كيف تحايل تنظيم "داعش" في غرب إفريقيا على صدمة تغيير العملة النيجيرية؟
الجمعة 25/سبتمبر/2026 - 03:36 م
طباعة
علي رجب
يصور صراع مكافحة تمويل الإرهاب غالبا على أنه معركة تقليدية تركز فيها الحكومات جهودها على تقييد التدفقات المالية للمنظمات المتطرفة، بينما تبحث الأخيرة عن وسائل نجاة بديلة.
غير أن دراسة تحليلية متعمقة أجرتها منظمة "الحوكمة الرشيدة في أفريقيا" تسلط الضوء על جانب أكثر تعقيدا، مفاده أن هذا الصراع يعتمد بالأساس على مرونة الأطراف وقدرتها الفائقة على التكيف السريع مع الصدمات النقتصادية الكبرى.
وتكشف الدراسة الاستخباراتية كيف استجابت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (داعش غرب إفريقيا - ISWAP) لصدمة نقدية غير مألوفة تمثلت في قرار البنك المركزي النيجيري إعادة تصميم العملة المحلية (النايرا) خلال الفترة بين 2022 و2023.
وقد استهدفت تلك السياسة النقدية الحد من فائض السيولة، ومعالجة ظاهرة اكتناز العملة، ومكافحة التدفقات المالية غير المشروعة. وعلى الرغم من حالة الذعر التي اجتاحت المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم في حوض بحيرة تشاد، إلا أن الجماعة نجحت في تجنب الانهيار المالي، بل وخرجت من التجربة بش شبكة قنوات مالية وتجارية أكثر تنوعا ومرونة مما كانت عليه سابقا.
الاقتصاد النقدي وصدمة الفئات النقدية
تعتمد المجتمعات القاطنة تحت سيطرة "داعش غرب إفريقيا" في حوض بحيرة تشاد بشكل شبه مطلق على التعاملات النقدية الورقية المباشرة؛ حيث تجبى الضرائب والزكاة من الصيادين والمزارعين والتجار والرعاة نقدا، وتتم بها كافة العمليات التجارية واللوجستية وتوريد الأغذية.
وحين أعلن البنك المركزي النيجيري عن طرح فئات جديدة للأوراق النقدية من فئة 200 و500 و1000 نايرا، وفرض مواعيد صارمة لاستبدال الأوراق القديمة مع حدود قاسية للسحب، سادت مخاوف واسعة بين الأهالي من فقدان أموالهم لعدم قدرتهم على الوصول المباشر للنظام المصرفي.
وفي خطوة استباقية لاحتواء الأزمة ونقل المخاطر المالية إلى صفوفه، سارع التنظيم إلى إصدار تعليمات صارمة للمدنيين والعاملين في تحصيل الإيرادات بالاستمرار في قبول الأوراق النقدية القديمة، مؤكدا أنه سيتحمل مسؤولية معالجة هذا التحدي المالي المعقد.
ثلاث استراتيجيات رئيسية لتحويل النقد إلى أصول
ولحفظ القيمة المالية للأموال الهائلة التي جمعت عبر الضرائب والأنشطة التجارية، اعتمدت قيادة التنظيم ثلاث استراتيجيات رئيسية متزامنة:
توزيع السيولة النقدية: منح كبار التجار في الجزر مبالغ نقدية طائلة بهدف استثمارها في أنشطتهم التجارية وتحقيق أرباح شخصية، دون مطالبتهم بعوائد أو أرباح للتنظيم، مما ضمن إبقاء الأموال قيد التداول الفعلي.
الاستثمار في السلع الاستراتيجية: جرى تحويل الأموال السائلة إلى أصول عينية ومواد أساسية،فشمل ذلك شراء آلاف أكياس الحبوب من المزارعين، وتخزين كميات ضخمة من الوقود (أكثر من 100 ألف لتر موزعة في عبوات)، إلى جانب تأمين صفقات تسليح عبر شبكات دعم تمتد في تشاد والكاميرون.
التخلص الآمن وصرف الأموال عبر وكلاء مدنيين: نشر التنظيم شبكة من الوكلاء الموثوقين والشركات التجارية المشروعة (كمحلات السوبر ماركت ومتاجر المنسوجات والصرافة) في مراكز حضرية كبرى مثل مايدوغوري، كانو، أبوجا، ونجامينا.
واستخدم هؤلاء الوكلاء لتسهيل تهريب الأموال القديمة مخبأة تحت ستار شحنات الأسماك إلى الدول المجاورة، واستبدالها بالعملات الأجنبية (الفرنك الإفريقي واليورو والدولار) أو إيداعها في القطاع المصرفي الرسمي عبر حسابات تجارية نظامية تمتلك كافة الوثائق المطلوبة كأرقام الهوية الوطنية والتحقق المصرفي (BVN).
التحول نحو الأنظمة غير النقدية وتوظيف التقنية المالية
مع تسارع سياسة نيجيريا نحو تقليل التعامل النقدي، واجه التنظيم تحديات في إدارة زكاة الماشية التي يتلقاها سنويا (والتي تقدر بآلاف الرؤوس). ولتجنب المخاطر الجسيمة المرتبطة بنقل الأموال النقدية السائلة من أسواق لاغوس البعيدة إلى حوض بحيرة تشاد، أحدث التنظيم تحولا نوعيا بناء على مقترحات إدارية داخلية.
حيث قام مسؤولون في التنظيم بفتح حسابات مصرفية وحسابات لدى شركات التكنولوجيا المالية (مثل منصة "أوباي" وبنك "فيرست بنك")، ليتم اعتماد التحويلات المصرفية وبطاقات الخصم المباشر في معاملات بيع الماشية الكبرى. هذا التحول قلص بصورة ملحوظة مخاطر السرقة والاختلاس أثناء النقل العابر للمناطق.
تداعيات على مستوى السياسات ومكافحة الإرهاب
تؤكد هذه المعطيات أن استهداف قنوات تمويل الإرهاب يقتضي تجاوز الأساليب التقليدية المتمثلة في مراقبة النقد والعملة وحدها؛ إذ إن الجماعات المسلحة قادرة على الابتكار والتنويع عبر دمج شبكاتها في الاقتصادات المشروعة وسلاسل القيمة الخاصة بالسلع والماشية والوقود.
ويخلص الخبراء إلى ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي والاستخباراتي بين نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر، وتفعيل الرقابة المبنية على المخاطر في القطاع المصرفي وقطاع التقنية المالية، لملاحقة تدفقات الأموال المشبوهة دون الإضرار بسبل العيش المشروعة للسكان المحليين.
