الحوثيون يوثقون بالفيديو استهداف "تجمعات وآليات سعودية" في عدة جبهات وسط تصعيد متصاعد على الحدود اليمنية
السبت 26/سبتمبر/2026 - 04:49 م
طباعة
حسام الحداد
نشر الإعلام الحربي التابع لجماعة الحوثي (أنصار الله) في اليمن مشاهد مصورة قال إنها توثق عمليات استهداف طالت تجمعات وآليات عسكرية وصفتها الجماعة بأنها تابعة ل"العدو السعودي"، وذلك باستخدام طائرات مسيرة محلية الصنع من طراز "رجوم"، في عدد من جبهات القتال المتاخمة للحدود اليمنية السعودية. ولم تحدد الجماعة اليمنية المسلحة أماكن أو أوقات الاستهداف بدقة، فيما لم يصدر عن الجانب السعودي أو قوات التحالف حتى الآن أي تعليق رسمي على محتوى هذه المشاهد أو صحة ما ورد فيها.
يأتي هذا الإعلان في سياق تصعيد عسكري متجدد بين جماعة الحوثي من جهة، والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية من جهة أخرى، تشهده عدة محافظات يمنية منذ أوائل سبتمبر الجاري، وشمل ضربات حوثية طالت العمق السعودي، وردودا جوية سعودية وحكومية استهدفت مواقع للجماعة في محافظات متعددة، وسط مؤشرات على أن الطرفين يوسعان نطاق عملياتهما الميدانية والإعلامية في آن واحد.
مضمون المشاهد: عرض عسكري بطائرات "رجوم"
وبحسب بيان صادر عن الجماعة، فإن المشاهد "النوعية" التي نشرها إعلامها الحربي توثق ما وصفته ب"استهداف القوات المسلحة اليمنية لتجمعات وآليات العدو السعودي" رغم ما وصفته ب"محاولات التمويه والتخفي" من جانب القوات المستهدفة. وأظهرت اللقطات، بحسب الرواية الحوثية، عمليات رصد واستطلاع سبقت تنفيذ الضربات، إلى جانب عشرات من عمليات القصف المباشر باستخدام هذا النوع من الطائرات المسيرة.
وتفاوتت طبيعة الاستهداف بحسب الهدف المرصود، إذ أظهرت المشاهد في بعض المقاطع استخدام قذيفة واحدة أو قذيفتين، بينما استخدمت في مقاطع أخرى ما يصل إلى ست قذائف على الهدف نفسه، في ما اعتبرته الجماعة دليلا على المستوى التقني الذي بلغته منظومة "رجوم" المحلية الصنع من حيث الدقة وحجم التدمير الذي تحدثه. ونشرت قناة "المسيرة"، الذراع الإعلامية للجماعة، مقاطع الفيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي مرفقة بوسوم دعائية تصف العملية بأنها "ضرب لتحشيدات العدو السعودي".
الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها الجماعة إلى نشر مواد مصورة من هذا النوع؛ إذ دأب إعلامها الحربي خلال الأسابيع الماضية على بث مقاطع مشابهة توثق ما قالت إنه استهداف لشاحنات عسكرية قادمة من الأراضي السعودية في مناطق حدودية مثل معسكر الوديعة، في إطار حملة إعلامية موازية للعمليات الميدانية تهدف إلى إظهار تطور القدرات العسكرية المحلية للجماعة وتعزيز الروح المعنوية لدى مقاتليها ومناصريها.
سياق أوسع: تصعيد ميداني منذ مطلع سبتمبر
هذا الإعلان يأتي في خضم موجة تصعيد واسعة شهدتها الجبهة اليمنية السعودية منذ الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري، حين أعلنت الجماعة تنفيذ هجمات متعددة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت، بحسب بياناتها، قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، إضافة إلى مواقع وصفتها ب"الحساسة" في الرياض ومنشأة تابعة لشركة أرامكو في مدينة ينبع الساحلية غربي المملكة، فيما أعلنت الدفاعات الجوية السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه الرياض، مؤكدة إحباط محاولات أخرى لاستهداف مناطق بينها الطائف وبيش وفرسان وينبع.
وفي المقابل، وسعت القوات الحكومية اليمنية، المدعومة بغطاء جوي من التحالف، عملياتها البرية والجوية لتشمل عدة محافظات من بينها الجوف والبيضاء والضالع وتعز والحديدة ومأرب، حيث أعلنت القوات الحكومية إحرازها تقدما في جبهتي تعز والجوف بالتزامن مع توسيع عملياتها ضد الجماعة بإسناد جوي طال مواقع للحوثيين في ست محافظات. كما أفادت مصادر حكومية بأن المعارك في محافظة البيضاء وحدها أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة، فيما أعلنت قوات "ألوية العمالقة" الحكومية سيطرتها على مواقع استراتيجية متقدمة بعد مواجهات وصفت بالعنيفة.
ولم يقتصر التصعيد على الجانبين اليمني والسعودي فقط؛ فحتى صباح اليوم، أفادت تقارير محلية عن اعتراض هجومين حوثيين جديدين موجهين نحو الأراضي السعودية ومعارك متجددة في محافظتي لحج وتعز، في وقت أكد فيه رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان، خلال اجتماع عقد في الرياض الجمعة الماضي، التزامهم ب"الدفاع الجماعي" بموجب اتفاق مكة الموقع بين الدول الثلاث، في مؤشر على تحرك إقليمي لتعزيز مظلة الدعم الأمني للرياض في مواجهة الهجمات الحوثية المتكررة.
الموقف السعودي والحكومي: إدانة وتحذير من رد حازم
الحكومة السعودية من جانبها لم تتوان عن التعبير عن استيائها من الهجمات المتكررة على أراضيها؛ إذ أدان مجلس الوزراء السعودي بأشد العبارات استمرار ما وصفه باعتداءات الحوثيين "المتعمدة على الأعيان المدنية والمدنيين في المملكة"، مؤكدا في الوقت نفسه حق البلاد "المشروع في الدفاع عن نفسها وحماية سيادتها". هذا الموقف يعكس تصلبا متزايدا في الخطاب الرسمي السعودي، بعدما ظلت هجمات الحوثيين لسنوات تقابل غالبا بردود دفاعية محدودة تقتصر على اعتراض الصواريخ والمسيرات.
وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم قوات التحالف اللواء تركي المالكي أن الهجمات الحوثية "محرمة"، متعهدا بأن قيادة القوات المشتركة ستتخذ "إجراء حازما" وستنفذ ما تراه ضروريا من عمليات لتحييد مصادر التهديد والرد على الهجمات. من جهتها، واصلت القوات الحكومية اليمنية تنفيذ غارات جوية شبه يومية على مواقع ومعسكرات وتجمعات تابعة للحوثيين في عدة جبهات، من بينها جبهات مأرب الجنوبية ومديريات الشرية وذي ناعم في محافظة البيضاء، مستهدفة بحسب بياناتها منصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة.
ورغم هذا التصعيد المتبادل، تشير تقارير ميدانية إلى أن القصف السعودي اليومي والمعارك البرية المتواصلة لم تفلح حتى الآن في حسم أي من الجبهات لصالح طرف بعينه، فيما لا تزال محاولات حشد دعم دولي أوسع لإنهاء النزاع اليمني المستمر منذ سنوات دون استجابة تذكر حتى تاريخه.
قراءة في المآلات: تهديد لمسار السلام الهش
يرى محللون متابعون للملف اليمني أن تجدد هذا النمط من التصعيد، بشقيه الميداني والإعلامي، يهدد بتقويض أي مسار تفاوضي هش كان قد بدأ يتبلور بين الأطراف اليمنية خلال الأشهر الماضية، إذ إن كل جولة تصعيد جديدة تعقد فرص العودة إلى طاولة الحوار وتبقي البلاد رهينة لدورة عنف متكررة. كما يحذر من أن استمرار الهجمات المتبادلة قد يفاقم الأزمة الإنسانية المتردية أصلا في اليمن، الذي يصنف من بين أكثر دول العالم تضررا من النزاعات المسلحة المطولة.
ويربط مراقبون بين استمرار الجماعة في استهداف العمق السعودي وبين ارتباطها الإقليمي بمحور طهران، معتبرين أن تعهد الحوثيين المتكرر ب"الدفاع" عما يصفونه بقضايا المحور الإيراني يعكس أولوية لدى قيادة الجماعة تتقدم أحيانا على الحسابات الداخلية اليمنية البحتة. وفي ظل تعزيز التحالف الأمني الثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد بموجب اتفاق مكة، يبدو أن المملكة تسعى لتوسيع مظلة الردع الإقليمي في مواجهة هذا التهديد المستمر، بينما تبقى الساحة اليمنية الداخلية حقل اختبار حقيقي لمدى قدرة الأطراف المتحاربة على الوصول إلى تهدئة تفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة.
