بعد نداء الفاتيكان...أين اختفى مسيحيو الصومال؟

الثلاثاء 22/سبتمبر/2026 - 11:56 ص
طباعة بعد نداء الفاتيكان...أين روبير الفارس
 

لم يكن نداء البابا لاون الرابع عشر من أجل الصومال مجرد تعبير عن القلق من الجفاف ونقص الغذاء، بل جاء في وقت تواجه فيه البلاد أزمة إنسانية متفاقمة، بينما تعمل الكنيسة الكاثوليكية هناك في واحدة من أكثر البيئات صعوبة وخطورة بالنسبة للمسيحيين في العالم.

ففي أعقاب صلاة التبشير الملائكي أول أمس  الأحد 20 سبتمبر 2026، أعرب البابا لاون الرابع عشر عن «قلق بالغ» إزاء الأزمة الإنسانية في مناطق من الصومال، محذرًا من أن العنف والظواهر المناخية القاسية يزيدان من معاناة السكان، خصوصًا النساء والأطفال، ودعا المجتمع الدولي إلى تقديم استجابة سخية للمتضررين. 

لكن خلف النداء الإنساني للفاتيكان توجد قصة أخرى أقل ظهورًا: قصة كنيسة صغيرة للغاية، ومسيحيين يعيشون في الخفاء، في بلد تكاد الحياة المسيحية العلنية فيه تكون مستحيلة.

 الكنيسة تعمل من خلف الحدود

الكنيسة الكاثوليكية لم تختفِ رسميًا من الصومال، فهناك أبرشية مقديشو، التي أصبحت أبرشية في عام 1975، إلا أن كرسي الأسقف شاغر حاليًا، ويتولى المطران جمال خضر دعيبس، أسقف جيبوتي، منصب المدير الرسولي لمقديشو منذ يناير 2024

واللافت أن الفاتيكان يتابع الوضع الصومالي بصورة مباشرة من خلال الكنيسة المحلية. وفي أحدث تقرير نشره موقع «فاتيكان نيوز» في 21 سبتمبر، تحدث المطران دعيبس عن الكارثة الإنسانية المتفاقمة، موضحًا أن مكاتب كاريتاس الصومال تعمل من جيبوتي لأسباب أمنية، بينما تستمر أنشطتها داخل الصومال بالتعاون مع شركاء محليين. 
وقال دعيبس إن كاريتاس الصومال تقدم المساعدة حاليًا لأكثر من 100 ألف شخص في المناطق الأكثر تضررًا من الجفاف وانعدام الأمن، مؤكدًا أن هذا الرقم يبدو صغيرًا أمام حجم الأزمة، لكنه يعكس إصرار الكنيسة على عدم الابتعاد عن السكان المحتاجين. 

وهنا تكمن المفارقة: المؤسسة الكنسية موجودة، لكن وجودها الإنساني أكثر وضوحًا من وجودها الكنسي العلني.

أين اختفى مسيحيو الصومال؟

لا توجد اليوم في الصومال جماعة مسيحية تاريخية كبيرة أو مجتمع مسيحي منظم يمكن الحديث عنه كما هو الحال في مصر أو العراق أو لبنان. وتشير دراسة لمنظمة  «أبواب مفتوحة» إلى أن الجماعات المسيحية التاريخية لا وجود لها حاليًا في البلاد، بينما يعيش مسيحيون بأعداد ضئيلة جدًا، معظمهم لا يستطيعون إعلان هويتهم الدينية أو ممارسة شعائرهم بصورة علنية. 
وكان للصومال حضور كاثوليكي أكبر في القرن العشرين، وخصوصًا في مقديشو، حيث شُيدت كاتدرائية ضخمة عام 1928، وكانت من أبرز المباني الكاثوليكية في إفريقيا. لكن الكاتدرائية أصبحت خرابًا منذ عام 2008، في واحدة من أكثر العلامات وضوحًا على انهيار الحياة المسيحية العلنية في البلاد. 
أما المسيحيون الذين ما زالوا يعيشون داخل الصومال، فإنهم يتجنبون الظهور العلني إلى حد كبير. وكانت تقارير سابقة للفاتيكان قد تحدثت عن «الحياة الخفية» للمسيحيين الصوماليين، مؤكدة أن جماعة مسيحية صغيرة جدًا استمرت في البلاد رغم المخاطر الأمنية والضغوط الاجتماعية والدينية. 

«الشباب».. الخطر الأكبر على المسيحيين

تُعد حركة «الشباب» الإسلامية المسلحة أحد أخطر العوامل التي تجعل الحياة المسيحية العلنية في الصومال شبه مستحيلة.
وتشير تقارير «أبواب مفتوحة» إلى أن الحركة تفرض تفسيرًا متشددًا للشريعة في المناطق الواقعة تحت نفوذها، وأن المسيحيين الذين يُكتشف أنهم يمارسون إيمانهم معرضون لخطر القتل، 
ولا يقتصر الخطر على المناطق التي تسيطر عليها حركة «الشباب» بصورة مباشرة. فوفق تقرير «أبواب مفتوحة»، لا توجد منطقة يمكن اعتبارها آمنة تمامًا للمسيحيين في الصومال، بما في ذلك مناطق أكثر استقرارًا نسبيًا مثل بونتلاند وأرض الصومال. 
وتتوافق هذه الصورة مع تقارير حقوقية عن استمرار نشاط «الشباب» وهجماتها على المدنيين، إلى جانب الصراع الداخلي والنزوح والجفاف، وهي عوامل تجعل البيئة الأمنية والإنسانية أكثر هشاشة. 

 لا توجد حياة كنسية طبيعية
ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في فهم وضع المسيحيين هناك.
التقارير المتاحة تشير إلى أن المسيحيين لا يستطيعون ممارسة عقيدتهم بصورة طبيعية ومعلنة. ووفق تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحرية الدينية، ظل المجتمع المسيحي الصغير في الصومال يتجنب الظهور العلني، كما لم تكن هناك أماكن عبادة عامة لغير المسلمين، باستثناء موقع داخل مجمع المطار الدولي، بينما ظلت الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في أرض الصومال مغلقة. 
وبالتالي فإن الحديث عن «مسيحيي الصومال» لا يعني وجود كنائس عاملة وجماعات رعوية كبيرة يمكن زيارتها أو متابعة أنشطتها بصورة علنية، وإنما يعني في جانب كبير منه مسيحيين أفرادًا أو مجموعات صغيرة تعيش إيمانها في الخفاء، إلى جانب حضور مؤسسي كنسي يتركز بصورة متزايدة في العمل الإنساني

 الكنيسة اختارت البقاء عبر «كاريتاس»
وسط هذا الواقع، يبدو أن الدور الأكثر وضوحًا للكنيسة الكاثوليكية في الصومال اليوم هو مساعدة السكان بصرف النظر عن انتمائهم الديني.
ويقول المطران دعيبس إن كاريتاس الصومال تعمل في المناطق الأكثر تضررًا من الجفاف وانعدام الأمن، بالتعاون مع شركاء محليين، وتساعد أكثر من 100 ألف شخص، في مجالات الغذاء والمياه والصحة وحماية الأطفال. 
وهذا الدور يكتسب أهمية خاصة في ظل تراجع التمويل الإنساني. فبحسب «فاتيكان نيوز»، انخفضت المساعدات الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي من نحو مليوني شخص إلى 600 ألف شخص فقط خلال عام 2026، بينما لم يتم تمويل سوى جزء محدود من الاحتياجات الإنسانية التي حددتها الأمم المتحدة. 
الوضع الراهن 
لقد  جعل انتشار التطرف المسلح والانهيار المؤسسي والحرب الأهلية الممتدة منذ سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، وجود المسيحيين أكثر هشاشة.
لكن الكنيسة الكاثوليكية لم تغادر المشهد تمامًا.
فهي موجودة من خلال أبرشية مقديشو، ومن خلال المدير الرسولي، ومن خلال كاريتاس وشبكة المساعدات الإنسانية المرتبطة بالكنيسة، بينما يعيش عدد محدود جدًا من المسيحيين داخل البلاد في ظل أقصى درجات التكتم.
وهكذا، فإن المشهد المسيحي في الصومال لا يشبه صورة «أقلية دينية» لها كنائسها ومدارسها ومؤسساتها، بل أقرب إلى كنيسة تعيش في الظل، ومسيحيين يحمون هويتهم بالصمت، ومؤسسات كنسية تحاول أن تبقى حاضرة عبر خدمة الإنسان في بلد تمزقه الحرب والجفاف والتطرف
وربما لهذا جاء نداء البابا لاون الرابع عشر من أجل الصومال في توقيت بالغ الدلالة: فبينما يعاني ملايين الصوماليين من الجوع والعطش والنزوح، تحاول الكنيسة أن تكون حاضرة في المكان نفسه، لا من خلال استعادة نفوذ ديني، وإنما من خلال مساعدة الإنسان الذي يعيش الأزمة، مسيحيًا كان أم مسلمًا.

شارك