم 16 شخصًا قتلوا في قصف كنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية، إضافة إلى وفيات مرتبطة بالحرب ونقص الأدوية والرعاية الطبية
وهكذا لا تمثل مدرسة العائلة المقدسة مجرد عودة مؤسسة تعليمية؛ بل أصبحت في واقع الأمر إحدى المؤسسات القليلة التي يمكن أن تجمع ما تبقى من أطفال المجتمع المسيحي في غزة داخل مكان واحد.
بين ضغوط حماس ونيران إسرائيل
وتاريخ المسيحيين في غزة لا يمكن اختزاله في طرف واحد من أطراف الصراع. فقد واجهوا ضغوطًا ومخاطر مختلفة؛ بعضها ارتبط بسلطة حماس والجماعات الإسلامية المتشددة، وبعضها الآخر نتج عن العمليات العسكرية الإسرائيلية والحصار والحروب المتكررة.
بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007، سجلت تقارير حقوقية ورسمية هجمات على مؤسسات مسيحية. فقد تعرض مجمع جمعية الشبان المسيحية YMCA للتفجير، كما تعرضت مدارس مسيحية لهجمات وتخريب، وسُجلت اعتداءات على مؤسسات دينية وتعليمية. وفي أكتوبر 2007 اختُطف رمزي عياد، العامل في جمعية الكتاب المقدس المعمدانية، وقُتل، وسط تقارير عن تلقيه تهديدات سابقة وضغوط مرتبطة بنشاطه المسيحي. وفي بعض الحالات، اتهمت التقارير السلطات التي كانت تديرها حماس بعدم التحقيق بصورة فعالة في الاعتداءات على المسيحيين.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا من وصف الأمر باعتباره اضطهادًا دينيًا شاملًا من جانب حماس. فقد أشارت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية في سنوات لاحقة إلى أن جماعات مسيحية كانت تقول إن حماس عمومًا سمحت للمسيحيين بممارسة شعائرهم ولم تفرض عليهم تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تحقق بصورة كافية في بعض وقائع التمييز أو المضايقات المعادية للمسيحيين. كما استمر مسلمون في إرسال أبنائهم إلى المدارس المسيحية في غزة.
أما الجانب الآخر من المأساة، فيرتبط بالحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية. فقد تضررت منشآت مسيحية ومنازل لمسيحيين خلال العمليات السابقة، كما تعرض مجمع العائلة المقدسة نفسه خلال الحرب الأخيرة لأضرار بالغة.
وفي 17 يوليو 2025، أصاب قصف إسرائيلي مجمع كنيسة العائلة المقدسة، الذي كان يؤوي مئات النازحين، وأعلنت البطريركية اللاتينية مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة تسعة آخرين، بينهم الأب جبرائيل رومانيلي بإصابة طفيفة. وقالت البطريركية إن المجمع كان يؤوي نحو 600 نازح، معظمهم من الأطفال، إضافة إلى 54 شخصًا من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وهذا الحادث لم يكن معزولًا عن تاريخ طويل من تأثير العمليات العسكرية على الوجود المسيحي في غزة. ففي حرب 2014، تضررت مبانٍ تابعة للكنيسة ومدارس مسيحية ومنازل مسيحيين، بينما واجهت الجماعة المسيحية خلال السنوات التالية الحصار وصعوبة السفر وتراجع الاقتصاد والهجرة.
الكنيسة التي تحولت إلى ملجأ
خلال الحرب الأخيرة، لم تعد كنيسة العائلة المقدسة مكانًا للصلاة فقط. فقد تحولت إلى ملجأ للنازحين، ومركز لتوزيع الطعام والمياه، ومكان لرعاية كبار السن والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة.
ويقول الفاتيكان إن الأب رومانيلي والراهبات والعاملين في الرعية اختاروا الاستمرار في خدمة المحتاجين، مسيحيين ومسلمين، رغم ظروف الحرب.
ولهذا تبدو عودة المدرسة أكثر من مجرد خبر تعليمي. ففي مدينة فقدت الكثير من مدارسها ومنازلها وأحيائها، يصبح دخول ألف طفل إلى المدرسة حدثًا يحمل دلالة رمزية كبيرة: المسيحيون الذين تقلص عددهم بصورة هائلة لا يريدون أن تتحول هجرتهم إلى نهاية وجودهم، والكنيسة التي أصبحت ملجأ خلال الحرب تحاول الآن أن تعود إلى وظيفتها الأصلية: التعليم، والرعاية، والحفاظ على مجتمع صغير مهدد بالاندثار.
وفي غزة التي أصبح فيها الخراب جزءًا من المشهد اليومي، ربما تكون صورة الأطفال وهم يدخلون مدرسة العائلة المقدسة بالزي المدرسي واحدة من أبسط صور مقاومة الموت بالحياة؛فبعد سنوات كان فيها السؤال كيف ينجو الناس من الحرب، تحاول المدرسة الآن أن تعيد طرح سؤال آخر: كيف يعيش الأطفال بعد الحرب؟
