التصعيد الحوثي في اليمن.. توسع ميداني ودعم أمريكي محدود وأزمة إنسانية متفاقمة
السبت 26/سبتمبر/2026 - 01:21 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل اتساع تداعيات الحرب الإقليمية، عادت اليمن إلى واجهة التصعيد مع استغلال جماعة الحوثيين حالة الانشغال العسكري والسياسي لتوسيع نفوذها وتعزيز تحركاتها قرب مضيق باب المندب، بالتزامن مع تجدد المواجهات مع القوات الداعمة للحكومة اليمنية ومحدودية التدخل العسكري الأمريكي المباشر.
وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن الحوثيين استغلوا الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران لشن هجوم مباغت مطلع سبتمبر على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في خطوة قالت الصحيفة إنها أربكت أسواق النفط العالمية.
ونقلت الصحيفة عن محللين ومسؤولين قولهم إن التطورات الميدانية في اليمن، الذي يبلغ عدد سكانه نحو 35 مليون نسمة ويقع جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، ترتبط بصورة مباشرة بالحرب الدائرة في إيران، مشيرين إلى أن الحوثيين يسعون إلى استغلال الوضع لتعزيز سيطرتهم على مضيق باب المندب.
واشنطن ترفض الضربات المباشرة وتدعم السعودية
في المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تتدخل عسكريًا حتى الآن، رغم مناشدات الحكومة اليمنية لواشنطن شن غارات جوية على الحوثيين.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين يمنيين، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما بسبب حساسية الوضع، أن تلك المناشدات لم تلقَ استجابة. كما لفتت إلى أن الإدارة الأمريكية ألغت في وقت سابق منصب المبعوث الخاص إلى اليمن، ولم تعيّن سفيرًا دائمًا لدى البلاد.
وأضاف تقرير واشنطن بوست أن ترامب خفّض المساعدات الخارجية الأمريكية إلى نحو 53 ألف دولار خلال العام الماضي، مقارنة بنحو 763 مليون دولار في عام 2024.
ونقلت الصحيفة عن أبريل لونغلي آلي، الباحثة في معهد واشنطن، قولها إن الولايات المتحدة تخلت عن الاهتمام باليمن عسكريًا ودبلوماسيًا وعلى مستوى الدعم، عقب انتهاء حملتها الجوية ضد الحوثيين، التي حملت اسم "روغ رايدر" وانتهت بالتوصل إلى هدنة في مايو 2025.
وقالت لونغلي آلي إن إدارة ترامب تأمل في "إلقاء عبء المشكلة على السعودية"، التي دعمت الحكومة اليمنية في حربها ضد الحوثيين، بما في ذلك خلال الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد بين عامي 2015 و2022.
وأضافت: "لكن بينما تركز الولايات المتحدة على مصالحها المباشرة الأخرى، فإن الحوثيين يكتسبون قوة متزايدة".
وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين مطلعين أن عشرات الجنود الأمريكيين ينتشرون في السعودية لمساعدة الجيش السعودي في جهود موسعة لمواجهة الحوثيين، دون الكشف عن هويتيهما نظرًا لحساسية الموضوع.
وأوضح أحد المسؤولين أن الدعم الأمريكي لا يشمل شن ضربات عسكرية مباشرة على الحوثيين، لكنه يتضمن تبادل معلومات الاستهداف وتقديم المساعدة اللوجستية.
وأكد المسؤولان أن هذه الجهود تخضع، جزئيًا على الأقل، لإشراف قوات مشاة البحرية الأمريكية "المارينز"، في إطار تحركات سبق أن كشفت عنها شبكة CNN في وقت سابق من الشهر الجاري.
وامتنعت القيادة المركزية الأمريكية، المسؤولة عن العمليات العسكرية في المنطقة، عن التعليق على هذه المعلومات.
وفي المقابل، قال مسؤول يمني للصحيفة إن الدبلوماسيين الأمريكيين يشيرون باستمرار إلى الدعم الاستخباراتي الذي تقدمه واشنطن، لكن الحكومة اليمنية لا تتلقى سوى قدر محدود من المساعدة الملموسة.
ونقلت الصحيفة عن المسؤول قوله: "الكلام سهل… والكلام رخيص"، مضيفًا أن الأوضاع الإنسانية في اليمن تتدهور أسبوعًا بعد آخر، وأن السكان يعانون في ظل محدودية الموارد المتاحة للحكومة لتقديم الدعم لهم.
من جانبه، قال نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي، للصحفيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، إن حكومته "تُقدّر عاليًا" الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد الحوثيين، لكنه شدد على الحاجة إلى مزيد من الدعم العسكري والأمني.
الحوثيون يربطون تحركاتهم بالحرب الإقليمية
وأشارت الصحيفة إلى أن الحوثيين، الذين ظهروا في تسعينيات القرن الماضي كجماعة مسلحة غير نظامية في شمال اليمن، سعوا منذ فترة طويلة إلى إخراج السعودية من البلاد، متهمين إياها بفرض حصار على اليمن.
ونقلت الصحيفة عن ندوة الدوسري، الباحثة المشاركة في معهد الشرق الأوسط، قولها إن الحوثيين لديهم مظالم محددة تجاه السعودية، غير أن توقيت هجومهم الأخير وحجمه يشيران، بحسب تقييمها، إلى أنه يهدف إلى تعزيز موقف إيران في مواجهة الولايات المتحدة، في وقت يتراجع فيه نفوذ طهران على مضيق هرمز.
وأضافت الدوسري أن المساعدات الإنسانية المقدمة لليمن، بما فيها المساعدات الأمريكية، شهدت تراجعًا كبيرًا خلال العام الماضي، إلى حد باتت معه العائلات النازحة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اللازمة لمواجهة موجة العنف الأخيرة.
ووفقًا لما أوردته الصحيفة، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 120 ألف يمني نزحوا خلال ثلاثة أسابيع، فيما فر آلاف آخرون عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي وصوماليلاند وبونتلاند.
كما تتفاقم معدلات سوء التغذية، التي كانت مرتفعة أصلًا، وفقًا لمنظمات الإغاثة العاملة على الأرض، بالتزامن مع اقتراب النظام الصحي الهش في البلاد من الانهيار.
ونقلت الصحيفة عن آدم بارون، الباحث في برنامج الأمن المستقبلي بمركز "نيو أمريكا" للأبحاث في واشنطن والمتخصص في دراسة الحوثيين، قوله إن الحرب عادت وفق جميع التعريفات، مضيفًا أن الحكومة اليمنية تدرك أن الأمر يمثل تهديدًا وجوديًا لها.
مواجهات جديدة ومقاومة للتحركات الحوثية
وأوضحت الصحيفة أن الحرب الأهلية الأخيرة في اليمن انتهت بهدنة هشة أبقت الحوثيين مسيطرين على العاصمة صنعاء، فيما احتفظت الحكومة بالسيطرة على معظم المناطق الجنوبية.
وأضافت أن الحوثيين وسّعوا تحركاتهم خلال سبتمبر ، بعد هجومهم على الساحل الغربي، ليتقدموا نحو المناطق الداخلية، في حين بدا التحالف العسكري اليمني المدعوم من السعودية عاجزًا عن الرد في البداية، قبل أن يبدأ بإبداء مقاومة شرسة.
ونقلت الصحيفة عن محمد الباشا، مستشار المخاطر اليمني الأمريكي، قوله إن أكثر من 500 مقاتل حوثي، بينهم قادة، قتلوا خلال الأسابيع الأخيرة في معارك دارت جنوب غربي اليمن وشماله الشرقي، على خلفية الصراع للسيطرة على جبال كهبوب ومحافظة مأرب الغنية بالموارد.
وأضاف الباشا أن التحركات الحوثية الأخيرة واجهت مقاومة أشد بكثير من تلك التي واجهتها الجماعة خلال هجومها الأول على الساحل الغربي.
وقال: "لقد عدنا إلى سيناريو السودان، بدلًا من سيناريو سوريا. ويبدو أننا أمام صومال آخر، بجزر من الاستقرار وسط العنف".
النظام الصحي والنزوح عبر البحر الأحمر
وفيما يتعلق بالتداعيات الإنسانية، نقلت الصحيفة عن هاشم عسيران، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط، وصفه النظام الصحي في اليمن بأنه «"على حافة الانهيار، بعد أن أضعفته صدمات متتالية".
وقال عسيران إن أكثر من 40% من المرافق الصحية في اليمن كانت معطلة جزئيًا أو كليًا، مشيرًا إلى عدم توافر مرافق أو كوادر طبية كافية للتعامل مع تدفق الجرحى.
وأضاف أن أقسام الولادة في المستشفيات تُحوّل إلى غرف طوارئ، فيما يبذل العاملون في القطاع الطبي جهودًا مضنية لمواجهة الأزمة المتفاقمة.
من جانبه، قال مارك شكل، رئيس برامج منظمة أطباء بلا حدود في الشرق الأوسط، إن المستشفيات تعرضت لأضرار جراء القتال، وإن الطواقم الطبية واجهت تدفقًا كبيرًا من المصابين والوفيات.
وأشار شكل إلى أن مستشفى عدن، المدينة التي تمثل العاصمة الفعلية للحكومة اليمنية، استقبل 25 جثة خلال يومين.
أما مستشفى المخا، المدينة التي سيطر عليها الحوثيون في 10 سبتمبر/، فما يزال يعمل، لكن بعدد أقل من المرضى نتيجة نزوح أعداد كبيرة من السكان.
ونقلت الصحيفة عن شكل قوله: "ما يقلقنا هو المدنيون، لأنهم في نهاية المطاف سيدفعون الثمن. لا تولي أي سلطة في اليمن اهتمامًا بهم، وكلا الجانبين عازم على ذلك".
وفي جيبوتي، قالت ساندرينا ديزامور، ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن الموجة الأولى من اليمنيين الذين وصلوا إلى البلاد عبر مضيق باب المندب كانت تضم صيادين قدموا على متن قوارب صغيرة.
وأضافت أن هؤلاء وصلوا برفقة عائلاتهم فقط، قبل أن تتبعهم موجات أخرى من اللاجئين أكثر تنظيمًا.
وأوضحت ديزامور أن نسبة كبيرة من الوافدين الجدد تتكون من النساء والأطفال، وأن كثيرين منهم يعانون من سوء التغذية.
ونقلت الصحيفة عنها قولها: "عندما نسألهم عن سبب فرارهم، يصفون فقط القصف العشوائي".
وأشارت ديزامور إلى أن نحو 30% من الوافدين كانوا قد لجأوا إلى الخارج خلال الحرب الأهلية السابقة، قبل أن يعودوا إلى اليمن بعدما اعتقدوا أن الأوضاع أصبحت آمنة بما يكفي لإعادة بناء حياتهم، وختمت بالقول: "الآن، لقد عادوا إلى اللجوء مرة أخرى".
يرى مراقبون أن ما كشفه تقرير "واشنطن بوست" يعكس ارتباطًا متزايدًا بين مسار الحرب الإقليمية والتطورات الميدانية في اليمن، في ظل استغلال الحوثيين حالة الانشغال العسكري والسياسي لتوسيع تحركاتهم وتعزيز حضورهم قرب مضيق باب المندب. ويشيرون إلى أن تجدد المواجهات لا يقتصر تأثيره على التوازنات العسكرية، بل يضاعف الضغوط الإنسانية على المدنيين، مع اتساع حركة النزوح وتزايد الأعباء على نظام صحي يعاني أصلًا من أوضاع صعبة.
وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار التصعيد في اليمن بالتزامن مع الحرب الدائرة حول إيران يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع محدودية التدخل العسكري الأمريكي المباشر وتراجع المساعدات، بينما تتحمل الأطراف المحلية والسكان المدنيون الجزء الأكبر من تداعيات عودة القتال.
