إعادة إعمار غزة.. لماذا يربط الفاتيكان بين أنقاض القطاع وحل الدولتين؟

الإثنين 28/سبتمبر/2026 - 11:31 ص
طباعة إعادة إعمار غزة.. روبيرالفارس
 

 
لا يرى الفاتيكان أن إعادة إعمار غزة يمكن أن تكون مشروعًا هندسيًا أو اقتصاديًا منفصلًا عن مستقبل الفلسطينيين السياسي. وهذا هو جوهر الرسالة التي حملها الكاردينال بييترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان، إلى الأمم المتحدة، حين شدد على أن إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تتحولا إلى بديل عن تسوية سياسية عادلة ودائمة.
وفي كلمته أمام اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك ، رحب بارولين بما تحقق من خطوات لوقف الحرب وتسهيل وصول المساعدات، لكنه أكد أن الواقع الإنساني في غزة ما زال مأساويًا، وأن معالجة آثار الحرب لا ينبغي أن تنفصل عن مستقبل الشعب الفلسطيني كله. كما جدد موقف الكرسي الرسولي بأن حل الدولتين، على أساس حدود آمنة ومعترف بها دوليًا، هو الإطار الذي يراه الفاتيكان الطريق إلى سلام دائم. 

 غزة تحتاج إلى ما هو أكبر من إعادة البناء

تكشف الأرقام الدولية حجم المهمة التي تنتظر أي مشروع لإعادة إعمار القطاع. فقد قدرت التقييمات المشتركة للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى فقط، لإعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم الاقتصاد. وقدرت الأضرار التي لحقت بالبنية المادية وحدها بنحو 35.2 مليار دولار. 
وتشمل الخسائر قطاعات السكن والصحة والتعليم والتجارة والزراعة، مع تضرر أو تدمير أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وتعطل أكثر من نصف المستشفيات، وتعرض الغالبية الساحقة من المدارس للدمار أو الضرر. كما انكمش اقتصاد غزة بنحو 84%، فيما فقد أكثر من 60% من السكان منازلهم. 
ومن هنا تبدو عبارة بارولين بأن المساعدات وإعادة الإعمار لا تكفي وحدها أكثر من مجرد موقف سياسي؛ فهي تتطابق إلى حد كبير مع تقييم الأمم المتحدة نفسه. ففي تقرير صدر في سبتمبر الجاري، أكدت الأمم المتحدة أن التعافي وإعادة الإعمار في غزة والعملية السياسية الأوسع "مترابطان"، وأنه لا يمكن الحفاظ على أحدهما بمعزل عن الآخر.

 ماذا يستطيع الفاتيكان أن يفعل فعليًا؟

لا يملك الفاتيكان وحده الموارد المالية أو الآليات التنفيذية لإعادة إعمار قطاع بحجم غزة، ولا يقدم نفسه باعتباره الجهة التي ستدير عملية إعادة الإعمار. لكن تأثيره المحتمل يأتي من ثلاثة مسارات رئيسية: الدبلوماسية، والمؤسسات الكنسية الموجودة على الأرض، وشبكة المساعدات الإنسانية الكاثوليكية.
فعلى الأرض، لعبت البطريركية اللاتينية في القدس دورًا مباشرًا في تقديم المساعدات، بالتعاون مع فرسان مالطا ومنظمة مالتيزر الدولية. وتشير بيانات البطريركية إلى أن عمليات الإغاثة وصلت إلى عشرات الآلاف من الأشخاص، فيما استمرت الجهود لتوفير الرعاية الصحية والتعليم والدعم النفسي. 
وهذا الدور لا يتوقف عند توزيع الغذاء. فقد أعادت مدرسة البطريركية اللاتينية في غزة فتح أبوابها في سبتمبر 2026، لتصبح المؤسسة التعليمية المسيحية الوحيدة العاملة في القطاع، مع عودة 77 مدرسًا إلى العمل. وتقدم المدرسة خدمات تعليمية إلى أبناء المجتمع المحلي، إلى جانب أنشطة للدعم النفسي للأطفال والمعلمين. 
كما يعمل كاريتاس القدس في المجال الصحي والنفسي والاجتماعي، وتحدثت كاريتاس إيطاليا عن استمرار دعمها لبرامج الرعاية الصحية، ومنها مشروعات صحة الأم والطفل والصحة النفسية في غزة. 
ويبرز كذلك مشروع إنشاء مستشفى في غزة بالتعاون بين البطريركية اللاتينية ومجلس أساقفة إيطاليا، وهو نموذج يوضح أن الدور الكنسي يمكن أن يتجاوز الإغاثة العاجلة إلى إعادة بناء قطاعات محددة من الحياة المدنية. 

 الفاتيكان كقوة دبلوماسية لا كجهة تمويل

الأهمية الأكبر للفاتيكان ربما لا تكمن في حجم الأموال التي يستطيع توفيرها، وإنما في قدرته على إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المحافل الدبلوماسية، والدفاع عن مشاركة الفلسطينيين في تقرير مستقبل غزة.
وفي هذا السياق، يطالب الكرسي الرسولي بتقوية المؤسسات الفلسطينية الشرعية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وتجنب الإجراءات التي تؤدي إلى مزيد من تجزئة الأراضي أو تقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية.
كما أن الفاتيكان أعلن خلال العام الحالي استمرار دعمه المالي للأونروا، داعيًا إلى استمرار وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. 
وهنا يظهر الفرق بين "المساهمة في إعادة الإعمار" و"قيادة إعادة الإعمار". فالأولى يستطيع الفاتيكان وشركاؤه القيام بها عبر المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والمساعدات وبرامج حماية المجتمع، أما الثانية فتحتاج إلى منظومة دولية ضخمة، وتمويل بمليارات الدولارات، وترتيبات أمنية وسياسية وإدارية لا يستطيع الكرسي الرسولي توفيرها بمفرده.

هل طرح بارولين واقعي؟

من الناحية الإنسانية، يبدو الربط بين إعادة الإعمار والحل السياسي واقعيًا بدرجة كبيرة، لأن الأموال والمشروعات لا تستطيع وحدها ضمان استمرار ما يُبنى. إعادة بناء مستشفى أو مدرسة أو شبكة مياه، في غياب ترتيبات أمنية وسياسية مستقرة، تعني أن المنشآت الجديدة قد تظل معرضة للتدمير أو التعطيل.

لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من المبدأ إلى التنفيذ.

فحتى الآن، وبعد قرابة عام على وقف إطلاق النار، تشير الأمم المتحدة إلى أن وقف إطلاق النار ما زال هشًا، وأن الضربات الإسرائيلية مستمرة، فيما لم يُنفذ نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة، كما أن الترتيبات الانتقالية الخاصة بإدارة غزة لم تدخل مرحلة التشغيل الكامل على الأرض. كذلك لم تتحول آليات التمويل الدولية إلى تعافٍ واسع النطاق ومستدام حتى الآن. 
وتشير الأمم المتحدة أيضًا إلى أن خطة التعافي تحتاج إلى قيادة فلسطينية واضحة، وتنسيق دولي موحد، وإدخال منتظم للمواد الإنسانية والتجارية ومواد البناء، فضلًا عن تمويل طويل الأجل يمكن الاعتماد عليه. وتقول إن النداء الإنساني لعام 2026 لم يكن ممولًا إلا بنسبة 40% وقت إعداد تقرير سبتمبر. 
وبالتالي، فإن المشكلة ليست في غياب خطة لإعادة إعمار غزة فقط، وإنما في غياب الظروف السياسية والأمنية والمالية التي تسمح بتنفيذها على نطاق واسع.

 بين أنقاض غزة ومستقبل فلسطين

من هذه الزاوية يمكن فهم موقف بارولين بصورة أوسع. فالفاتيكان لا يقول إن إعادة الإعمار غير مهمة، بل يقول العكس تمامًا: إنها ضرورية، ولكنها لا تستطيع أن تكون المشروع السياسي الذي يحل محل الحل السياسي.
وهذا يتفق مع التصور الأممي الحالي الذي يرى أن التعافي في غزة يحتاج إلى إطار سياسي وأمني، وإلى مؤسسات فلسطينية قادرة على إدارة الخدمات، وإلى خطة وطنية فلسطينية موحدة لإعادة الإعمار. وتؤكد الأمم المتحدة أن الهدف النهائي هو وجود إدارة فلسطينية موحدة للضفة الغربية وقطاع غزة.
أما الفاتيكان، فيستطيع أن يقدم شيئًا آخر لا يقل أهمية: الحفاظ على الوجود المسيحي في غزة والضفة الغربية، ودعم المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية، واستخدام شبكته الدبلوماسية والكنسية للضغط من أجل حماية المدنيين والأماكن المقدسة والحضور المسيحي التاريخي.
لكن واقعية طرح بارولين ستظل مرتبطة بقدرة الأطراف الأكبر، وعلى رأسها الأمم المتحدة والدول المانحة والأطراف الإقليمية والدولية المعنية، على توفير الأمن والتمويل والإدارة السياسية. فالفاتيكان يستطيع أن يكون شريكًا، ووسيطًا دبلوماسيًا، وشاهدًا على الأرض، ومساهمًا في الإغاثة وإعادة بناء المجتمع؛ لكنه لا يستطيع بمفرده إعادة بناء غزة.
وتبدو الرسالة الفاتيكانيّة واضحة وهي إعادة بناء الحجر في غزة تحتاج أولًا إلى إعادة بناء شروط الحياة السياسية التي تحمي الإنسان والحجر معًا. ولذلك يصر الكرسي الرسولي على أن المساعدات وإعادة الإعمار يجب أن تكونا جزءًا من مسار سياسي أوسع، لا بديلًا عنه.

شارك